الأنباط -
محمد الحمصي
قبل أكثر من عشرين عامًا، وتحديدًا في عام 2004، كنت أحد أعضاء اللجنة الفنية الشبابية المشاركة في إعداد الاستراتيجية الوطنية للشباب (2005–2009)، وأستحضر اليوم تلك المرحلة بما حملته من نقاشات وجهود نوعية، انطلقت من رؤية وطنية واضحة تستند إلى التوجيهات الملكية التي وضعت الشباب في صدارة الأولويات الوطنية، واعتبرتهم محركًا أساسيًا في مسارات التنمية والتحديث وبناء المستقبل.
كان من أبرز أدوات العمل حينها ما عُرف بـ"جلسات الاستماع”، وهي لقاءات موسعة مع الشباب هدفت إلى فهم احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم بشكل مباشر، بما يضمن إدماج صوتهم في عملية صياغة الاستراتيجية الوطنية للشباب، ولم تكن تلك الجلسات مجرد إجراء تقني، بل كانت تعبيرًا عن فلسفة في التفكير، تقوم على أن الشباب ليسوا موضوعًا للسياسات فقط، بل هم مصدر أساسي في بنائها وتوجيهها، وكانت الأولويات في ذلك الوقت واضحة ومباشرة، تمثلت في توسيع مشاركة الشباب، وبناء القدرات، وترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، ضمن سياق كان يركز على توحيد الجهود وتطوير العمل الشبابي آنذاك.
في تلك المرحلة، لم تكن مفاهيم مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن الرقمي، والصحة النفسية للشباب، والاقتصاد الرقمي، أو حتى "الرياضة من أجل التنمية” وارتباط الرياضة بالاستثمار، حاضرة في النقاشات بالشكل الذي نراه اليوم، كما لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من تشكيل وعي الشباب أو علاقاتهم أو اهتماماتهم، كما هي الحال في الزمن الحالي، حيث أصبحت هذه الوسائل أحد أهم المؤثرات في تشكيل السلوك الشبابي واتجاهاته.
واليوم، ونحن نتابع التحضيرات لإعداد الاستراتيجية الوطنية للشباب 2026–2030، أجد نفسي أستعيد تلك التجربة بكل تفاصيلها، من باب التأمل في حجم التحول الذي شهده ملف الشباب في الأردن خلال عقدين من الزمن، فخلال هذه السنوات تغيرت طبيعة التحديات والأسئلة أيضًا، فإنتقلنا من السؤال عن "كيفية إشراك الشباب”، إلى السؤال الأعمق: كيف يمكن للشباب أن يكونوا شركاء حقيقيين في التنمية وصناعة القرار؟ وكيف يمكن للسياسات الوطنية أن تواكب عالمًا يتغير بوتيرة غير مسبوقة؟
والإنتقال من مفهوم "جلسات الاستماع” إلى "جلسات المشاورة” التي تنفيذها وزراة الشباب حالياً، يعكس مستوى أعمق من التفاعل والشراكة في صناعة القرار، ويعبر عن تطور في العلاقة بين الشباب والمختصين والمؤسسات الرسمية من مجرد الاستماع إلى المشاركة في صياغة التوجهات.
ومن الجدير بالذكر انه من بين مخرجات تلك التجربة الأولى، لم تكن وثيقة الإستراتيجية فقط، بل كانت أيضا برامجها التي شكلت بداية لمسارات ممتدة أثرت في حياة عدد من المشاركين فيها، حيث تحولت لدى البعض إلى مسارات مهنية وفكرية مستمرة داخل مجالات العمل الشبابي والتنموي.
ومن خلال متابعتي المستمرة لملفات الشباب الأردني والعمل المجتمعي والرياضي خلال السنوات الماضية، أعتقد أن من أهم نقاط القوة في التجربة الأردنية هو استدامة التفكير الاستراتيجي بقضايا الشباب، والدعم الملكي الدائم لملفات الشباب، حيث ان إعادة مراجعة الاستراتيجيات الوطنية بشكل دوري تعني أن هناك إدراكًا بأن احتياجات الشباب ليست ثابتة، وأن السياسات الناجحة يجب أن تبقى مرنة وقابلة للتطوير.
واليوم، تتأكد الحاجة إلى استراتيجية شبابية تتعامل مع تحديات جديدة فرضها الواقع الحديث؛ مثل الذكاء الإصطناعي، والصحة العقلية، والأمن الرقمي، والبطالة المرتبطة بتغيرات سوق العمل، بالإضافة لمحور الرياضة والرياضة المجتمعية والنشاط البدني، باعتبارهما أدوات للتنمية الإقتصادية والإجتماعية، تعزيز القيم المجتمعية وتساهم في تحسين جودة الحياة، إلى جانب أهمية العمل التطوعي، والبيئات الآمنة للشباب.
وربما من الجميل أن نتوقف قليلًا أمام هذا التحول الكبير الذي يشهده العمل الشبابي في الأردن؛ من التركيز على البنية التحتية والبرامج، إلى الحديث عن التمكين، والابتكار، وجودة الحياة، والاقتصاد الرقمي، وتعزيز المشاركة، فهذا التحول بحد ذاته يعكس الحيوية في التعامل مع الأجيال الجديدة وتطلعاتها.