الأنباط -
بقلم: ممدوح سليمان العامري
في الخامس والعشرين من أيار، نقف جميعا أمام محطة وطنية مفصلية لا تمثل مجرد ذكرى تاريخية، بل تجسد مسيرة دولة، وإرادة قيادة، وتضحيات شعب، وعقيدة وطنية تأسست على الشرعية والاعتدال والانتماء، وفي الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، نستحضر بفخر مسيرة وطن استطاع، رغم تعقيدات الجغرافيا والسياسة والإقليم، أن يبني نموذجاً للدولة المستقرة المتماسكة والقادرة على الصمود.
ثمانون عاماً من الاستقلال بالنسبة لنا ليست رقماً في سجل التاريخ، بل تجربة وطنية متراكمة في بناء الدولة والمؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وصيانة الهوية الوطنية، والحفاظ على أمن الوطن واستقراره وسط إقليم عاصف بالأزمات والتحولات والصراعات.
لقد ارتبط الاستقلال الأردني منذ اللحظة الأولى بمشروع الدولة الحديثة التي قادها الهاشميون بحكمة ومسؤولية تاريخية، مستندين إلى شرعية دينية وتاريخية وسياسية، وإلى رؤية وطنية آمنت بأن بناء الإنسان والمؤسسة هو الأساس الحقيقي لبقاء الدول واستمرارها.
وفي قلب هذه المسيرة الوطنية، بقيت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية - التي تشرفت بالخدمة فيها - تشكل الركيزة الصلبة في حماية الاستقلال وصون السيادة الوطنية، فالجيش العربي لم يكن مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان على الدوام مدرسة وطنية في الانضباط والانتماء والتضحية، وسياجاً يحمي الدولة ويحافظ على تماسكها واستقرارها في أصعب الظروف.
لقد قدّم الأردنيون نموذجاً استثنائياً في الوفاء للوطن والقيادة، وشاركوا في بناء الدولة والدفاع عنها، ليس فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في ميادين العمل والبناء والتنمية، والإغاثة، وحفظ السلام، وتعزيز الاستقرار الوطني.
وفي هذه المناسبة الوطنية، لا يمكن الحديث عن الاستقلال دون التوقف أمام المكانة التي يوليها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه للقوات المسلحة والمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى، تقديراً لدورهم وتضحياتهم، وإيماناً بأنهم جزء أصيل من منظومة الدولة وذاكرتها الوطنية وهويتها المعنوية.
كما يواصل سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، ترسيخ نهج التواصل والوفاء مع رفاق السلاح، من خلال اهتمامه المستمر بالشباب والقوات المسلحة والمتقاعدين العسكريين، وإيمانه بأهمية الاستثمار في الإنسان الأردني باعتباره الثروة الوطنية الأهم.
غير أن حماية الاستقلال في عالم اليوم لم تعد مرتبطة فقط بحماية الحدود والسيادة بالمعنى التقليدي، بل أصبحت تشمل حماية الدولة الوطنية من التحديات الجديدة التي تستهدف الثقة والوعي والهوية الوطنية، ففي عصر الفضاء الرقمي والتدفق المعلوماتي الهائل، تواجه الدول معارك من نوع مختلف، تتعلق بالسرديات، والتضليل الإعلامي، ومحاولات التأثير على الإدراك الجمعي وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية.
ومن هنا، فإن الحفاظ على منجزات الاستقلال يتطلب اليوم تعزيز التماسك الوطني، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وتطوير منظومات الاتصال المتنوعة، وبناء وعي وطني قادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين النقد المسؤول ومحاولات الاستهداف المنظم للدولة ومؤسساتها.
لقد أثبت الأردن خلال العقود الماضية قدرة استثنائية على التوازن والصمود، بفضل حكمة القيادة الهاشمية، ووعي الشعب الأردني، وكفاءة مؤسساته الوطنية، واحترافية قواته المسلحة وأجهزته الأمنية، وهو ما جعل المملكة تحافظ على استقرارها ومكانتها واحترامها رغم كل ما شهدته المنطقة من أزمات وتحولات عميقة.
وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، نُدرك أن حماية الوطن ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية وطنية جماعية، وأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تملكه من شرعية وثقة وتماسك ووعي وطني.
سيبقى الاستقلال الأردني قصة دولة بُنيت بالإرادة والتضحيات، وحُميت بالوفاء والعقيدة والانتماء، وسيبقى الجيش العربي والأجهزة الأمنية والمتقاعدون العسكريون جزءاً أصيلاً من هذه الرواية الوطنية التي صنعت الأردن الحديث وحافظت عليه.
حمى الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.