الأنباط -
د. حازم قشوع
حين تتحدث الأمم بلغة الإنجاز، فإنها لا تقف عند تفاصيل العثرات الصغيرة، بل تمضي بثقة نحو الصورة الكبرى حيث تتشكل ملامح المجد. وهكذا كان نشامى الأردن، الذين لم يكونوا مجرد فريق كرة قدم، بل حالة وطنية جامعة، كتبت سطورها بالعزيمة، ورسمت حدودها بالإرادة، حتى أصبحت قصة صعودهم حديث الشارع العربي وموضع فخر لكل أردني.
لن أقف كثيرًا عند سقطة هنا أو هفوة هناك، سواء حدثت في مباراة مضت أو قد تحدث في قادم الاستحقاقات، قبل كأس العالم أو خلاله أو حتى بعده. فهذه تفاصيل عابرة في مسيرة فريق استطاع أن يبلغ القمة عطاءً وأداءً. لقد حمل النشامى النجمة السباعية في قلوبهم قبل صدورهم، فجعلوا منها علامة فارقة في كأس العرب وكأس آسيا، حتى ارتقت هذه النجمة إلى سماء المونديال، في إنجاز تاريخي يُسجَّل للأردن وقيادته.
هذا الإنجاز لم يكن مجرد تأهل، بل كان لحظة وعي وطني رفعت سقف الطموح لدى الأردنيين، وجعلت من حالة الشد والتفاعل الشعبي ظاهرة صحية تنبع من الحرص والمحبة. لقد أصبح المنتخب الوطني محور حديث يومي، وتحوّل الأردنيون إلى محللين يتداولون الخطط والتكتيكات؛ فهناك من يرى في النهج الهجومي بخطة (3-4-3) الخيار الأمثل، وآخرون يفضلون الواقعية الدفاعية عبر (4-4-2)، فيما يدعو فريق ثالث إلى أسلوب حداثي قائم على الضغط العالي والاستحواذ المنظم.
هذا التباين لا يعكس اختلافًا بقدر ما يجسد حالة انخراط وطني عميق، حيث تتجه القلوب والعقول نحو هدف واحد:
أن يرفرف العلم الأردني للمرة الأولى في سماء المونديال، حاملاً معه قصة وطن آمن بقدراته.
ولعل هذا الإنجاز الكروي لا يقف عند حدوده الرياضية، بل يُنتظر أن يلقي بظلاله على مساحات أوسع من مشروع البناء الوطني، الذي امتد عبر قرن من الزمان، عمل خلاله الأردن على تأسيس الإنسان وتعزيز مكانته ليكون في المقدمة دائمًا. إنها ذات الرؤية التي حملها جلالة الملك عبدالله الثاني منذ تسلمه سلطاته الدستورية، حين أعلن أن "الأردن أولًا"، فجاء النشامى اليوم ليترجموا هذه الرؤية على أرض الواقع.
وهنا، لا يكون إنجاز النشامى نهاية طريق، بل بداية مرحلة جديدة من الثقة الوطنية. فكما نجحوا في الميدان، فإن رسالتهم تمتد لتؤكد أن الأردن قادر على أن يكون في الطليعة متى ما توفرت الإرادة وتوحدت الجهود. نشامى المونديال ليسوا فقط سفراء كرة، بل سفراء وطن… قالوا بالفعل قبل القول: نعم سيدي… لقد تحققت الرؤية، وها نحن… أولًا.