اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
المنطقة العسكرية الجنوبية تحبط محاولة تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة بواسطة طائرة مسيّرة مذكرة بين المطاعم السياحية وتمكين للتنمية لتعزيز الاستدامة في قطاع الضيافة عيد ميلاد سمو الأمير هاشم بن الحسين يصادف غدا شي يدعو الصين وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية لدعم الثقة وتعزيز التعاون العملي سعدي يوسف ما تبقْى لنا منه بعد رحيله شي يقول إن العلاقات بين الصين وكوريا الديمقراطية تقف عند نقطة انطلاق تاريخية جديدة وزارة المياه والري ومياهنا تنفذان مشروع التحول الذكي لتعزيز اتخاذ القرار المبني على البيانات شركة "Avancer ai" توسّع نطاق خدماتها وتتيح منصتها للتحقق من المحتوى الرقمي المزيّف للأفراد شركة البوتاس العربية تهنئ بعيد الجلوس الملكي السابع والعشرين منصة أردنية إلى العالم.. الإذاعة والتلفزيون تطلق موقع "Jordan World Cup" لمواكبة المشاركة التاريخية للنشامى في مونديال 2026. إيران في مواجهة الاستنزاف (6): الوكلاء والعمليات غير المتماثلة في إدارة الصراع وفد من كلية الحقوق في عمان الأهلية يزور الديوان الملكي أسرة عمان الاهلية تهنئ بعيد الجلوس الملكي وذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش "العمل": قانون تنظيم العمل المهني هدفه تحسين الخدمات المقدمة من المهنيين للمواطنين ضبط سلاح ناري بحوزة حدث داخل مدرسة في محافظة المفرق غرف الصناعة تشيد بقرار رفع الأفضلية السعرية للمنتجات الوطنية الى 20% يوم الجيش فى وطن الرسالة المياه : حملة تضبط مرشات مياه على الطريق الصحراوي ‏"اليسَ مكنم رجلٌ رشيد رقم (٢)" البدور: نقل إدارة التأمين الصحي إلى مبنى جديد …

سعدي يوسف ما تبقْى لنا منه بعد رحيله

سعدي يوسف ما تبقْى لنا منه بعد رحيله
الأنباط -

الدكتور ضياء خضير

مات سعدي يوسف ولم يشبع، رغم عمره الطويل، من الحياة، ولا من رغبته العارمة في المزيد من المغامرة والاكتشاف، ولكنه واجه موته بشجاعة الفرسان النبلاء الذين لم يقولوا أفٍّ من الملل، وإنما من ضعف الجسد وتفاقم العلل، على طريقة المتنبي الذي كان يقول:
وإذا الشيخُ قال أفٍّ فما ملّ -
حياةً وإنّما الضّعفَ ملّاَ
آلةُ العَيش صِحّةٌ وشبابٌ
فإذا ولّيا عن المرءِ ولّى
ولكنّ سعدي لم يولِّ أمام موته، ولم يشعر بالهزيمة، ولم يُدرْ وجهه للحياة، فبقيَ على ذاكرته الحديد، وروحه الشابة الهازئة بمرور الزمن وحدثان الدهر، حتى اللحظة الأخيرة التي جاءته فيها تلك الحمامتان لتهباه جناحيهما:
 
"جاءت إليّ يمامتانِ
وحطّتا فوق الوسادة في الصباح...
وقالتا:
سنكون، يا سعدي، جناحيكَ!
انتبهْ!
إنَّ الحياةَ كريهةٌ
لو عشتَها متتبّعاً مَن هبَّ أو دبَّ . . .
الحياة كريمةٌ
لو عشتَها كالطير .. يا سعدي!"
 
كانت هذه القصيدة نوعا من الرؤيا التي رأى فيها علامة الموت ورسوله إليه؛ وابنُ سيرين يقول في تأويل مثل هذا الحلم - الرؤيا إن "رؤية الحمامة تسقط في المنام على الرائي إن كان مريضاً قد تدل على الهلاك وحِمام الموت".
ويبدو من المؤكد أن سعدي كان يعرف، حينما كتب هذه القطعة، تعبيرَ هذه الرؤيا الخاصة بالهلاك وحمام الموت، كما عرفها ابنُ سيرين وغيرُه من معبّري الرؤيا القدماء، وأنه فضّل أن يُبقي على حياته (كريمة) كما عاشها كالطير، بدلًا منها (كريهةً) إن عاشها متتبعا ما هبَّ ودبَّ من قيل وقال، وأن المنفى أو المنافي التي كان يقصدها مع هذا الطير لم تكن له وطنا صالحا للاستقرار بعيدا عن وطنه وعشه العراقي الأول، ولكنها وفّرتْ له الأمن والأمان على ما تخللها من قلق واضطراب، وأن الموت وحدَه هو الذي تكفّل بقصّ جناحي طائره ووضع حدا لرحلته الطويلة في الحياة والشعر.
ورغم جولان سعدي يوسف وتنقله الواسع في الآفاق، ورغم عناده ومكابرته، وشعوره الثقيل بانعدام المنفى والوطن كليهما، فقد ظل العراق ومنطقة طفولته الأولى ومراهقته الخضراء في حمدان وأبي الخصيب والبصرة أعمقَ ما كان يحمله في نفسه من قوة وطاقة.
 
كان الشعر موضعَ اهتمام سعدي الأول ورفيقه الذي صنعت له الكلماتُ فيه هذه الأجنحة التي كان يطير بها مع هذا الحمام في حياته. فهو لم يعش إلا من أجل الشعر وقوة الخلق الحيوية المتجددة فيه على مدى حياته المديدة. كان هذا الشعر مجالَ سره وسروره وقوته ومدار إبداعه وبهجته الخفية العارمة التي صنعت له وطنا بديلا ترحّل فيه ومعه حيث رحل حتى لحظة موته الأخيرة. والمهم في كل هذا هو شجاعة سعدي واستعداده لقبول التحدي الذي فرضه طارقُ الموت عليه، ليُبقي على ذاته وقراره الشخصي حرّين في مواجهة الفجيعة؛ فكان طوال الوقت يوطّن نفسه ويقنعها بقبول الموت والاعتراف به ومواجهته مباشرة، ليحرر نفسه من القلق وحقارة الشعور بالضعة والضعف، وليكون حرّا في شعوره بنفسه وليس بأحد آخر سواه، وعلى نحو لا يكون فيه هذا الموت محطةً أخيرة في نهاية الرحلة، كما نتصوره في العادة، وإنما هو اكتمال التجربة ونضج الثمرة.
وقد كان سعدي، كما أظهر ذلك صديقُه الأديب حسان الحديثي في كلمة قالها بعد موت صديقه الشاعر ، قد تنبأ بمكان موته الغريب على رابية مشرفة في قصيدة كتبها قبل سنوات طويلة، وعلى نحو يشبه أن يكون ، كما يقول الحديثي، "طرفا من أطراف الجنون، وضربا من ضروب المعرفة الغريبة والدراية العجيبة؛ فأن يكتب بصريٌّ من أرضٍ منبسطةٍ حارةٍ عن الموت في المنفى والبرد قبل بضع وخمسين سنة من موته ثم يصْدقُهُ القدرُ فيموت فوق ربوةٍ مشرفةٍ في ضاحية من ضواحي لندن البعيدة مدينةِ البردِ والمنفى، بعيداً عن غابات نخيل ابي الخصيب وضفاف شط العرب، هو أمرٌ غايةٌ في الغرابة والعجب:
 
قبري وراءَ التلِّ يستبقُ القيامة
في وحشةِ المنفى الأخير، وتستظلُ به حمامة
والبرد يُرجفني؛ عراق عراق، ليس سوى عراق
وانا العراق أو القيامة."
وقد كانت قصيدة حسب الشيخ جعفر المهداة إلى الشاعر بعد موته بفترة قصيرة هي التي فجّرت فينا هذا الإحساسَ المتفاقم بالأسى والفقد حول رحيل سعدي يوسف، جوّاب الآفاق الذي عاش حياته كما وُصِف في قصيدة حسب، غريبا موزّعا بين (المابين) و(الضفتين)، عاشقًا للرحيل منذ لحظة هتافه المبكر بسالم المرزوق -المذكور في القصيدة- أن يأخذه في السفينة، في السفينة، واستعداده لأن تكون (مقلته) نفسُها ثمنا لذلك العبور إلى الضفة الأخرى، حتى اللحظة التي كتب فيها وصيته ودفع ثمن الأرض الإنكليزية الغريبة التي نُثر بعض رماده فيها وودع دنياه غير آبهٍ بغير كلمته الحرّة، ولم يخرج عن تلك الدائرة التي لا بدّ فيها للغريب أن يذكر أهله، ولتنغلق الدائرة التي انتهى إليها، ولو في عين الخيال، وبقبضة متطايرة من رماد الجسد المنطفئ، بتلك النقطة التي بدأ منها.
وقصيدته الأخيرة التي كتبها وهو يحتضر في بيته الإنكليزي على فراش الموت:
 
"نحيا حياة لا يليق بنا
إلا الكريمان فيها:
الطهرُ والخطرُ"،
 
تعبّر، هي الأخرى، عن هذه القوة الوحشية عند شاعر كانت كلمة (الشعور) بمفهومها المعجمي الأول الخاص بالإحساس هي المتحكمة في حياته؛ ولا شيءَ آخر فيها غير هذا الطهر والخطر، وأكاد أقول (إرادة القوة) التي لا تجعلنا نستغرب من وصف أحد أصدقائه، وهو منصف الوهايبي، له في قصيدته ب " الشيوعيُّ الأخيرُ النيتشويُّ"؛ فقد كان، مثل الفيلسوف الألماني يؤمن بأن الحياة السعيدة لا وجود لها، وأن الحياة الحقيقية غائبة، وأنها ضرب من المستحيل؛ وخير ما يكافئ به المرء نفسَه أن يظل على كبريائه وعزّة نفسه، لتبقى ذكراه حية، يمجّد فيها إرادة الحياة أمام الموت والعدم، فيما هو يثب من خطر إلى خطر، ويصعد من قدر إلى قدر.
كان شعر سعدي، في مجمله، شعرَ تمرد وقوة، ولكنه شعر حنين ورأفة بالغة، في الوقت نفسه؛ محبة قاسية تشبه الموت، وشعر يعرف في العزلة المضيئة لصاحبه وعمق إنسانيته، عذاباتِ الفقراء وانكساراتهم التي جاء صاحبه منها وانتمى إليها. كان سعدي ينطوي، حتى اللحظة الأخيرة من حياته، على ما يمكن أن نسميه (كبرياء الحب) التي تقدّر، على ما فيها من قسوة المحبين والعاشقين، الالتزامَ في الرأي وصلابة المعتقد، وتهزأ بالمتخاذلين والجبناء الذين أخطأوا، في طرقهم ومصالحهم المتباينة والتباس مصائرهم، قراءةَ مستجدات الواقع للحفاظ على الحدّ الأدنى من سلامة الموقف وشرف الكلمة.
لقد كان حسب آنئذٍ مريضا، متعبا يعاني من الوحدة والفراغ والخيبة حين بلغه خبرُ موت سعدي يوسف، ولم يتوقع أحدٌ أن ذاكرة صاحب الطائر الخشبي ونخلة الله، وروحه الشاعرة ما زالتا حيّتين، محلّقتين، وقادرتين، هكذا، على أن تكتبا في هذا الظرف الصعب والعمر المتأخر قصيدةً على هذا القدر من القوة والشجن، يرثي بها نفسه فيما هو يرثي صديقه ورفيقه في النضال والإبداع والتألّق الشعري.
وقد كان سعدي نفسُه خلال مرضه الأخير دائمَ السؤال عن حسب، قلقًا عليه، يحثّني حين أكلّمُه على الاتصال بحسب ومعرفة أخباره، وحينما أقول له إنني عاجز عن الوصول إليه يقول لي اتصل بنسيبه الشاعر ياسين طه حافظ، فهو يعرف أخباره.
غير أن التراسل بين الشاعرين، وجدانًا وروحًا عطشى عند الصديقين والرفيقين الشاعرين الجنوبيين كليهما، كان قائمًا، كما يبدو، على نحو آخر، ولا قبل للكلمات نفسها أن تترجمه أو تعّبر عنه. فهو "صلةٌ بالروح لا ينفع معها جسدُ"، كما يقول الجواهري في رثاء زوجِه أمِّ فرات؛ وهي، كذلك، معرفةُ الشاعر بالشاعر، والغريب بالغريب، والأديب بالأديب الذي أدركته (حرفةُ الشؤم) العراقية كما أدركتْ من قبلهما مواطنَهما أبا حيان التوحيدي الذي أحرق قبل موته ما توفر لديه من كتبه التي تمثّل عصارةَ فكره وخلاصةَ تجاربه في حياته بسبب من
"أنَّ عِياني مِنهم [من الناس] في الحياة هو الذي يُحَقِّقُ ظَنِّي بهم بَعْدَ الممات، وكَيفَ أتركها لأناس جَاوَرْتُهُم عشرينَ سَنَةً فَمَا صَحَّ لي من أحَدِهِم وِدَادٌ، ولا ظَهَرَ لي من إنسانٍ منهم حِفاظٌ، ولَقَدِ اضطررت بينهم بَعْدَ الشُّهرةِ والمعْرِفَةِ في أوقات كثيرةٍ إلى أكلِ الخُضَرِ في الصَّحراءِ وإلى التَّكفُّفِ الفاضِحِ عند الخاصَّة والعامَّة، وإلى بَيْعِ الدِّينِ والمروءة، وإلى تعاطي الرِّياءِ بالسُّمْعَةِ والنِّفاقِ، وإلى ما لا يَحْسُنُ بالحرِّ أن يرسمه بالقلمِ، ويطرح في قلب صاحبه الألَمَ"،
فيما أوصى سعدي يوسف بحرق جثته بدلا من كتبه، ولم يُتِحْ لأحد أن يعودَه في مرضه، أو يمشيَ وراء جثته بعد وفاته، تاركًا لكتبه وحدَها أن تنوب عنه في الحديث بعد موته كما تحدثت عنه في حياته. ولم يكن حردُ سعدي وغيظُه على الناس، أو بعضهم مساويًا لما كان له من غيظ على زمنه ووجوده الشخصي نفسه، لما رآه من قلة جدوى الرحلة وتعب العمر الذي لم يكن له من خلاصة ومعنى يستخلصه في النهاية منه غير " تفاصيل القذى في جوعة الزرزور"، كما يقول في مقطوعة كتبها أيضا عند إحساسه بالنهاية وانفراط عقد أيامه قبل موته بفترة قصيرة :
 
" أيّامي
وأعوامي التي انفرَطَتْ
كعنقودٍ مُصابٍ ...
كَمْ تأَكّلَني السؤالُ : لأيّما سببٍ أتَينا ؟
الآنَ ،
آمَنّا بأنْ لا شيءَ يأتي من وراءِ التلِّ ،
ليس سوى تفاصيلِ القذى
في جَوعةِ الزرزور ..."
 
وكأن سعدي الذي كان، مثلَ سلفه أبي الطيب المتنبي، يبغي أن يبلغ من زمنه "ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ"، ليس عارفًا بأنه إنما كان طيلة الوقت يدحرج الصخرة إيّاها.. صخرة سيزيف التي أفلتت من يد زميله وابنِ مدينته ومعلمه العظيم بدر شاكر السياب، محاولًا أن يوصلها إلى القمة من جديد، متحملا قلة الزاد ووحشة الطريق ووعيه بعبث المحاولة، بعيدا عن أرضه وسمائه الأولى.
كان، مثل دانتي الإيطالي، يهبط إلى جحيمه الخاص مودّعا كل أمل؛ وهو يختلف بذلك في موقفه من الموت عن المتنبي الذي كان يرى في الموت نوعا من القتل:
إذا ما تأمّلتَ الزمانَ وصرفه تيقنتَ أن الموتَ نوعٌ من القتلِ
في أنه تقبل موته واستعدّ له، كما قلتُ، منذ فترة طويلة مع علمه أنه نوع من القتل. وكان قرارة بحرق جثته الذي حدثني عنه قبل حصوله بسنتين حينما كنا في مطعم كوري صغير يقدم الساكي بتورنتو الكندية ( قالها بالإنكليزية"I decided to cremate my body ) نوعا من الإمعان في هذا القتل، الذي يبقى فيه الشاعر وفيًا حتى النهاية لمبادئه التي آمن بها طيلة حياته، ولم يُعِرْ فيها انتباها لأيّ شيء سوى صوته الخاص، وخطوته التي يريد لها أن تظلّ دائما مختلفة عن خطوات الآخرين في حياته وموته.
وحينما قلتُ له
-" لقد ذهبتَ يا أخي إلى آخر الدنيا لتسترد ولدَك حيدر الذي مات بقرية نائية في الفلبين لتدفنه بمقبرة الغرباء في السيدة زينب إلى جانب الجواهري..؟ فكيف لا تريد أن تكون بجانبه، وبجانب الجواهري، بعد عمر طويل إن شاء الله...!"
فسكتَ ولم يجبْ، وكأني نكأتُ فيه جرحا ناغرا...

[في مقالته التي كتبها عن موت ولده حيدر تحت عنوان (عودة الابن الضال) قال سعدي مخاطبا جسد ولده المسجى ببيت عائلة زوجته في تلك القرية الواقعة بين الغابات والأحراش الفلبينية التي تشبه "قلب الظلام" الذي تحدث عنه كاتبُه المفضل جورزيف كونراد في روايته المعروفة:
"ستظل معي ، إلى أن ألتقيك يا حيدر، ولسوف نكون متجاورَينِ، طويلاً ...سآخذكَ إلى دمشق ، ستجاورُ طُهرَ العرب ، السيدة زينب."]







هكذا كان سعدي إذًا، يعيش موته ويعيه منذ تلك اللحظة التي صوبت له فيها فوهة بندقية من أجل إعدامه في غرفة مظلمة بالبصرة كان قد وُضِعَ فيها بعد إلقاء القبض عليه عام 1963 بتهمة الشيوعية. كانت حفلةَ إعدام وهمية أشبهَ بنكتة أرادوا إراهبَه بها، ولكنها كانت بالنسبة إليه واقعةً حقيقية شعر بعدها، مثلما شعر ديوستوفسكي قبله بعد نجاته من بنادق جنود القيصر التي كانت فوهاتها مصوبة نحو صدره، أنه يعيش في الوقت الضائع، حتى ليبدو، كما قال الشاعر علي العلاق في مرثيته للطائر البابلي

"أنه الموتُ، صاحبُك الأبـديُّ
قرينُك، ذاك الذي لم تفـارقْهُ ..
كنتَ تُمدِّدُهُ فـوق نـارٍ معتّقةٍ
مثلما تتمدّدُ هـذي البـلادُ
على نارها .."
وقد كانت قصيدة العلاق هذه قراءةً داخلية موجعة، عارفة ومستوعبة، تبدأُ مع ولادة سعدي يوسف الشاعر في ما يشبه العماء والفوضى، حيث لا طريق إلى الضوء، ولا قشرة الأرض ريانة، وحيث تتخلق الأشياء في بكارتها وبداياتها الأولى، تغالب صورة الشعر بسوادها المشع فيها نموّ القصيدة ذا الطبيعة السردية المتتبعة لسعدي يوسف تاريخا وإبداعا، وهو يسرف في الشعر مثلما يسرف في الوهم، ويبالغ في اللايقين، ثم يموت وحيدا طريدَ القبائل، يائسا من هتافات حزبة، ومستوحشا من فضاءات ربه، ولكنه يبقى حتى النهاية ذلك الطائرَ البابليَّ الذي لا يلين. في حين تختلط صورة سعدي في قصيدة عبد العزيز المقالح، الرجل العجوز الذي يجلسُ عند مدخلِ المقهى، وحيداً، يشتكي العزلةَ، ويبكي وجعَ الروح، ويخشى أن يرى الناسُ
دموعَهُ، وما تكتبه على طاولة المقهى من الأحزان.. تختلط بصورة عبد العزيز المقالح نفسه في وضعه النفسي والصحي الصعب.
وسعدي الذي قطع مع رفاق دربه الذين لم يكملوا معه الطريق لأنهم لم يكتشفوا مثله أن "نخل السماوة غيرُ نخل السموات"، كان وفيّا لنفسه وقراره منذ البدء في هذا السير المختلف. وهو ما دفع الكثيرين لأن يتقولوا عليه لدى موته وقبل موته.
وعلى الرغم من أننا لسنا معنيين هنا بذكر شيء من ذلك ومناقشته، نقول في الجواب عليه ما نقوله دوما: انصتوا فقط لعبقرية سعدي حين ينشد ويغني ويتخيّل، واتركوا الباقي لثرثرة المقاهي.
وما قاله الرجل وتفوّه فيه من حماقات لا شكّ فيها ولا برءَ منها، تبقى هوامش لا شأن لها بمتنه الشعري الباذخ. وثمانية مجلدات باقية من هذا الشعر الممتد على مساحة الأرض العربية كلها، وعلى مدى ما يقرب من سبعين عاما من زمن الشعر العربي الحديث كافية بموضوعاتها وبمجازاتها وصورها وأخيلتها ونوع لغتها وعمارتها الفنية المبتكرة التي ألهمت الكثيرين، كافية وحدَها لأن تضعنا في قلب عالم هذا الشاعر والإنسان المتفرد بصوته وبأحلامه وأحكامه وسعة فضاءاته وتنوع نغماته واكتشافاته وتحولاته في المكان والزمان.
لقد كان سعدي "آخر شهقة الشِّعر في النَّاسِ"، كما يقول الشاعر السوداني أبا بكر الوسيلة في قصيدته إلى الشاعر بعد موته. نعم هو الشهقة المستأنفة بطريقة مغايرة في كل قصيدة، تفتح في كل مرة عينا مندهشة على المكان الغريب أو المألوف لتقرأ في ملامحه ما لا تستطيع العيون الأخرى أن تراه فيه من غرابة في المألوف وإلفة في الغريب.
وحداثةُ شعر سعدي ليست في مكان القصيدة، ولا في موضوعها، بل في الطريقة.. نعم الطريقة المخصوصة التي تتم فيها مقاربةُ الموضوع، وعكس بعض ملامح المكان والفضاء المحيط بصورة مغايرة في كل مرة.
ومع أنها قصيدة ليست معزولة عن جغرافيتها المكانية وسياقها التاريخي بشكله اليومي المعنيّ بالتفاصيل الصغيرة في الحياة والطبيعة، فإنها لا تستمد قيمتها من غير خصوصية لغتها وجِدة الطريقة التي يتم فيها نظمها وتكوينها من الناحية الصوتية والبيانية والنحوية. وقد تقطّعت أنفاسُ الكثيرين من الشعراء الشباب وغيرالشباب في العراق وغير العراق حين فتحوا أعينهم على إشعاع قصيدته، كما يفتحونها على نجمة لامعة في السماء، دون أن يهتدوا إلى طريقته التي لا تكون فيها القصيدة حدثًا موسيقيًا أو لفظيًا مجرّدا، أو لعبا باللغة يجعل من وظيفتها شكلية وتزينية مجردة. فقد كانت هذه القصيدة حدثا لغويًا ينطوي بنفسه على موضوعه ويدل عليه، دون أن يفصح عن سره وخلطته السحرية غير القابلة للتقليد.
وسعدي هو القائل في وصف موضعه بين شعراء عصره :
"أضع نفسي في زمن مطلق، أنا أحد الذين حاولوا إدامة الخيط السحري في الشعر، الخيط الممتد منذ امرئ القيس إلى اليوم. يمر الشاعر بآلاف الطرق الملتوية المعوجة، لكنه يصل إذا كان يمتلك الموهبة والقدرة على أنْ يقف عند جديده".
كان سعدي يتحسس مفردات اللغة كما لو كانت أشياء حقيقية لا ينفصل فيها الدال عن المدلول على نحو نشعر فيه كما لو أننا نقرأ المفردة أولَ مرّة داخل قصيدته لنكتشف فيها كل مرّة نوعا غريبا من الجوع إلى الأغذية الأرضية، النباتات والطيور والأشياء الصغيرة والنماذج البشرية والمظاهر الاجتماعية والسياسية الأكثر دنيوية والأكثر التصاقًا بالأرض والفضاء المحيط. وسعدي الذي ظل على الدوام مشتبكا بالعالم الذي يوجد بداخله، كان يفتح عينا مندهشة على ما حوله لتكون قصائده مرئية، وعينا أخرى على الذاكرة التي تشده إلى المكان الأول، لتضيء كينونتُه العالمَ الآخر ومشاهدَه البعيدة هناك.
وورقةُ تلك الشجرة التي وضعها الشاعر حسين مردان مرةً بيده ليتلمس الأشياء ويكون على صلة حيّة بها في شعره، تبقى، كما قلتُ في كتابي السابق عنه* مجردَ صورة، ورمزا للطريقة التي يجري بها التعامل مع الحياة والطبيعة وصورتهما المنعكسة في مرآة القصيدة. وهي المادةُ الخام التي يشتغل عليها المبدع، تماما كما يشتغل النحّات على مادة الطين أو الحجر، ويشتغل الرسام على الألوان، والموسيقيُّ على النوتة.
وذلك، كما نرى، مبدأ أساسي ذو طبيعة أخلاقية، وليست شعرية أو فنيّة فقط، تتصل بصدقية العبارة ومرجعها الخارجي الخاص بالعلاقة بين الكلمات والأشياء، حيث ننتقل فيها من الدال إلى المدلول، ومن المجرد أو المجازي إلى المادي الملموس.

•ضياء خضير، سعدي يوسف، دوحة الكستناء، محاولات في تحليل القصيدة، الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، بغداد ، 2021

وقد يكون من الغريب أن نرى هذا المنطق الخاص بكيفية كتابة القصيدة عند سعدي يوسف يلتقي، على نحو ما، مع ما كان يقول به آرسطو الذي كان يستبعد من منطقه الجملَ الإنشائية بأشكالها الطلبية والشرطية، ويكتفي بالجملة الخبرية وحدها لتكون موضوعا للمنطق. فهذا النوع من الجمل الذي يمثل البنيةَ المنطقية الأساسية للغة، هو وحدَه القادر في رأي آرسطو على الاتصال بالواقع الخارجي، فيما تبدو الكثير من الجمل الإنشائية زائغةً أو منبتَّة الجذور عنه.
وذلك لا يعني أن الشاعر يستبعد الجمل الإنشائية بأنواعها، وهي التي تؤلف وسيلة القصيدة الشعرية وطريقتها المختلفة عن الكتابة النثرية ذات الطبيعة المنطقية الإشارية التي تتخلى فيها اللغة عن كينونتها لتذوب فيما تشير إليه، وإنما هو الشعر الذي يبقى قادرا على أن يستنطق اللغة نفسها انطلاقا من وظيفتها، ولا يؤمن بمثل ما كان يقوله البحتري في بيته المعروف الموجه إلى النقّاد:
كلفتمونا حدودَ منطقِكم
والشعرُ يُغني عن صدقِه كذبُهْ
فهذا المنطق الشعري الداخلي الذي يستطيع أن يوقف فيضان اللغة وتداعيها الحر من أجل الوقوف على تعبير أكثر حميميّة وقدرة على الكشف عن طبقات المعنى وطبقات الواقع الذي نعيشه ويعمل الشاعر على مساعدتنا على فهمه، أقول إن هذا (المنطق الشعري) يبدو في إطاره العام قريبا من (المنطق الآرسطي). وهو، كما قلت، بعيد عن الكذب بكل أنواعه الأخلاقية والفنية، وامتداداته الرومانسية المزيفة.
والفعل الذي يصرُّ سعدي يوسف على استخدامه مع الاسم الجامد كمرتكز أول في قصيدته يعبر، أكثر من غيره، عن كينونة هذه القصيدة وإبراز معناها الجوهري، مثلما يعبر عن كينونة الشاعر صاحب القصيدة الذي يريد أن يتجنب الكلام المرسل، ويكون لكل كلمة في القصيدة فعلها وموقعها الثابت. وواضح أن العلاقة بين الكينونة المعبَّر عنها بهذا الفعل، هو الذي يُبرز، أكثر من غيره، طبيعةَ خطابه الشعري ويجعل التعبير في كلماته أكثر التصاقًا بما تعبّر عنه.



ولا بدّ أن يكون اطلاع الشاعر على المنجز الشعري العالمي المكتوب بغير العربية وترجمته لنماذج بارزة منه، قد خفّف كثيرا من وطأة البلاغة العربية على بناء قصيدته، ومحمولات اللغة ومضامينها التقليدية. فقصيدة سعدي قد وسّعت من مفهوم الشعرية العربية لتصبح أعمق دلالة وأكثرَ قابلية على التأويل عبر تحولاتها المختلفة، دون أن تمسَّ الثوابت الخاصة ببناء الجملة العربية بكل ضوابطها اللغوية والنحوية والصوتية القارة.
وليس لسعدي يوسف كما كانت لغيره ادعاءات ومزاعم تتصل بضرورة "تفجير اللغة"، خارج بحثه عن الأشياء ووضعها في مواضعها المناسبة داخل القصيدة الذي يترافق لديه غالبا مع التنقيب في الكلمات ومحمولاتها الدلالية المعجمية القريبة والمجازية البعيدة، ولاسيما تلك التي خلّفها كبار الشعراء المعاصرين والسابقين من الذين قرأهم الشاعر أو ترجم لهم ونفذتْ بعضُ تجاربهم وأصواتهم بعمق إلى شعره بالطريقة التي لا تضعف من خصوصيته ووضوح صوته، وقلقه الدائم حول نوع النص التي يحاول كتابته، كما لو كان يبدأ في كل مرة التجربةَ من جديد.
وكما كان الأمر مع الأسباني أنطونيو ماتشادو، لم تكن طريقته في النظم قائمة في الكلمة من حيث قيمتُها الصوتية وجرسها الموسيقي، وليس في التلوين والزركشة، أو طريقة ترتيب الكتابة وتوزيع الأبيات والمقاطع، ولا حتى في تعقيد المشاعر والصور، بل هي في خفقة القلب المنجذب ورفّة العين المندهشة والمنطق العقلي المراقب من مرقاه البعيد، وما كانت روحه المشرئبة مستعدة أن تعطيه أو تبثه بصوتها الخاص من أجل أن تحافظ على تماسّها مع هذا الكون الفسيح.
وقد ذكر الشاعر نفسه في أحد اللقاءات أنه :
"بعد نصف قرن من الكتابة والتجريب أجدني لا أزال في اللحظة الحرجة، وربما هذا الإحساس المستمر باللحظة الحرجة هو الذي منحني قدرة على الاستمرار في الكتابة، ولربما في محاولة تجديد النص الذي أكتبه. أحيانا تتخذ عملية النص الذي أكتبه طابع مراجعة شاملة وقد تستغرق الانتقالة الجديدة عقدا من السنوات، أو أكثر أحيانا. لكن بعد انتهاء هذا العقد أجدني مرة أخرى أمام امتحان قاس أيضا، أحاول فيه محاولة أخرى وهكذا. إنني اعتبر نفسي محظوظا لأنه أتيحت لي فرصة الحياة أكثر من بعض الشعراء مثل بدر شاكر السياب الذي توفي مبكرا، وهناك شعراء آخرون رحلوا مبكرين أيضا. هذه الحياة الطويلة أتاحت لي فرصة الاستمرار. ومع السنوات تبين لي أنني لا أملك نشاطا حيويا غير الشعر. نشاط أعتمد عليه وأحاول أن أطور فيه. والآن حياتي الفعلية سواء في التعامل مع الكتابة أم في التعامل مع الطبيعة، أو مع العالم بشكل ما، حتى في السياسة أتعامل بما تمليه علي استراتيجية الفن أكثر من النظر الى تكتيك السياسة بين حين وآخر، وبين حدث وآخر."
وهذا الوعي النقدي هو الذي يمنح قصيدة سعدي يوسف صلابتَها وقوامها اللغوي الفريد، ولا يجعل منها مكانا لكتابة الإنشاء الجميل أو التعلق بالأوهام، والأكاذيب الشعرية وإغراءات الصور البلاغية الفائضة عن الحاجة، والمحسنات اللفظية التي يمكن أن تتحول بسهولة إلى مقبّحات. فهي مكرسة للغة الشعرية الحيّة التي تتناول تجارب الإنسان الوجودية الصميمة وتوترات الواقع المعيش بأحداثه الكبرى وشخصياته الفاعلة، بطريقتها الخاصة المتغيرة، وغير الثابتة ثباتا نهائيا بسبب تحولاتها بين مرحلة وأخرى، وأحيانا بين قصيدة وأخرى، داخل المجموعة الشعرية نفسها.
ونحن نقول ذلك على الرغم مما نشهده من ثبات المنحى الأسلوبي والملامح الشعرية العامة لدى الشاعر، كما هو الحال في المياه المتجددة داخل مجرى النهر الواحد. وحتى تلك القصائد الأخيرة التي أرى فيها نوعا من التماثل في طبيعة الموضوع والمنحى الأسلوبي، كنت أكتشف مع إدامة والنظر والتأمل فيها تمايزاتٍ وطباقات مختلفة للمعنى تشبه تلك التي نراها في شخصيات التوائم المتماثلة في أشكالها الخارجية، مع أنها مختلفة نوعا من الاختلاف في وعيها وشخصياتها وأحاسيسها الداخلية. فهو تماثل لا يعني التكرار، ولا إعادة القول إلا مع عناصر ورؤى جديدة مختلفة في بعض التفاصيل والصور. وما كان سعدي يقوله في تقديمه لترجمة قصائد اليوناني يانيس ريستوس بأن وراء قصيدته جهدا عظيما، وروحا مصفّاة، أوصلتْ قصائد الحياة اليومية لديه إلى هذه القطعة الغريبة من البلّور، ينطبق على ما كان يفعله هو في قصيدته التي لم تغادر شأنا من شؤون حياته وحياتنا اليومية إلا ووضعت على صدره ميسما، أو شذرة مفردة من شذرات هذا البلّور.
ولعلّ ما ورد في قصيدة الشاعر التونسي منصف الوهايبي الموجهة لسعدي أن يعبّر على نحو أدقَّ عن هذه العلاقة الغريبة بين الكلمات والأشياء في قصيدة صديقه الشاعر العراقي حين "يترك الأشياء تحيا وهي تنزل غضّةً.. لحما وعظما في طري عجينة الكلمات".
ورغم الهوامش الكثيرة في حياة سعدي وبعض من قصائده اليومية، ولاسيما في مراحلها الأخيرة التي سبقت الاحتلال الأمريكي للعراق وأعقبته، وما يمكن تنحيته من شعره الذي لا يرقى أحيانًا إلى مستوى شحناته الوجدانية الداخلية العميقة ولغته المميزة، فقد كانت قضية الحفاظ على ذاته نقية حرة، تلك الحرية الخطرة، هي ما يؤرّقه ويطفّف عليه حياة الاستقرار والسكينة. وقد بقي عتاب أو نداء صديقه الشاعر الأثير لديه حميد سعيد في قصيدته الموضوعة هي الأخرى في رثاء سعدي يوسف، دون جواب:
 
" هَلْ أُعاتبكَ الآن..
كيفَ ذهبتَ إلى ما ذهبتَ إليه؟!
دعْنا نعود إلى زمن الأخضر بن يوسفَ.."
 
ليس فقط لأن السؤال جاء متأخرًا، وإنما أيضا لأنه سؤال موجّه إلى الشاعر حميد سعيد نفسه، بعد أن حاول، مثلَ صاحبه، أن "يقيم مدنًا في الأناشيد"، ولكنه يدرك الآن، مثلَ صاحبه، عبثَ المحاولة، وأن "سفينته المزدهاة باللؤلؤ" مثل سفينة سعدي تغرق قبل الرحيل، وأن "أشجار حمدان وأنهارها وصباياها الجميلات وفتيتها الحالمين" لم يكونوا بانتظاره أو انتظار صاحبه بعد أن غرقوا هم الآخرون، وغطاهم الرماد في كوكبهم أو مركبهم البصري - الحلّي النائي كما غطّاه. والقصيدة التي "تبدو حين تكون بمنأى عن الآخرين مُتعبةً" بسبب (النشاز) الذي لحق بأوتارها بعد أن فقد الشاعر أو الشاعران كلاهما، "أحلامهما والمسرّات منذ أن وطأ الملح وردَ معاجمهم والكلام"، ما عادت قادرة على أن تعيد الزمن إلى الوراء ..! إلى آخر ذلك مما جاء في هذه القصيدة وقصائد أخرى كثيرة جمعنا عددًا منها في كتاب تكريمي صدر عن دار خطوط وظلال الأردنية عام 2022 ؛ وشارك فيه شعراء عراقيون وعرب كبار من سوريا ومصر وفلسطين واليمن والسودان وعُمان وتونس والجزائر، وقدموا فيه تحيتَهم الوداعية، كلٌ بطريقته الخاصة لشاعرهم الكبير بمناسبة مرور عام على رحيله. وكان التركيز يجري في غالبية هذه القصائد على المنفى الذي لم تبعد فيه صورة الوطن عن صاحبه (مشّاء الآفاق) وقراءتها لحركته الداخلية، وما أفضى إليه هذا المنفى من بحث عن معنى أو "معنى المعنى" والحبر الذي يشعشع في منتصف الليل، كما لو كان شهابا يمرّ بأرض البصرة، حيث كل شيء في هذا المنفى الأبدي يذكر صاحبه الشاعر المنفيَّ بأشياء ما زالت ثاوية في ذاكرته الأولى.. المقهى بمقهى، والنهر بنهرين، والشارع الغريب بشارع المتنبي في بغداد وما إلى ذلك مما يأخذه المعنى إلى ما شاء، ويمنح القصيدة قدرة سحرية على الدخول إلى منطقة الأخضر أو الأحمر بن يوسف السرّية، كما جاء في قصيدة على العامري، على سبيل المثال.
لقد تحامى كثير من أفراد قبيلة الشاعر في العراق شاعرهم سعدي يوسف، وحاولوا أن يفردوه إفرادَ البعير المعبّد، كما فعلوا من قبل مع طرفة بن العبد، ولكنه كان يشعر أنه هو الذي فعل ذلك بهم، لأنه لم يكن مستعدًا منذ البدء أن يكون مع غزية إن غوت، وأن يبقى على صورة الرشد، كما كان يراها، في عقله وقلبه مهما كانت الظروف والأحوال.
*
والآن وقد صمت سعدي يوسف وفاضتْ روحه، وأصبحت مكتبته وداره اللندنية المستعارة بنافذتها العلوية المطلة على البحيرة موحشة إلا من صدى زقزقات الطيور المهاجرة ومن صوته المتقطع وهو يقرأ لي أبياتًا من قصيدته (بَدَهيّة) حينما أسأله عن العراق الذي لم يره، ولم يزرْه منذ نصف قرن، ولكنه لم يفارق شعره ومخيلته وروحه المشرئبة نحو بصرته وبيته الأخضر في حمدان وأبي الخصيب، وليقول لي إنه ما زال هناك على الرغم من كل ما قال وكتب، وقيل وكتب عنه باعتباره (المقامر) و (المغامر) الذي طوّف في أرجاء الدنيا، ودقّ على بواباتها السبع وهو لا يريد أن يسمع صوت العراق وصداه مترجّعا في الآفاق.
وها أنا أنقلُ في ختام هذا المقال وصيته إلى "أهله بين دجلة والفرات"، كما جاءت في قصيدته أو وصيته التي حفظتها عن ظهر قلب، بعد أن قرأتها في الديوان بعد أن أسمعني قبل ذلك شيئا منها، ونحن نتسكع قريبا من الحي الصيني في تورونتو الكندية قبل ثلاثة أعوام:
 
لستُ الـمُـقـامرَ
أنت تعرفُني ، طويلاً ، من نخيلِ أبي الخصيبِ
إلى تمارينِ الصباحِ بـ " نقرة السلمانِ "
حتى لندنَ ،. الآن !
انتبهْتَ ؟
أريدُ أن تُصْغي إليّ الآنَ :
لم أكن المقامرَ
هكذا !
لكنني غامرتُ ، كنتُ ولا أزالُ ، هنا ،
المغامرَ
لا الـمُقامرَ ،
هل فهِمْتَ؟
عليكَ أن تُصْغي إليّ الآنَ !
واحفَظْ ما أقولُ
احفَظْ
نعمْ
عن ظَهرِ قلبٍ .
 
قُلْ لأهلي: بين دجلةَ والفراتِ ،
هنالكَ اسمٌ واحدٌ
هو ما ظللتُ لأجْلهِ ، أبداً ، أغامرُ
هو أوّلُ الأسماءِ
آخرُها
وأعظمُهــــا ،
وما يصِلُ الحمادةَ بالسماءِ :
هو العراقُ الأولُ العربيّ
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير