الأنباط -
تطرح خطط تطوير حقل الريشة تساؤلات حول دوره في موازنة احتياجات الطاقة المتزايدة في الأردن
بلاسمة : نجاح الريشة لا يقاس بالإنتاج بل بالمنظومة الكاملة للطاقة
العساف : الريشة لا يخفف الاستيراد فقط وإنما يعيد رسم تنافسية الاقتصاد
الأنباط – عمر الخطيب
اليوم ومع التحول العالمي المتسارع نحو استخدام الغاز الطبيعي باعتباره أحد أنظف مصادر الطاقة وأكثرها كفاءة، يبرز في الأردن اسم حقل الريشة بوصفه أحد أبرز الرهانات الوطنية لتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية وتقليص فاتورة الاستيراد، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى هل يستطيع غاز الريشة أن يسد فجوة الطاقة في الأردن، أم أنه سيبقى مشروعا استراتيجيا طويل الأمد لا يكفي وحده لتلبية الطلب المتزايد على الغاز؟
وبحسب تصريحات وزير الطاقة والثروة المعدنية صالح الخرابشة في 14 حزيران/يونيو 2026 يستهلك الأردن نحو 340 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا، يستخدم معظمها في توليد الكهرباء إلى جانب تزويد بعض القطاعات والمدن الصناعية.
وفي المقابل تستهدف الحكومة رفع إنتاج حقل الريشة إلى نحو 418 مليون قدم مكعب يوميا بحلول عام 2029، عبر حفر آبار جديدة وتوسيع عمليات الإنتاج وربط الحقل بخط الغاز العربي، وصولا إلى تحقيق اكتفاء ذاتي نسبي بحلول عام 2035، مع رفع القدرة الإنتاجية إلى نحو 810 ملايين قدم مكعب يوميا.
وتواصل شركة البترول الوطنية تنفيذ خطط توسعة تهدف إلى زيادة الإنتاج وتطوير مرافق المعالجة وإنشاء البنية التحتية اللازمة لنقل الغاز، في إطار استراتيجية حكومية تستهدف تعزيز أمن التزود بالطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
لكن هذه الأرقام والخطط رغم أهميتها الا انها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح المشروع، إذ إن التحدي لا يكمن في حجم الإنتاج المستهدف فحسب بل في قدرة الأردن على إنتاج الغاز بصورة مستقرة ونقله بكفاءة وتوظيفه اقتصاديا بما يحوله من مورد طبيعي إلى ركيزة تعزز أمن الطاقة وتدعم تنافسية الاقتصاد الوطني.
قراءة فنية، هل تكفي الأرقام للحكم على نجاح الريشة؟
يرى خبير الطاقة الدكتور فراس بلاسمة أن تقييم قدرة حقل الريشة على تلبية احتياجات الأردن المستقبلية من الغاز لا يمكن أن يستند إلى مقارنة الإنتاج المستهدف بالاستهلاك الحالي فقط لأن هذه المقارنة رغم أهميتها تمثل قراءة حسابية أولية ولا تعكس الصورة الكاملة لأمن الطاقة، موضحا أن الوصول إلى إنتاج يبلغ نحو 418 مليون قدم مكعب يوميا بحلول عام 2029 قد يبدو كافيا عند مقارنته بالاستهلاك الحالي البالغ نحو 340 مليون قدم مكعب يوميا، إلا أن نجاح المشروع لا يقاس بالأرقام المجردة وإنما بقدرة الحقل على المحافظة على إنتاج مستقر ومستدام لسنوات طويلة، وبمدى جاهزية البنية التحتية لاستيعاب هذه الكميات ونقلها إلى مواقع الاستهلاك.
ويؤكد بلاسمة أن الدولة لا تخطط لتلبية احتياجات اليوم فقط وإنما تبني استراتيجيتها على الطلب المتوقع خلال العقد المقبل في ظل التوسع الصناعي والنمو المستمر في الطلب على الكهرباء ودخول قطاعات جديدة تعتمد على الغاز الطبيعي، ما يجعل احتياجات السوق المستقبلية مختلفة عن الواقع الحالي.
من الإنتاج إلى منظومة متكاملة
ومن هذا المنطلق، يشير بلاسمة إلى أن نجاح مشروع الريشة لا يرتبط بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرة الأردن على بناء سلسلة متكاملة تبدأ من عمليات الاستكشاف والإنتاج والمعالجة مرورا بشبكات النقل والتوزيع وصولا إلى المستهلك النهائي، معتبرا أن امتلاك مورد محلي دون وجود منظومة قادرة على استثماره اقتصاديا لا يحقق أمن الطاقة بالشكل المطلوب.
وفي هذا السياق ، يصفه بأن مشروع ربط حقل الريشة بخط الغاز العربي بأنه يمثل نقطة التحول الحقيقية في المشروع، إذ إن الغاز المنتج داخل الحقل سيبقى محدود الأثر ما لم تتوافر شبكة نقل قادرة على إيصاله إلى محطات توليد الكهرباء والمناطق الصناعية والمستهلكين الرئيسيين في مختلف أنحاء المملكة.
التحدي الحقيقي يكمن بإدارة الغاز لا إنتاجه
ويشير إلى أن التحدي خلال السنوات المقبلة قد لا يتمثل في إنتاج الغاز بقدر ما يتمثل في إدارة مساره الكامل، بدءا من البئر ووصولا إلى المصنع ومحطة الكهرباء، بما يضمن تحقيق أعلى قيمة اقتصادية ممكنة ويحول الغاز المحلي إلى عنصر فاعل في خفض كلف الطاقة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ولا يرى بلاسمة أن غاز الريشة يجب أن يصبح المصدر الوحيد للطاقة في الأردن وإنما أحد الأعمدة الرئيسية ضمن مزيج طاقة متوازن يجمع بين الغاز المحلي، والطاقة المتجددة وأنظمة التخزين ورفع كفاءة استخدام الطاقة بما يعزز مرونة المنظومة الكهربائية ويحد من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد.
بين الطموح والتنفيذ
أما الهدف الحكومي برفع القدرة الإنتاجية إلى نحو 810 ملايين قدم مكعب يوميا بحلول عام 2035، فيصفه بأنه هدف طموح وقابل للتحقيق، لكنه يبقى مرهونا بعدة عوامل فنية في مقدمتها حجم الاحتياطيات القابلة للإنتاج، ونجاح عمليات الحفر، وكفاءة مرافق المعالجة، وقدرة شبكات النقل على استيعاب الكميات المنتجة، إلى جانب وجود طلب حقيقي ومستدام من قطاعي الكهرباء والصناعة.
ويبين بلاسمة إلى أن القيمة الحقيقية لمشروع الريشة لن تقاس بعدد الآبار أو بحجم الإنتاج فقط وإنما بمدى نجاح الأردن في تحويل هذا الغاز إلى ركيزة لأمن الطاقة تسهم في إنتاج كهرباء أقل كلفة وصناعة أكثر تنافسية واقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الإقليمية والعالمية .
من أمن الطاقة إلى أمن الاقتصاد
من الجانب الإقتصادي، يقول الخبير والمحلل الاقتصادي الدكتور غازي العساف إن نجاح مشروع الريشة لا يقتصر على زيادة إنتاج الغاز الطبيعي، وإنما يمتد إلى تعزيز مؤشرات الاقتصاد الكلي وفي مقدمتها ميزان المدفوعات والاحتياطيات الأجنبية ورفع قدرة الاقتصاد الأردني على مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية، موضحا أن زيادة الاعتماد على الغاز المحلي تقلل الحاجة إلى استيراد الوقود، ما يخفف الضغط على العملات الأجنبية ويمنح الاقتصاد مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات الإقليمية وانقطاعات الإمدادات.
ويستشهد العساف بما شهدته المملكة خلال السنوات الماضية من ارتفاع في كلف توليد الكهرباء بعد تعطل بعض إمدادات الغاز الإقليمية، مؤكدا أن ذلك لا يعني الاستغناء الكامل عن الاستيراد بل تعزيز قدرة الأردن على إدارة مخاطر الطاقة وتقليل أثر التقلبات الخارجية على الاقتصاد الوطني
الصناعة هي المستفيد الأكبر
وبحسب العساف، فإن الأثر الاقتصادي للمشروع لن يقتصر على تقليل فاتورة استيراد الطاقة وإنما سيمتد إلى خفض كلف الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والإسمنت والسيراميك، نتيجة توفير الغاز المحلي بأسعار أكثر تنافسية ما يعزز القدرة التنافسية للمنتج الأردني ويدعم تقليص جزء من العجز التجاري المرتبط باستيراد الطاقة.
ويشيرإلى أن حجم هذا الأثر يبقى مرهونا بوضوح بيانات الإنتاج والاحتياطيات، وبقدرة الجهات المعنية على تنفيذ خطط التطوير، لأن الجدوى الاقتصادية لأي مشروع تعتمد في النهاية على دقة الأرقام ونجاح التنفيذ.
بيئة الاستثمار أكثر من مجرد غاز
ويضيف العساف أن التوسع في إيصال الغاز إلى المدن والمناطق الصناعية يمكن أن يحسن البيئة الاستثمارية لكنه يشترط استكمال شبكات النقل والتوزيع واستقرار آليات التسعير وضمان استمرارية الإمدادات، مؤكدا أن الأثر في المرحلة الأولى سيتركز على خفض كلف التشغيل للمصانع القائمة أكثر من جذب استثمارات صناعية جديدة، إذ يبحث المستثمر بالدرجة الأولى عن استقرار كلفة الطاقة وضمان استمرارية التزويد قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
الاستثمار الحقيقي يبدأ بالتنفيذ
وفيما يتعلق بالدعم الحكومي المخصص لتطوير حقل الريشة، يلفت العساف إلى أنه يمثل استثمارا طويل الأجل أكثر من كونه عبئا على الخزينة، موضحا أن حجم التمويل ما يزال محدودا مقارنة بخطة التطويرومن المتوقع أن يتراجع تدريجيا مع زيادة الإنتاج واعتماد شركة البترول الوطنية على إيراداتها التشغيلية.
ويوضح أن نجاح المشروع لا يرتبط بحجم التمويل بقدر ارتباطه بكفاءة التنفيذ والالتزام بالجداول الزمنية، مشيرا إلى أن التحدي الأكبر الذي واجه العديد من المشاريع الاستراتيجية في الأردن كان التنفيذ أكثر من التمويل.
ويضيف أن الوصول إلى اكتفاء ذاتي نسبي من الغاز بحلول عام 2035 يجب أن يُنظر إليه ضمن إطار مزيج الطاقة الوطني، لا باعتباره نهاية الحاجة إلى الاستيراد في ظل استمرار نمو الطلب على الكهرباء والصناعة والمشروعات الكبرى، ما يجعل الغاز المحلي أحد الأعمدة الرئيسة لمنظومة الطاقة المستقبلية وليس المصدر الوحيد لها.
الخلاصة ، الريشة فرصة لا حل وحيد
وبين الطموحات الحكومية والقراءات الفنية والتحليلات الاقتصادية، يتضح أن نجاح مشروع غاز الريشة لا يقاس فقط بحجم الإنتاج أو عدد الآبار، بل بقدرة الأردن على تحويل الغاز المحلي إلى قيمة اقتصادية تخفض كلفة الكهرباء، وتعزز تنافسية الصناعة، وتدعم استقرار الاقتصاد ،ورغم أن الحقل يمثل فرصة حقيقية ليكون أحد أعمدة أمن الطاقة في المملكة، فإن تحقيق ذلك يبقى مرهونا باستدامة الإنتاج واستكمال مشاريع النقل والتوزيع ووضوح الاحتياطيات وسرعة تنفيذ الخطط الحكومية ضمن منظومة طاقة متكاملة تجمع بين الغاز المحلي والطاقة المتجددة والتخزين.
وبذلك لا تبدو الإجابة عن السؤال قدرة الريشة على سد فجوة الطاقة محصورة بـ نعم أو لا إذ يرى الخبراء أنه قادر على تغيير معادلة الطاقة في الأردن بصورة ملموسة، لكنه سيبقى جزءا أساسيا من منظومة أوسع يتوقف نجاحها على حسن التخطيط والتنفيذ وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية .