الأنباط -
التوفيق بين ضرورات الإصلاح المالي ومتطلبات العدالة الاجتماعية
30 ديناراً للمتقاعد والموظف.... 15% خفض نفقات
عمان – قصي ادهم
في واحدة من أكثر الخطوات الاقتصادية والاجتماعية تأثيراً منذ سنوات، جاءت توجيهات رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان برفع رواتب العاملين في القطاع العام المدني والعسكري والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار بمقدار 30 ديناراً شهرياً، بالتزامن مع قرار خفض النفقات التشغيلية في الوزارات والمؤسسات الحكومية بنسبة 15 بالمئة، لتقدم نموذجاً مختلفاً في إدارة المال العام يقوم على إعادة ترتيب الأولويات بدلاً من تحميل المواطنين أعباء إضافية.
القرار في جوهره لا يتعلق فقط بزيادة مالية مباشرة لفئات واسعة من الأردنيين، بل يحمل رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن الحكومة قادرة على إيجاد مساحة لتحسين مستويات المعيشة دون الإخلال بالاستقرار المالي، وأن العدالة الاجتماعية يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع الانضباط المالي, علما بأن اخر زيادة للمتقاعدين المدنيين كانت في العام 2010.
ما يلفت الانتباه في هذه الخطوة أن رئيس الوزراء لم يكتف بإعلان نوايا أو وعود مؤجلة، بل انتقل إلى إجراءات عملية تجمع بين دعم أصحاب الدخول المتوسطة والمتدنية من جهة، وضبط الإنفاق الحكومي من جهة أخرى. فالدولة التي تطلب من مؤسساتها تخفيض نفقاتها التشغيلية بنسبة 15 بالمئة ترسل إشارة واضحة بأنها تبدأ بنفسها قبل أن تطلب من المواطنين تحمل أي أعباء.
خلال الأشهر الماضية بدا واضحاً أن جعفر حسان يتحرك وفق إيقاع مختلف. زيارات ميدانية متواصلة، متابعة مباشرة للمشروعات، اجتماعات متكررة مع المستثمرين، وقرارات لا تنتظر طويلاً في الأدراج الحكومية. هذا الحراك السريع خلق انطباعاً عاماً بأن رئيس الوزراء يحاول فرض نموذج جديد في الإدارة يقوم على الإنجاز والنتائج لا على الاكتفاء بإدارة الملفات اليومية.
غير أن المشكلة التي تواجه هذا الحراك لا تكمن دائماً في القرار نفسه، وإنما في القدرة على تسويقه وشرحه للرأي العام. فبينما يتحرك الرئيس بسرعة وثقة، ما يزال جزء من الفريق الوزاري يتحرك بوتيرة أبطأ من المطلوب، الأمر الذي يخلق فجوة بين الإنجاز الحكومي وبين وصول هذا الإنجاز إلى المواطنين بالصورة التي يستحقها.
كثير من القرارات والمبادرات الحكومية الأخيرة لم تحظ بالتقديم الإعلامي المناسب، ولم تنجح بعض الوزارات في تحويلها إلى قصص نجاح مفهومة وقريبة من الناس. وفي أحيان عديدة بدا وكأن الوزراء يكتفون بإصدار البيانات الرسمية التقليدية، بينما تحتاج المرحلة إلى خطاب تواصلي أكثر حيوية وقدرة على شرح الأثر الحقيقي للقرارات على حياة المواطنين.
ولعل ما حدث في ملف الهيدروجين الأخضر يمثل مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية. فالاتفاقيات التي وُقعت تحمل أبعاداً استراتيجية واستثمارية مهمة للأردن على المدى البعيد، وكان يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها جزءاً من رؤية اقتصادية متكاملة تستهدف جذب استثمارات ضخمة وخلق فرص عمل جديدة وتعزيز مكانة المملكة في قطاع الطاقة المستقبلية. إلا أن طريقة عرض الملف إعلامياً بدت قاصرة عن إبراز جوهر المشروع وأهدافه الحقيقية، فتحول النقاش في بعض الأحيان إلى تفاصيل جانبية بدلاً من التركيز على القيمة الاقتصادية والاستراتيجية للمشروع.
الأمر ذاته ينطبق على عدد من الاستثمارات الصناعية التي نجحت الحكومة في استقطابها أو تسريع تنفيذها، وأسهم بعضها في توفير مئات فرص العمل للأردنيين خلال فترة قصيرة. ومن بين الأمثلة التي استحوذت على اهتمام المتابعين استثمارات صناعية وفرت ما يقارب 400 فرصة عمل للأردنيين خلال أيام معدودة، وهي أرقام كان يمكن أن تتحول إلى قصة نجاح وطنية لو جرى تسويقها وتقديمها للرأي العام بالشكل المناسب.
المعضلة هنا ليست في غياب الإنجاز، بل في غياب ما يمكن تسميته بـ"الرافعة الإعلامية الحكومية" القادرة على التقاط جوهر الجهد الحكومي وإيصاله للمواطن. فالحكومات الحديثة لا تُقاس فقط بما تنجزه، وإنما أيضاً بقدرتها على شرح ما تنجزه ولماذا تنجزه وكيف سينعكس ذلك على حياة الناس.
في حالة جعفر حسان تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ فالرجل لا يعاني من نقص في الحركة أو المبادرة، بل من غياب منظومة إعلامية وسياسية متكاملة قادرة على مرافقة هذا الحراك وتحويله إلى سردية حكومية متماسكة. ولذلك فإن التحدي المقبل أمام الحكومة قد لا يكون اتخاذ القرارات، وإنما بناء فريق قادر على تقديم هذه القرارات للمواطنين بما يليق بحجمها وأثرها.
قرار زيادة الرواتب للفئات الأقل دخلاً، بالتزامن مع خفض النفقات التشغيلية، قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في إدارة الملف الاقتصادي، مرحلة تحاول التوفيق بين ضرورات الإصلاح المالي ومتطلبات العدالة الاجتماعية. لكن نجاح هذه المرحلة سيبقى مرتبطاً بقدرة الفريق الحكومي بأكمله على التحرك بالسرعة نفسها التي يتحرك بها رئيس الوزراء، وبقدرته على بناء جسور ثقة حقيقية مع المواطنين عبر خطاب واضح وصادق ومقنع.
وفي النهاية، فإن المواطن الأردني لا يبحث فقط عن القرارات، بل عن الشعور بأن هناك من يعمل لأجله ويفسر له ما يجري حوله. وبينما تبدو قرارات جعفر حسان الأخيرة خطوة في هذا الاتجاه، فإن المهمة الأكبر ما تزال تتمثل في تحويل هذه الخطوات إلى قصة نجاح وطنية يفهمها الأردنيون ويلمسون آثارها في حياتهم اليومية.