محمد شاهين - الأنباط
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد محللون سياسيون أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التصعيد المنضبط الذي تحكمه الحسابات السياسية والعسكرية الدقيقة، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهة وانعكاساتها المباشرة على أمن دول الخليج واستقرار المنطقة بأسرها.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من برنامج "حصاد الأسبوع" الذي تبثه قناة الأنباط ويقدمه الإعلامي خلدون الشقران، حيث استضاف في الأستوديو المحلل السياسي الدكتور منذر الحوارات، فيما شارك عبر الهاتف من الرياض المحلل السياسي عشق بن محمد، للحديث حول أبعاد التصعيد بين واشنطن وطهران، وتأثيره على دول الخليج العربي ومستقبل التوازنات الإقليمية في المنطقة.
وقال الدكتور منذر الحوارات إن ما تشهده المنطقة حالياً لا يمكن وصفه بالحرب الشاملة، وإنما هو نمط من "التصعيد المنضبط" الذي يحاول من خلاله كل طرف توجيه رسائل سياسية وعسكرية للطرف الآخر دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل. وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران ما تزال تواجه تعقيدات كبيرة نتيجة تمسك كل طرف بمطالبه الأساسية، إذ تسعى واشنطن إلى فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني وإخراج اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية، بينما تطالب طهران برفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
وأضاف الحوارات أن الضربات العسكرية الأخيرة التي شهدتها المنطقة تأتي في إطار الضغط المتبادل بين الطرفين، حيث تحاول الولايات المتحدة إظهار قدرتها على استهداف مواقع استراتيجية إيرانية، فيما تلجأ طهران إلى استخدام أوراق ضغط أخرى من خلال استهداف مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة، وخاصة دول الخليج العربي، بهدف رفع كلفة المواجهة وإرسال رسائل سياسية واقتصادية للإدارة الأمريكية.
وأشار إلى أن استهداف المنشآت النفطية والممرات البحرية الحيوية يمثل أحد أخطر أوجه هذا التصعيد، نظراً لما يترتب عليه من تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد الدولية، مؤكداً أن إيران تدرك أهمية هذه الورقة وتحاول استثمارها خلال مرحلة التفاوض الحالية. كما اعتبر أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية لقاء القيادة الإيرانية لا يمكن فصلها عن سياق الضغوط المتبادلة ومحاولة كل طرف تحسين موقعه التفاوضي قبل الوصول إلى أي تفاهمات محتملة.
وفي معرض حديثه عن أمن الخليج، شدد الحوارات على أن التطورات الأخيرة أثبتت أن دول الخليج باتت في صلب المواجهة الإقليمية، الأمر الذي يتطلب تعزيز منظومات الردع والدفاع، إلى جانب تبني موقف عربي أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. وأكد أن أي اعتداء على دولة خليجية يجب أن يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على الأمن القومي العربي، داعياً إلى تحرك عربي سياسي ودبلوماسي أكثر فاعلية لمواجهة التهديدات التي تستهدف استقرار المنطقة.
من جانبه، وصف المحلل السياسي عشق بن محمد الهجمات التي تعرضت لها دول الخليج بأنها اعتداءات تمس السيادة العربية بشكل مباشر، مؤكداً أن استهداف المنشآت المدنية والمرافق الحيوية يعكس محاولة واضحة لتوسيع رقعة الصراع ونقل تداعيات المواجهة إلى دول الجوار العربي. وأشار إلى أن دول الخليج تعاملت مع هذه التطورات بمنطق الحكمة والصبر الاستراتيجي، في محاولة لتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
وأوضح بن محمد أن دول الخليج تمتلك منظومات دفاعية متطورة أثبتت كفاءة عالية في التصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، لافتاً إلى أن نجاح هذه المنظومات في اعتراض النسبة الأكبر من التهديدات يؤكد حجم الاستثمارات التي ضختها دول الخليج خلال السنوات الماضية لتعزيز قدراتها الدفاعية وحماية منشآتها الحيوية ومقدراتها الاقتصادية. كما أشاد بمستوى التنسيق العسكري والأمني بين دول مجلس التعاون الخليجي، معتبراً أن هذا التنسيق شكّل أحد أهم عوامل النجاح في الحد من آثار الهجمات الأخيرة.
وأكد أن قوات "درع الجزيرة" والتعاون الدفاعي الخليجي المشترك يمثلان ركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي، مشيراً إلى أن امتلاك دول الخليج قدرات عسكرية كبيرة لا يعني بالضرورة اللجوء الفوري إلى الخيار العسكري، إذ تفضل هذه الدول إعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية متى ما أمكن ذلك. وأضاف أن الصبر الاستراتيجي الذي تنتهجه دول الخليج لا يعكس ضعفاً، بل يعبر عن إدراك عميق لمخاطر توسيع دائرة الصراع، خاصة في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية المعقدة التي تشهدها المنطقة.
ورأى بن محمد أن استمرار الاعتداءات على دول الخليج قد يفرض مستقبلاً مراجعة بعض الخيارات السياسية والأمنية، مؤكداً في الوقت ذاته أن حماية الأمن الخليجي تمثل جزءاً لا يتجزأ من حماية الأمن العربي ككل، وأن أي تهديد يستهدف استقرار دول الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على مختلف الدول العربية.
وخلصت الحلقة إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية، في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتعثر المسار التفاوضي بينهما. كما أكد الضيفان أن أمن الخليج واستقرار المنطقة يتطلبان مزيداً من التنسيق العربي والعمل المشترك، إلى جانب مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع اتساع دائرة الصراع والحفاظ على أمن واستقرار الشرق الأوسط في مواجهة التحديات المتصاعدة.