البث المباشر
الأشغال: 52 بلاغا حتى صباح اليوم جراء الحالة الجوية ومعالجة جميع الملاحظات ميدانيا المنطقة العسكرية الشرقية تحبط محاولة تهريب مواد مخدرة حالة الطقس المتوقعة لاربعة ايام قمة الأردن - الاتحاد الأوروبي ترسخ الشراكة الاستراتيجية وتفتح آفاق التعاون بالطاقة المتجددة المجلس الصحي العالي يعقد أولى جلساته إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من العمل الصحي المؤسسي أورنج الأردن ترعى فعالية "قياداثون" بتنظيم من جامعة الحسين التقنية فلسطين 1936 بين التاريخ والتوثيق السينمائي البنك العربي ومركز هيا الثقافي يختتمان برنامج "المعرفة المالية والابتكار التكنولوجي" الناقد والمنقود في العمل العام عالميا القمة الأردنية – الأوروبية الأولى… شراكة تتجاوز البروتوكول " قفاز التحدي "  في البدء كان العرب الدكتور عبد العزيز اللبدي الحلقة الثالثة إيران 2026: صراع البقاء بين الأزمة الداخلية والضغوط الدولية 91.5 دينار سعر الذهب عيار 21 بالسوق المحلية الأردن يعرب عن أسفه لتعرض سفارة قطر في أوكرانيا لأضرار نتيجة قصف كييف وزير الخارجية يلتقي المبعوث الأميركي الخاص الى سوريا الحنيطي يزور شركتي توساش وروكيتسان ويبحث التعاون مع رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية استمرار تأثير المنخفض الجوي حتى مساء اليوم شحن الهاتف من الكمبيوتر قد يضر بالبطارية لماذا تلتهم بعض الحيوانات صغارها؟

حين تتحول العدسة إلى ضمير وطن

حين تتحول العدسة إلى ضمير وطن
الأنباط -
عرض لكتاب الكاميرا تشرق من القدس
الناقد / محمد رمضان الجبور
يأتي كتاب "الكاميرا تشرق من القدس" للناقد والكاتب د. سليم صبحي النجار بوصفه شهادة فنية ووثيقة إنسانية تنبض بالضوء والمقاومة، فهو لا يكتفي بتأريخ تجربة المصوّر الشهيد هاني جوهرية، بل يقدّم من خلاله سردًا بصريًا لتاريخ الوعي الفلسطيني كما انعكس في عدسة الكاميرا التي كانت ـ بحق ـ بندقيةَ الصورة وذاكرةَ الثورة.
يقف غلاف كتاب "الكاميرا تشرق من القدس" للكاتب سليم النجار بوصفه أول نص بصري يهيّئ المتلقي لعبور الدهشة إلى فضاء النص. فالعنوان المكتوب بحروف ذهبية دافئة فوق خلفية زرقاء شفيفة يتوسطها وجه الشهيد هاني جوهرية، يُشعّ كأنّه شمسٌ تُشرق من ذاكرة المدينة المقدّسة. إنّ التقاء الكلمة بالصورة هنا ليس مصادفة تصميمية، بل بيان رمزيّ عن التحام الفعل الجمالي بالفعل المقاوم؛ فالكاميرا، في هذا الغلاف، لا تلتقط المشهد بل تخلقه من جديد.
يتكئ التصميم على حضور قبة الصخرة في الخلفية، رمزًا للقدس بوصفها مهبط الضوء ومصدر الإشعاع الروحي، وكأنّها تعانق وجه المصوّر الشهيد، في وحدة بين الإنسان والمكان، بين العدسة والقداسة. أما اللون الأزرق، الممتدّ كسماءٍ صافية، فيوحي بالصفاء والنبل، بينما يرمز الذهب إلى الخلود والانبعاث، ليصبح الغلاف ذاته تجسيدًا بصريًا لعنوان الكتاب: الكاميرا تشرق... ومن القدس تحديدًا، من مركز الضوء العربي الأول.
الجانب الخلفي للغلاف لا يقل عمقًا، إذ يحمل مقطعًا تأمليًا من مقدمة محمد البشتاوي، يتحدث عن القدس بوصفها مهد الصورة، ويستدعي أسماءً فلسطينية رائدة في التصوير. بذلك يتحول الغلاف إلى بوابة معرفية وجمالية تُمهّد للقراءة النقدية، وتؤكد أن هذا العمل لا يتحدث عن شخص بقدر ما يكتب سيرة الضوء الفلسطيني في مواجهة عتمة الاحتلال.
وهكذا، فإن الغلاف لا يؤدي دوره التقليدي في التعريف بالكتاب فحسب، بل ينطق بلغة الرمز والهوية، ويشكّل العتبة التي منها تبدأ القراءة، ومن خلالها يُدرك المتلقي أنّ هذا النص ليس سيرة فنية فحسب، بل وثيقة عشق للقدس ولجماليات الصورة المقاومة.
يستمد الكتاب فرادته من التقاء الفني بالوطني؛ إذ يقرأ النجار تجربة جوهرية لا كمسيرة مهنية في التصوير السينمائي فحسب، بل كرحلة وعي وموقف وجودي من الحياة والحرية والجمال. ومن خلال لغةٍ تتأرجح بين التحليل النقدي والتأمل الشعري، يضيء المؤلف سيرة الشهيد الذي جعل من الكاميرا رفيقًا في المعركة، ومن الصورة وثيقةً حية تسجل نبض الأرض وملامح الإنسان الفلسطيني في لحظات الألم والفداء.
في فصول الكتاب، تتشابك السيرة الشخصية مع التاريخ الجمعي، ويتحوّل النصّ إلى مرآة لزمنٍ كانت فيه الصورة مقاومةً صريحة للزيف الصهيوني ومحاولةً لاسترداد الحق من فم الأسطورة. فالكتاب لا يوثق فقط حياة مصورٍ استثنائي، بل يؤسس لرؤية نقدية جمالية حول السينما الفلسطينية بوصفها خطابًا تحرريًا ينهض من بين الركام ليعيد كتابة التاريخ بلغة الضوء والعدسة.
تكمن أهمية هذا العمل في أنه يرفد المكتبة العربية بسجلّ نادر من الذاكرة البصرية الفلسطينية، ويوسّع آفاق النقد السينمائي العربي نحو منطقة لم تحظَ بما تستحق من دراسة وتحليل: منطقة الكاميرا بوصفها فاعلًا ثقافيًا وتاريخيًا. فبين دفّتي الكتاب، يقدّم النجار قراءة معمقة للصورة بوصفها أداة مقاومة، ويستحضر شهاداتٍ من رفاق هاني جوهرية وأصدقائه، فتغدو الصفحات مساحةً لتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الوطنية.
وما يميز الكتاب أنّه لا يكتفي بوصف البطولة، بل ينفذ إلى فلسفة الفعل الفني؛ إذ يرى أن الصورة التي التقطها الشهيد لا تكتفي بأن «تنقل الحدث»، بل «تخلقه»، وتمنحه معنى يتجاوز اللحظة. إنها صورةٌ لا تهدأ — كما يسميها المؤلف — لأنها تواصل اشتعالها في الوجدان العربي، شاهدة على أن الفن يمكن أن يكون سلاحًا، وأن الجمال في لحظات الوجع هو أعمق أشكال المقاومة.
إن "الكاميرا تشرق من القدس" كتاب يُضيء ظلمة النسيان، ويعيد الاعتبار لجيلٍ من المبدعين الذين صنعوا من الفن فعلًا وطنيًا. وهو، قبل ذلك، إضافة نوعية للمكتبة العربية، إذ يدمج بين النقد والسيرة، وبين الوثيقة والجمال، ليغدو نصًا مركزيًا لكل دارسٍ لتاريخ السينما الفلسطينية أو المهتم بجماليات الصورة في سياقها التحرري والإنساني.
يمكن القول إن "الكاميرا تشرق من القدس" ليس مجرد كتابٍ يُروى فيه تاريخ رجلٍ حمل عدسةً في مهبّ الريح، بل هو نشيد ضوءٍ يتردّد بين حجارة القدس ودماء الشهداء. فهنا تتحول الكاميرا إلى ضميرٍ إنسانيٍّ يقظٍ، يلتقط لحظة الفقد كما يلتقط لحظة النهوض، ويحوّل المشهد العابر إلى أيقونةٍ سرمديةٍ لا تموت.
يكتب سليم النجار هذا النص كما لو أنه يُنير مسار الذاكرة الفلسطينية بمصباحٍ من الحنين والوعي، مؤكّدًا أن الصورة — حين تنبع من قلب القدس — لا تُشرق فحسب، بل تبعث في الوجدان العربي يقظة الجمال المقاوم.
إنه كتاب يليق أن يُحمل إلى الأجيال القادمة بوصفه وثيقة بصرية وهوية فكرية، تشهد بأن الكلمة والعدسة معًا قادرتان على أن تُواجها رصاص النسيان، وتُبقيان للقدس شمسها التي لا تغيب.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير