الأنباط -
الصرايرة: منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تفاقم ظاهرة الابتزاز و الاستدراج الإلكتروني
أبو وردة: التشريع الأردني يظهر تدرجا واضحا في تقدير خطورة الأفعال المرتبطة بما يعرف بالتحرش الإلكتروني
أبو دنون: الخوف من الأهل والتهديد من المبتز أحد الأسباب تدفع الضحية للصمت
الأنباط-آية شرف الدين
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، أصبح الإنترنت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، لكنه في المقابل أوجد تحديات تهدد السلامة النفسية والاجتماعية، أبرزها التحرش والابتزاز الإلكتروني، خاصة بين المراهقين والقاصرين، مع تصاعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
وفي هذا السياق قال المهندس البرمجيات والخبير بتطوير التكنولوجيا الرقمية أحمد الصرايرة إن الفضاء الرقمي بات بيئة خصبة لظهور جرائم مستحدثة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، موضحاً أن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تفاقم ظاهرة الابتزاز والاستدراج الإلكتروني نتيجة عوامل تقنية ونفسية معقدة.
وأشار الصرايرة إلى أن خوارزميات الاقتراح وإخفاء الهوية والرسائل المؤقتة والبث المباشر، مثل خاصية "الاختفاء” في Snapchat، تعزز شعوراً زائفاً بالأمان لدى الضحية، فيما يستطيع المبتز حفظ المحتوى بوسائل خارجية. كما لفت إلى أن تطبيقات مثل TikTok وInstagram إضافة إلى منصات الألعاب Roblox وDiscord أصبحت من أكثر التطبيقات استهدافاً للمراهقين.
وبيّن أن الاستدراج الإلكتروني يمر بمراحل نفسية تبدأ بالمراقبة وكسب الثقة تدريجياً وصولاً إلى عزل الضحية ودفعها لمنصات أكثر خصوصية، مؤكداً أن الخوف من الفضيحة أو العقاب الأسري والارتباط العاطفي بالمعتدي من أبرز أسباب استجابة الضحايا وعدم طلب المساعدة.
وحذر الصرايرة من تصاعد خطورة الظاهرة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة "التزييف العميق” (Deepfake)، إضافة إلى تنامي استخدام برمجيات التجسس وانتحال الهوية الرقمية، داعياً إلى تعزيز الوعي الرقمي داخل الأسر والمدارس وتشجيع الضحايا على التبليغ وطلب المساعدة فوراً.
لافتا في ختام حديثه أن خلاصة القول نحن نعيش في عصر أصبح فيه "المفترس” يطرق باب غرف أطفالنا عبر الشاشات. الخطر ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في الفراغ العاطفي والرقابي الذي يتركه البالغون، والذي يسارع المبتزون لملئه. المواجهة تبدأ من الصدق داخل الأسرة ومن الذكاء في التعامل مع المحتوى الرقمي.
ومن جانبها قالت المحامية والخبيرة القانونية هبة أبو وردة إن البناء التشريعي الأردني يكشف عن فرق جوهري بين جريمة الابتزاز الإلكتروني وما يُعرف اجتماعيًا بـ«التحرش الإلكتروني»، إذ خصّ المشرّع الأردني الابتزاز الإلكتروني بنص قانوني مستقل ضمن قانون الجرائم الإلكترونية، باعتباره جريمة تقوم على التهديد والإكراه بهدف تحقيق منفعة أو إجبار الضحية على سلوك معيّن، بينما لم يُنظَّم التحرش الإلكتروني كنص موحد مستقل، بل توزعت صوره بين عدة نصوص في قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية بحسب طبيعة الفعل المرتكب ونتيجته القانونية.
وأكدت أبو وردة أن التطبيق القضائي يُظهر أن «التحرش الإلكتروني» يُعد وصفًا اجتماعيًا واسعًا يشمل أفعالًا متعددة مثل الذم والقدح ونشر الصور الخاصة والأفعال المنافية للحياء والتهديد أو الاستغلال الجنسي، في حين يبقى الابتزاز الإلكتروني أكثر تحديدًا من حيث الأركان والعقوبات لارتباطه بعنصر الضغط والإكراه.
وأوضحت أن المشرّع الأردني لم يتعامل مع التحرش الإلكتروني كنص جزائي مستقل جامع، وإنما وزّع الأفعال التي تدخل ضمن هذا الإطار على عدة نصوص في قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية، في حين أفرد نصًا خاصًا ومستقلًا لجريمة الابتزاز الإلكتروني ضمن قانون الجرائم الإلكترونية المعدل نظراً لخصوصية بنيتها القائمة على التهديد والإكراه وتحقيق المنفعة.
وبيّنت أبو وردة أن التحرش الإلكتروني يُعد وصفًا اجتماعيًا أكثر من كونه جريمة مستقلة بذاتها، إذ يضم تحت مظلته أفعالًا متعددة مثل الأفعال المنافية للحياء أو التهديد أو الذم والقدح أو اغتيال الشخصية أو نشر الصور والمقاطع الخاصة أو الاستغلال الجنسي والإغواء، ويختلف تكييفها القانوني بحسب طبيعة السلوك والوسيلة المستخدمة والنتيجة الجرمية المتحققة.
وأضافت أن الوقائع الموصوفة بأنها "تحرش إلكتروني” يتم ربطها بالنص القانوني المناسب وفق الفعل المرتكب، فإذا تعلّق الأمر برسائل أو تعليقات خادشة للحياء أو إشارات غير أخلاقية جرى تطبيق المادة 26 من قانون الجرائم الإلكترونية بدلالة المادة 306 من قانون العقوبات، أما إذا اتخذ الفعل صورة الذم أو القدح أو التحقير فإن التكييف يتجه نحو المواد 15 و16 من قانون الجرائم الإلكترونية، بينما يطبق نص المادة 20 في حال نشر الصور أو التسجيلات الخاصة بقصد التشهير أو الإساءة أو تحقيق منفعة غير مشروعة.
وأكدت أبو وردة أن المادة 18 من قانون الجرائم الإلكترونية عالجت جريمة الابتزاز الإلكتروني بصورة مستقلة، حيث تقوم الجريمة على استخدام الوسائل الرقمية أو الشبكات المعلوماتية أو مواقع التواصل الاجتماعي لتهديد شخص أو الضغط عليه بقصد حمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه أو لتحقيق منفعة مادية أو معنوية، مشيرة إلى أن الجريمة تتحقق بمجرد التهديد المقترن بغرض الإكراه أو المنفعة حتى دون استجابة الضحية.
وأشارت إلى أن أفعال التحرش الإلكتروني تتحقق بمجرد النشر أو الإرسال أو الإساءة أو المساس بالحياء أو الخصوصية، دون اشتراط وجود طلب أو غاية إكراهية، بينما لا يتحقق الابتزاز الإلكتروني إلا إذا اقترن التهديد بهدف حمل الضحية على فعل أو امتناع أو تحقيق منفعة معينة.
وفيما يتعلق بالعقوبات، أوضحت أبو وردة أن المادة 306 من قانون العقوبات نصت على الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر في صور الأفعال أو الإشارات أو العبارات المنافية للحياء، فيما شددت المادة 305 العقوبة لتصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة في حالات المداعبة المنافية للحياء.
وأضافت أن المادة 15 من قانون الجرائم الإلكترونية عاقبت جرائم الذم والقدح والتحقير بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو الغرامة من خمسة آلاف إلى عشرين ألف دينار أو بكلتا العقوبتين، كما قررت المادة 16 العقوبة ذاتها في جرائم اغتيال الشخصية.
وبيّنت أن المادة 20 من قانون الجرائم الإلكترونية نصت على عقوبات مشددة في حال نشر الصور أو التسجيلات الخاصة، إذ قررت الفقرة "أ” الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامة من عشرين ألف إلى أربعين ألف دينار إذا وقع النشر بقصد التشهير أو الإساءة أو المنفعة، بينما شددت الفقرة "ب” العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة من خمسة وعشرين ألف إلى خمسين ألف دينار إذا اقترن الفعل بتركيب أو تعديل أو معالجة المحتوى بقصد الإساءة أو التشهير أو تحقيق منفعة.
وأكدت أبو وردة أن المادة 18 من قانون الجرائم الإلكترونية نصت على الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة من ثلاثة آلاف إلى ستة آلاف دينار في جرائم الابتزاز الإلكتروني، وفي حال اقتران الجريمة بالتهديد بارتكاب جريمة أو بإسناد أمور خادشة بالشرف أو الاعتبار، شدد المشرّع العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة إضافة إلى غرامة من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف دينار.
ولفتت إلى أن التشريعات الأردنية شددت الحماية للأطفال والقاصرين من الجرائم الرقمية، عبر قانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات وقانون حقوق الطفل وقانون الأحداث، إضافة إلى ضمانات تتعلق بسرية المحاكمات وحظر نشر بيانات الأطفال واستخدام الوسائل التقنية الحديثة أثناء التحقيق والمحاكمة.
كما أشارت أبووردة إلى أن قانون الجرائم الإلكترونية منح صلاحيات واسعة للضابطة العدلية والمدعي العام والمحكمة تشمل الدخول إلى الأنظمة الإلكترونية وفحص الأجهزة وضبط البيانات والتحفظ عليها وإصدار أوامر بحذف المحتوى أو حجبه، إضافة إلى إلزام مزودي الخدمة بالحفاظ على سرية البيانات والحفظ العاجل لها.
وأكدت أبو وردة أن الولاية القضائية الأردنية تمتد لتشمل الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود متى ارتبط أحد عناصر الجريمة أو نتائجها داخل المملكة، حتى لو كان الجاني أو الخوادم الإلكترونية خارج الأردن، خاصة في جرائم الابتزاز والاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت.
وأشارت إلى أن إحصاءات وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية لعام 2022 أظهرت ارتفاع القضايا من 2305 قضايا عام 2015 إلى 16027 قضية عام 2022، من بينها 1285 قضية ابتزاز إلكتروني و3769 قضية ذم وقدح وتحقير و3466 قضية تهديد إلكتروني و133 قضية إساءة للأطفال عبر الإنترنت.
واختتمت أبو وردة بالتأكيد على أن الإشكالية لم تعد في غياب النصوص القانونية أو ضعف العقوبات، وإنما في الحاجة إلى مزيد من الوضوح الاصطلاحي والتنظيمي في التعامل مع مفهوم التحرش الإلكتروني، إلى جانب تعزيز سرعة التدخل القانوني والتقني في الساعات الأولى للجريمة، مشددة على أهمية التوعية والوقاية وعدم إعادة نشر المحتوى المسيء أو التفاوض مع المبتز والحفاظ على الأدلة الرقمية وسرعة طلب المساعدة القانونية.
ومن زاوية نفسية، قال د.عبدالله أبو دنون اختصاصي أول الأمراض النفسية ومعالجة الإدمان في حديثه للأنباط إن التحرش والاستدراج الإلكتروني من أخطر التحديات النفسية الحديثة، خصوصاً لدى المراهقين، لأن الضحية تشعر أن الاعتداء يلاحقها على مدار الساعة، مشيراً إلى أن تقارير UNICEF تؤكد أن التعرض المستمر للإساءة أو التهديد أو الابتزاز عبر الإنترنت قد يؤدي إلى القلق والخوف والعزلة الاجتماعية واضطرابات النوم وتراجع الثقة بالنفس.
وأوضح أبو دنون أن من أبرز العلامات النفسية والسلوكية على الضحية الانسحاب من العائلة والأصدقاء والخوف عند استخدام الهاتف وتغير المزاج واضطرابات النوم وتراجع الأداء الدراسي والشعور بالخجل أو الذنب، مؤكداً أن التحرش الإلكتروني قد يكون أشد أثراً من التحرش التقليدي بسبب استمراريته وسرعة انتشار المحتوى وصعوبة السيطرة عليه.
وأشار إلى أن الخوف من اللوم أو العقاب أو الفضيحة ومنع استخدام الإنترنت من أبرز الأسباب التي تمنع الضحايا من طلب المساعدة، محذراً من أخطاء بعض الأهالي مثل الصراخ أو لوم الضحية أو التركيز على "السمعة” بدلاً من سلامة الطفل النفسية.
واختتم أبو دنون على أهمية تعزيز الوعي النفسي والرقمي داخل الأسرة والمدرسة، وتعليم الأبناء مبادئ الخصوصية والأمان الرقمي، وتشجيعهم على طلب المساعدة فور التعرض لأي تهديد أو ابتزاز إلكتروني، مؤكداً أن الدعم النفسي المبكر يسهم في الحد من الآثار النفسية طويلة الأمد الناتجة عن التحرش الإلكتروني.