الأنباط -
د. أيوب أبودية
خلال زيارتي الأخيرة إلى أيرلندا، لم يكن من الصعب أن ألاحظ حجم التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية. فالأعلام الفلسطينية ترفرف في كثير من المدن، والفعاليات التضامنية لا تكاد تنقطع، والمواقف السياسية الأيرلندية غالباً ما تكون من أكثر المواقف الأوروبية جرأة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية. وقد يدفع ذلك كثيرين إلى التساؤل: لماذا يبدو الأيرلنديون أكثر شعوب أوروبا تعاطفاً مع فلسطين؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى التاريخ. فقد بدأت معاناة أيرلندا منذ أواخر القرن الثامن الميلادي مع غزوات الفايكنغ، الذين هاجموا الأديرة والقرى الساحلية طمعاً في الثروات. لكن هؤلاء تحولوا لاحقاً إلى تجار ومستوطنين، واندمج كثير منهم في المجتمع الأيرلندي وتزاوجوا معهم، بل أسسوا مدناً كبرى مثل دبلن وكورك وليمريك. لذلك، لم يكن الفايكنغ هم السبب الرئيس في قرون الاضطهاد التي عاشتها أيرلندا.
أما التحول الحقيقي، فقد بدأ عام 1169 مع الغزو الأنغلو-نورماني، الذي فتح الباب أمام ما يقارب ثمانية قرون من الهيمنة الإنجليزية، ثم البريطانية. وخلال تلك القرون، صودرت أراضي الأيرلنديين، وأُقيمت المستوطنات الإنجليزية والاسكتلندية، خاصة في إقليم أولستر، وأصبحت الأغلبية الكاثوليكية تعيش تحت سلطة أقلية بروتستانتية مدعومة من لندن.
ولم يكن الصراع دينياً فحسب، بل كان أيضاً صراعاً على الأرض والهوية والسيادة. فقد حُرم الكاثوليك من امتلاك الأراضي والمشاركة السياسية والتعليم وتولي المناصب العامة، بينما تركزت الثروة والسلطة في أيدي المستوطنين الجدد. ولم يكن الفلاح الأيرلندي يزرع أرضه لنفسه، بل كثيراً ما كان يعمل في أرض يملكها ملاك غائبون يقيمون في بريطانيا.
ثم جاءت المجاعة الكبرى بين عامي 1845 و1852، التي أودت بحياة نحو مليون إنسان، وأجبرت مليوناً آخر على الهجرة. ورغم أن سببها المباشر كان مرضاً أصاب محصول البطاطا، فإن كثيراً من المؤرخين يرون أن السياسات البريطانية القاسية، واستمرار تصدير الأغذية من أيرلندا أثناء المجاعة، حولت الكارثة الطبيعية إلى مأساة إنسانية هائلة.
وبعد عقود طويلة من المقاومة، حصل معظم أيرلندا على استقلاله عام 1922، بينما بقيت أيرلندا الشمالية تحت السيادة البريطانية، واستمرت فيها الصراعات لعقود، إلى أن جاءت اتفاقية الجمعة العظيمة عام 1998 لتفتح صفحة جديدة من السلام.
هذا التاريخ الطويل جعل الأيرلنديين يحتفظون بذاكرة جماعية قوية تجاه معاني الاحتلال، ومصادرة الأراضي، والاستيطان، والتمييز، والحرمان من تقرير المصير. ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من تعاطفهم مع الشعب الفلسطيني. فالكثير من الأيرلنديين يرون أوجه تشابه بين تجربتهم التاريخية وتجربة الفلسطينيين، سواء فيما يتعلق بالأرض أو الاستيطان أو النضال من أجل الاستقلال والهوية الوطنية.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تكون أيرلندا من أكثر الدول الأوروبية انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، وأن يدعو سياسيون ونقابات وجامعات ومنظمات مجتمع مدني أيرلندية إلى احترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني. كما شهدت المدن الأيرلندية على مدى السنوات الأخيرة مسيرات شعبية حاشدة دعماً لفلسطين، وهو موقف يعكس قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من المجتمع، وليس مجرد موقف سياسي عابر.
ومع أن لكل شعب خصوصيته التاريخية، ولا يمكن مساواة أي تجربتين بشكل كامل، فإن التاريخ يفسر كثيراً من المواقف الإنسانية. فالشعوب التي ذاقت مرارة الاحتلال، والتهجير، والتمييز، غالباً ما تكون أكثر حساسية تجاه معاناة الشعوب الأخرى.
ولعل هذا هو السر في العلاقة العاطفية التي تربط كثيراً من الأيرلنديين بفلسطين. فهم لا يرون في القضية مجرد نزاع بعيد، بل يستحضرون في ذاكرتهم تاريخاً طويلاً من مقاومة الهيمنة، والدفاع عن الأرض، والإصرار على الكرامة الوطنية. ومن هنا أصبح التضامن مع فلسطين، بالنسبة إلى كثير من أبناء أيرلندا، امتداداً طبيعياً لقيم الحرية والعدالة التي ناضل أجدادهم من أجلها عبر قرون طويلة.