الأنباط -
... جزارون في "كيان" الدم ... حلقة .. ( 18 ) ...
تعتبر المستعمرين المعتدين "أبطالاً" وتتبنى "فتيات التلال"
"تايمز أوف إسرائيل": فتيات التلال "أعظم مشروع صهيوني في عصرنا"
وزيرة الاستيطان: أعمل عبر منصبي على تحقيق أفكار وأهداف التيار القومي
الانباط – عبد الرحمن أبوحاكمة
منذ تولّي الوزيرة الصهيونية أوريت ستروك حقيبة ما يسمى بـ"المهام القومية والاستيطان" مطلع عام 2023، بترشيح من حزب "الصهيونية الدينية" الذي يتزعمه بتسلئيل سموتريتش، شهدت الضفة الغربية والقدس المحتلة تصعيدًا استيطانيًا غير مسبوق، وفي عهدها توسّعت البؤر الاستيطانية، وتصاعدت اعتداءات المستوطنين، وتحول المشروع الاستيطاني من سياسة توسع تدريجي إلى مشروع تهجير وإعادة تشكيل ديمغرافي ممنهج يستهدف الوجود الفلسطيني.
ويرى مختصون أن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً خطيراً في طبيعة المشروع الاستيطاني، حيث لم تعد اعتداءات المستوطنين أحداثاً متفرقة، بل تحولت إلى سياسة منظمة تحظى بغطاء سياسي وأمني مباشر من حكومة الاحتلال، مؤكدين أن نقل صلاحيات واسعة في "الإدارة المدنية" إلى سموتريتش شكّل نقطة تحول مفصلية، إذ بات يتحكم بملفات الأراضي والموازنات والمصادقات الخاصة بالبناء الاستيطاني، ما سرّع عمليات إقامة المستوطنات والبؤر الجديدة، بالتوازي مع تنامي نفوذ شخصيات عسكرية وأمنية تنتمي لتيارات استيطانية متشددة داخل مؤسسات الاحتلال.
ويشير الخبراء الى أن الوزيرة المسؤولة عن ملف الاستيطان التي يطلق عليها "المتوحشة" وتصف المستعمرين المعتدين بـ"الأبطال" تلقى دعما واسعا من المستويين السياسي والأمني، مشيرين إلى دور سموتريتش "حاكم الضفة" الفعلي الذي يوفر الدعم والحماية للمستوطنين ويدفع باتجاه تعزيز وجودهم، في وقت يشهد فيه الكيان صعود "الصهيونية الدينية" لا سيما مع تنامي نفوذ شخصيات مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي يدعم تسليحهم، والذين ينظرون إلى المرحلة الراهنة باعتبارها فرصة تاريخية لتنفيذ مخططاتهم بما يخدم مشروع السيطرة طويل الأمد للاحتلال.
"فتيان وفتيات التلال".. الذراع الميدانية للاستيطان
وترتبط أفكار وسياسات ستروك ارتباطاً وثيقاً بما يعرف بـ"فتيان التلال" التي انطلقت في أواخر التسعينات بتشجيع من وزير الأمن آنذاك آرييل شارون، وهي مجموعات استيطانية متطرفة تعمل على فرض وقائع جديدة على الأرض عبر إقامة بؤر استيطانية عشوائية في مناطق فلسطينية.
كما تتبنى ستروك ما يسمى بـ"فتيات التلال" الوجه "الوجه الناعم" للاستيطان، وهن شابات مستوطنات يعشن في خيام ومساكن بدائية فوق التلال، ويقدّمن أنفسهن كجزء من "المشروع الصهيوني التوراتي"، في حين يشاركن فعلياً في ترسيخ التوسع الاستيطاني وتعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية، كما انهن لا يخفين أن مشروعهنّ يندرج تحت ما يسمى "إسرائيل الكبرى"، وتصفن "التنازلات" اللاتي يقدمنها على أنها "تضحية لأجل الأرض الموعودة التي تمتد لتشمل "أراض في المنطقة العربية برمتها"، الى حد ان صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" اعتبرت إن هذه الحركة "أعظم مشروع صهيوني في عصرنا".
وتشير تقارير إلى أن بؤراً استيطانية بدأت بخيام بسيطة على يد "فتيات التلال" تحولت لاحقاً إلى تجمعات استيطانية شبه دائمة، كما حدث في بؤرة "ماعوز إستير"، التي توسعت تدريجياً حتى تجاوزت مساحة مستوطنات قائمة مجاورة، وهو النهج الذي تدعمه الوزيرة ستروك وتدافع عنه، ويرى مراقبون أن نشاط هذه الجماعات لا يقتصر على التوسع الجغرافي، بل يمتد إلى حملات إعلامية منظمة عبر منصات التواصل تستهدف الأجيال الشابة من المستوطنين، وتروج لمشاريع الاستيطان المستقبلي، ولم يخف الدعم الرسمي لهذه المجموعات، فقد سبق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقادة آخرين زيارة هذه التجمعات، بهدف "إضفاء الشرعية القانونية على هذه البؤر."
شخصية ارهابية وخطاب متطرف وإنكار للحقوق الفلسطينية
وتعرف ستروك، بتطرفها وعدائها الشديد للفلسطينيين، حيث سبق أن أنكرت وجود الشعب الفلسطيني ورفضت إقامة دولة فلسطينية، مؤكدة في عدة مناسبات أن "الحقوق القومية في هذه الأرض تخص الشعب اليهودي فقط"، وفق تعبيرها، وفي اقوال أثارت ردود فعل غاضبة من ذوي الاسرى الصهاينة الذين كانت تأسرهم المقاومة في غزة، اكدت في 21 /8/2025، في اجتماع المجلس الوزاري المصغر (الكابينت): "سأصوت بالتأكيد لصالح استمرار الحرب، حتى لو كان من الواضح أن حماس ستُعدم الأسرى"، واعتبرت أن استمرار العمليات العسكرية وفرض السيطرة على الأراضي الفلسطينية يمثلان جزءاً من "المشروع القومي الصهيوني".
ومن مواقف ستروك التي تعبر عن شخصيتها الارهابية وأثارت انتقادات واسعة، اقتحامها في 21 ديسمبر 2025 برفقة عشرات الجنود والمستوطنين، بلدة دورا غرب الخليل حيث شاركت في احتفال عيد الأنوار (الحانوكاة) على قمة جبل طاروسا، وفي نشاط لافت لها عرضت خلال قيامها مؤخرا بجولة في مزارع في غور الأردن خطة ما يسمى بـ"المحور الشرقي" الهادف لإقامة خط استيطاني ثالث واستراتيجي على حدود غور الأردن.
وفي 21 نيسان- أبريل 2026 أقدمت ستروك بدم بارد على قتل الطفل محمد الجعبري في الخليل 16 عاماً والذي كان يقود دراجته في طريقه إلى مدرسته دهساً حتى الموت وذلك عن طريق موكبها وكشفت تقارير أن المركبة تتبع لوحدة ماغين المختصة بحماية كبار الشخصيات وكانت في مهمة رسمية لتأمين موكب الوزيرة لحظة وقوع الحادث.
تصاعد الاستيطان وتحول التهجير إلى سياسة معلنة
ويشدد خبراء على أن ملف التهجير في الضفة في عهد ستروك لم يعد مجرد طروحات لجماعات متطرفة، بل أصبح جزءاً من خطاب سياسي وحكومي معلن، يجري الترويج له داخل الأوساط الإسرائيلية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الأمنية والاقتصادية على الفلسطينيين، ويؤكد مختصون أن الاستيطان لم يكن يوماً مشروع تيار سياسي واحد، بل سياسة ممتدة تبنتها حكومات الاحتلال المتعاقبة، مع اختلاف الأساليب والخطاب، بينما بقي الهدف الأساسي قائماً على تكريس السيطرة على الأرض ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، محذرين من أن المرحلة الحالية تشهد محاولات لإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية، عبر توسيع المستوطنات وربط البؤر الاستيطانية ببعضها، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى مناطق معزولة ومقطعة الأوصال.
صحيح أن اليمين الصهيوني الذي تمثله ستروك وامثالها من الارهابيين يدفع المشروع إلى مستويات أكثر شراسة ووقاحة، لكن البنية الأساسية للاستيطان تشكلت منذ عقود بدعم واسع من مؤسسات الكيان، بيد ان الفارق كان في السرعة والأسلوب والخطاب، لا في المبدأ الأساسي القائم على تكريس السيطرة وتوسيع الاستيطان وتصعيد عمليات التهجير والتطهير الجغرافي والعرقي بحق الفلسطينيين.
"مسؤولياتي تلخيصا لرؤية وأهداف الصهيونية الدينية"
وتشير السيرة السياسية لستروك التي ولدت لعائلة متدينة في القدس المحتلة عام 1960 ان والدها، يهودا كوهين، باحث في مجال القوميات في أوروبا، وفي أعقاب مذبحة الحرم الإبراهيمي 1994 قادت حراكا صهيونيا داعيا لإعادة فتح الحرم الشريف أمام اليهود للصلاة، وشاركت في حملات دعم الاستيطان وأسست في 2002 منظمة تعمل لتعزيز الاستيطان في الضفة وهي عضو في "الكنيست" عن الحزب الصهيوني الديني وتُعد أيضاً من قادة المستوطنات ومنذ 2013، تقيم في مستوطنة أبراهام أفينو في الخليل، وخلال الكنيست الـ18، تطوعت ضمن ما يعرف بـ"اللوبي من أجل أرض إسرائيل" الذي يمارس ضغوطا للتصدي لتجميد البناء في المستوطنات ووقتها استطاعت داخل هذا "اللوبي"، الدفع باتجاه سن تشريع لاعتبار الحرم الإبراهيمي و"قبر راحيل"، المعروف باسم مسجد بلال بن رباح، كمواقع تراث يهودية.
وينقل عن ستروك تأكيدها دوما: "المسؤوليات التي أتحملها تعد تلخيصا لرؤية وأهداف الصهيونية الدينية"، ووصفت نجاحها في تولي هذا المنصب الذي ستعمل من خلاله على تحقيق أفكار وأهداف هذا التيار بأنه "سلم يعقوب – الذي توجد قاعدته على الأرض بينما يمتد إلى السماء"، على حد قولها.
ختاما، وبالرغم من حروب الإبادة المفتوحة الا انهم في الكيان قلقلون من البقاء والصمود الفلسطيني وقد أكدت مؤتمرات "هرتسليا" دوما على خطورة الوجود الفلسطيني واستنتجت في الخلاصة "انه يجب العمل على تهجير الفلسطينيين"، وهو ما اشار اليه المؤرخ المعروف بيني مورس في 9/1/2004: "إن كانت نهاية القصة ستكون سيئة من وجهة النظر اليهودية، فإن سبب ذلك يعود إلى أن بن غوريون لم يكمل الترانسفير عام 1948، لأنه أبقى مخزوناً ديموغرافياً كبيرا ومتفجراً في الضفة وغزة وداخل (إسرائيل)
نفسها".