الأنباط – عمر الخطيب
بكلفة تُقدر بنحو 90 مليون دينار يستعد الأردن للدخول في مرحلة جديدة من تطوير بنيته التحتية لقطاع الغاز الطبيعي عبر إنشاء وحدة تغويز برية على شاطئ العقبة، بقدرة تصميمية تصل إلى 700 مليون قدم مكعب يوميا لتحل محل وحدة التغويز العائمة التي اعتمدت عليها المملكة لسنوات في استقبال الغاز الطبيعي المسال.
ويعد المشروع أحد أبرز مشاريع البنية التحتية في قطاع الطاقة لما يحمله من أبعاد فنية واقتصادية تتجاوز إنشاء مرفق جديد لتشمل خفض كلف التشغيل وتعزيز كفاءة منظومة استيراد الغاز الطبيعي ورفع جاهزية البنية التحتية للطاقة في المملكة، وبينما تمضي الحكومة في تنفيذ المشروع تبرز تساؤلات حول جدواه الاقتصادية وحجم الوفر المتوقع مقارنة بالوحدة العائمة والدور الذي سيؤديه في منظومة الغاز الأردنية خلال السنوات المقبلة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تمثل توجها نحو تطوير منظومة الغاز الطبيعي في المملكة بما يرفع كفاءتها التشغيلية ويعزز جاهزيتها لمواكبة اتياجات المرحلة المقبلة .
تعزيز أمن التزود بالطاقة
وتبين وزارة الطاقة والثروة المعدنية " للأنباط "أن مشروع وحدة التغويز البرية في العقبة يأتي ضمن جهود تطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة وتعزيز أمن التزود بالغاز الطبيعي من خلال الإبقاء على خيار استيراد الغاز الطبيعي المسال بوصفه خيارا استراتيجيا يضمن استمرارية الإمدادات في حال انقطاع أي من مصادر التزويد الحالية، موضحة أن المشروع سيسهم في خفض كلف تشغيل ميناء الغاز الطبيعي على شركة الكهرباء الوطنية، بما يحقق وفرا في تكاليف إنتاج الطاقة الكهربائية إلى جانب إتاحة المجال أمام الشركة للتعامل مع عدد أكبر من موردي الغاز الطبيعي المسال من مختلف الأسواق العالمية بما يعزز مرونة التوريد ويحد من مخاطر الاعتماد على مصدر واحد، مضيفة أن المشروع يمثل خطوة ضمن خطط تطوير منظومة استيراد الغاز الطبيعي المسال والبنية التحتية المرتبطة بها بما يعزز جاهزية قطاع الطاقة ويدعم توجه المملكة نحو ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة .
من الحلول المؤقتة إلى البنية الدائمة
ويمثل مشروع وحدة التغويز البرية في العقبة نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية لقطاع الغاز الطبيعي، إذ ينقل المملكة من حل تشغيلي مؤقت إلى منشأة برية دائمة بما يعزز كفاءة المنظومة وموثوقيتها ويرفع جاهزيتها لتلبية احتياجات المستقبل من الغاز الطبيعي، ويؤكد خبير الطاقة الدكتور فراس بلاسمة أن وحدات التغويز العائمة تُستخدم عادة كحلول انتقالية أو في الأسواق الناشئة، فيما تتجه الدول التي استقر الطلب فيها على الغاز إلى إنشاء محطات تغويز برية دائمة، لما توفره من موثوقية تشغيلية أعلى وعمر تشغيلي أطول وسهولة في التوسع مستقبلا إلى جانب انخفاض كلف التشغيل والصيانة .
كيف تعمل وحدة التغويز البرية؟
ويمتد أثر المشروع إلى الجانب الفني إذ تؤدي وحدة التغويز دورا محوريا في تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز صالح للاستخدام داخل المملكة، ويصل الغاز إلى ميناء العقبة بحالته السائلة بعد نقله عبر السفن قبل أن يخضع داخل الوحدة لعمليات فنية تعيده إلى حالته الغازية، ليضخ بعد ذلك في شبكة النقل الوطنية وصولا إلى محطات توليد الكهرباء والقطاعات الصناعية ، ويوضح بلاسمة أن عملية التغويز تمر بعدة مراحل تبدأ باستقبال الغاز المسال وتخزينه ثم إعادته إلى حالته الغازية عبر مبادلات حرارية يليها رفع ضغطه وفحص جودته قبل ضخه في الشبكة الوطنية، مبينا أن جميع هذه العمليات تُدار بواسطة منظومات رقمية متقدمة تضمن كفاءة التشغيل وسلامة الإمدادات.
مرونة أكبر في تأمين إمدادات الغاز
كما يعزز المشروع مرونة منظومة الغاز الطبيعي في المملكة، من خلال الإبقاء على خيار استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية عند الحاجة، بما يضمن استمرارية الإمدادات في مختلف الظروف ويحد من الاعتماد على مصدر أو مسار واحد للتزود بالغاز، ويشير بلاسمة إلى أن وحدة التغويز البرية ستبقى عنصرا استراتيجيا في منظومة الطاقة الأردنية حتى مع ارتفاع إنتاج الغاز المحلي مستقبلا، موضحا أن دورها سيتحول تدريجيا إلى منشأة احتياطية تدعم أمن التزود بالطاقة، وتمنح المملكة مرونة أكبر في إدارة مصادر الغاز والاستجابة لأي متغيرات قد تطرأ على أسواق الطاقة أو سلاسل الإمداد.
سعة للمستقبل... !
وتبلغ القدرة التصميمية لوحدة التغويز البرية نحو 700 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا، وهي سعة صممت لتلبية احتياجات المملكة الحالية، مع توفير هامش تشغيلي يواكب أي نمو مستقبلي في الطلب على الغاز سواء في قطاع الكهرباء أو القطاعات الاقتصادية الأخرى ، ويبين بلاسمة أن هذه السعة تمثل استعدادا مبكرا لمتطلبات المستقبل، ولا تعكس حجم الاستهلاك الحالي فقط، لافتا الى أنها تمنح منظومة الغاز مرونة تشغيلية أكبر وتتيح استيعاب أي زيادة في الطلب دون الحاجة إلى توسعات عاجلة في البنية التحتية.
استثمار طويل الأمد في البنية التحتية
ويشكل المشروع استثمارا طويل الأمد في البنية التحتية لقطاع الغاز الطبيعي إذ يوفر منشأة دائمة قابلة للتطوير بما يواكب احتياجات المملكة المستقبلية ويعزز جاهزية منظومة الغاز لمختلف السيناريوهات التشغيلية، ويضيف بلاسمة أن المشروع يوفر بنية تحتية متطورة ومدعومة بأنظمة تشغيل ومراقبة حديثة بما يعزز موثوقية منظومة الغاز الطبيعي ويرفع جاهزيتها لاستيعاب أي توسعات مستقبلية في قطاع الطاقة.
استثمار يخفض كلف التشغيل
وبالتوازي مع الأبعاد الفنية للمشروع، تبرز انعكاساته الاقتصادية بوصفها أحد أبرز مبررات إنشاء وحدة التغويز البرية سواء من حيث رفع كفاءة إدارة منظومة الغاز الطبيعي أو خفض الكلف التشغيلية المرتبطة بعمليات الاستيراد والتغويز، ويؤكد الخبير الاقتصادي منير ديه أن إنشاء وحدة التغويز البرية في العقبة يمثل تحولا اقتصاديا في إدارة منظومة الغاز الطبيعي، إذ سيخفض كلف التشغيل والاستئجار المرتبطة بوحدة التغويز العائمة، إلى جانب رفع القدرة الاستيعابية للغاز الطبيعي وتعزيز كفاءة عمليات استيراده وتحويله من حالته السائلة إلى الغازية، بما يدعم أمن التزود بالطاقة في المملكة.
كلف أقل وإنتاج أكثر تنافسية
ولا تقتصر الجدوى الاقتصادية للمشروع على تطوير البنية التحتية لقطاع الغاز الطبيعي، بل تمتد إلى دعم القطاعات الإنتاجية من خلال توسيع استخدام الغاز الطبيعي، بما يسهم في خفض كلف الطاقة وتحسين تنافسية الصناعة الوطنية.ويوضح ديه أن التوسع في استخدام الغاز الطبيعي داخل المناطق الصناعية، بالتزامن مع إنشاء وحدة التغويز البرية، سيخفض كلف الطاقة على بعض الصناعات بنسبة تتراوح بين 35 و50% مقارنة باستخدام الوقود الثقيل، الأمر الذي سينعكس على خفض كلف الإنتاج، وتعزيز تنافسية المنتجات الأردنية، وزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
الاستثمار والاستقرار الاقتصادي
كما ينعكس المشروع إيجابًا على البيئة الاستثمارية في المملكة، من خلال توفير بنية تحتية أكثر استقرارًا لمنظومة الغاز الطبيعي، بما يعزز موثوقية إمدادات الطاقة للقطاعات الاقتصادية، ويوفر بيئة تشغيلية أكثر استقرارًا للأنشطة الإنتاجية.ويشير ديه إلى أن استقرار إمدادات الغاز يعد عاملًا رئيسيًا في تعزيز ثقة المستثمرين، لافتًا إلى أن المشروع سيسهم في الحد من تأثير تقلبات أسواق الطاقة العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، بما يدعم استقرار القطاعات الصناعية والإنتاجية، ويعزز فرص النمو الاقتصادي على المدى الطويل.