الأنباط -
الدكتور ضياء خضير
"إلى الذين سبقوا.. في الغياب..
سعدي يوسف وسامي مهدي وحسب الشيخ جعفر وخالد علي مصطفى.."
تتوالى المراثي على شَفَتيكَ..
وفي الروحِ..
حاولتَ أن تدفعَ الخُزنَ..
عمّن تظلَّلَ بالحزنِ..
فاصطحبَ الحزنُ وردَ حدائقهمْ
ظلَّ يبحثُ عمّن مضى..
من رفاق الطريقْ
كُنتَ وحدَكَ تستوقف العابرينَ..
وتسألهمْ
هل لهم من دليلٍ..
إلى زمنٍ
ضيّعتهُ البلادُ وضيّعها
كان يفتح أبوابه لقصيدته..
فلماذا جفاها..
وخاصَمَ مُعجَمَها
ولماذا..
تردَّدَ أن يتعلَّم منها
وقد علّمته ما لم يكُن قد تعلَّمَ..
فيما مضى ..
كان جسراُ مُضيئاً..
سيعبرهُ كلُّ من خاصموا..
أفعوانَ الظلام ْ
وكنتَ اختليتَ بها في الغيابِ..
كيفَ اختليتَ بها..
وهي غائبةٌ
أتذكُرُ يومَ أطلّت ..
على حاجزٍ من قراطيس.. أعددَتَها
واستوت في دفاترنا.. حُلُماً
وكتَبنا..
كما شاءَ شيطانُنا المُشاكسًُ
ليس كما شاء شيطانُ أسلافنا
وابتعدنا عمّن يُكرِّرُ ما قيلَ..
فاقتربوا من نوافذنا..
يسألونَ ماذا نقول ُ؟
ويستنكرونَ كتاباتنا مرّةً..
ثمّ يعتذرون لها..
وهي في حَيرَةٍ ..
أترافقنا في متاهاتنا ..
التي لم تَكُ من قبل ..
أم تتوارى؟
وكنتَ اصطحبتَ شوارِدَها
وذهبتَ بعيداً..
إلى مدنٍ تتخيّلها..
وستكتبُ عنها..
ومنها.. كتبتُ إلى امرأةٍ
حاولت أن تُعيدَ إليكَ..
ما كنتَ ضيّعتهُ
فأضاعتكَ..
ماذا كتبتَ إليها..
وماذا ستكتب بعد الذي كانَ!!
هل كانت إمرأةً أم شذى ًبابلياً؟
تَشكّلَ في لحظةٍ عابرةْ
ووجدتَ..
في ما قرأتَ طيّ دفاترها
بعض ما أوردتهُ الليالي..
وأصغى إلى سحرها شهريارْ
ه ه ه
حينَ حلَّ النهارُ..
خبّأت َ ما أودعتكَ القصيدةُ..
مِنْ فِتَنٍ
فانشغَلَت ْ عنكَ..
واعتكفت في الغيابِ
ورافَقَها في المغاني التي كانَ يقصُدُها
مَنْ أقامَ طويلاً..
بمملكة العاشقينْ
تتوجّع ُ أحلامُنا
تتوجّع ُ أقلامُنا
يتوجَّع ُ ورد الكلام ْ
ونفتَحُ أوراقنا لجديدْ..
نُعلّمه ُ ..
أنْ يكونَ على غيرِ ما كانَ..
يُخرِجُ مما ادخرنا..
ملاحم َ..
ظلَّت مؤجلةً بانتظاركَ..
مُدَّ لها يدَكَ الآنْ
قبلَ فوات الأوانْ
عُدْ إلى لحظة العنفوان
في ما قرأنا ..
وما قيلَ..
يأتي زمانٌ سيعتزل الشعراءُ فيه..
القراطيسَ..
أو يُعزلون..
فاستبق هذه الإشارةَ..
واكتب إلى من تُحب..
ما كنتَ أجلتهُ من سنينْ
كُنتُ ارى عابراً..
يتأمّل في نفسه..
ويَمدُّ يديهِ إليهْ
واسألُ من ذا الذي يتأمّل ُ في نفسهِ..
ويَمُدُّ يديه إليهْ
يُخبِرُني من سألتَ..
هل كان يسخرُ بي ..
إنّه من يُقيم ُ..
حيث يكونُ في غَفلَةٍ..
مهرجان الغيابْ.
٢٠٢٦/١/٢
هذه القصيدة التي كتبها الشاعر قبل حوالي نصف عام يمكن أن تُقرأ بوصفها مرثيةً مركّبة للجيل الشعري العراقي الذي تجسد في هؤلاء الشعراء، وللشعر العراقي نفسه حين يواجه الغياب. وهي ليست رثاءً مباشراً للأسماء الأربعة التي تتصدر النص فحسب، بل تبدو كأنها مهرجان واسع للغياب الثقافي والوجودي العام. وهي. فضلا عن ذلك، رثاء للشاعر حميد سعيد نفسه. وكان الشاعر يردد بطريقته الخاصة قول المتنبي:
يدفن بعضنا بعضا وتمشي
أواخرنا على هام الأوالي
وذكر أصدقاء الشاعر الراحلين: سعدي يوسف، سامي مهدي، حسب الشيخ جعفر، وخالد علي مصطفى يضعنا منذ البداية أمام ذاكرة شعرية عراقية مجروحة. لكن الشاعر لا يكتفي بتأبين الراحلين، بل يستحضرهم باعتبارهم رفاق طريق، وأبواباً ونوافذ على زمن شعري وثقافي عراقي مضى وانقضى، ولكن رائحته ما زالت تضوع في أجواء الشاعر وتملأ عليه أقطار نفسه. ولا يعني الشاعر اختلاف الشعراء الأربعةً شخصيات وأساليب ومصائر حياة ومعتقدات بقدر ما يعنيه غيابهم وتركهم الساحة التي كانوا يملأونها حياة ورغبات لمن جاء بعدهم من أجيال وأصوات شعرية جديدة.
والعبارة التي تقول:
هل لهم من دليلٍ.. إلى زمنٍ
ضيّعتهُ البلادُ وضيّعها
تشير إلى أن المفقود ليس الأشخاص وحدهم، بل زمن كامل ضاع، وربما أضاعته البلاد على نفسها أيضا، كما تقول القصيدة.
ولذلك يبدو عنوان مهرجان الغياب لافتاً جداً لأن المهرجان يكون عادةً احتفالا بالحضور، بينما هنا يتحول الغياب إلى فضاء احتفالي واسع. وهذا يمنح العنوان مفارقته الأساسية: كيف يصبح الغياب نفسه حضوراً؟
فالقصيدة تسأل عن الغائبين، لكنها تستعيدهم وتؤكد حضورهم عبر كلماتها.
وإذ يبدو الشاعر وكأنه يحاور قصيدةً مؤنثة، أو الشعر ذاته:
كان يفتح أبوابه لقصيدته..
فلماذا جفاها..
وخاصَمَ مُعجَمَها
ثم:
ولماذا..
تردَّدَ أن يتعلَّم منها
وقد علّمته ما لم يكُن قد تعلَّم
تظهر علاقة شديدة التعقيد بين الشاعر واللغة: اللغة هي التي علّمت الشاعر، الذي قد يجفوها أو يخاصم معجمها، أي ما ألفه من القول معها. وهو ما يمنح القصيدة بعدًا نقدياً وتأملياً حول علاقة الشاعر بلغته وتراثه وتجربته كلها.
ويبقى من أجمل مقاطع النص، في رأيي، ذلك الذي يستعيد الشاعر به روح المغامرة الشعرية:
وكتَبنا..
كما شاءَ شيطانُنا المُشاكسُ
ليس كما شاء شيطانُ أسلافنا
اذ العبارة تختصر هنا موقفا شعرياً وسياسياً مغايرا:
الكتابة بوصفها تمردًا على التكرار، والمواقف الممالئة او التابعة لأنها لا تريد أن تكون صدىً لما سبق، بل أن تكتب ما لم يُكتب من قبل حسب اجتهادها وهمتها.
وهذا السطر الذي يقول:
"وابتعدنا عمّن يُكرِّرُ ما قيلَ"
هو نوع من الدفاع عن جوهر الحداثة الشعرية بوصفها اختراعا وتجريبا ومغامرة وإبداعاً.
كما أن حضور المرأة بوصفها ذاكرة وخيالاً وفقداً كما يتأكد في هذا المقطع:
"وكتبتُ إلى امرأةٍ
حاولت أن تُعيدَ إليكَ
ما كنتَ ضيّعتهُ
فأضاعتكَ"
فهو يشير رغم غموضه إلى أن هذه المرأة الضائعة والمضيِّعة هنا ليست بالضرورة شخصية واقعية فقط، بل يمكن أن تكون الحب العتيق، أو القصيدة الاولى، أو المدينة، أو الذاكرة، وهي تحاول أن تعيد إلى الشاعر شيئاً مفقودا، لكنها تنتهي إلى فقده بطريقة أكبر.
السؤال الجميل عنها :
"هل كانت امرأةً أم شذىً بابلياً؟"
يستدعي بابل بوصفها ذاكرة العراق الحضارية وذاكرة الشاعر الحلي العاطفية، فيمتزج بذلك الحب بالأسطورة والتاريخ.
ثم تأتي العودة إلى رثاء الراحلين لتكون عودة إلى المستقبل؛ حيث تتحول القصيدة من الحزن إلى التحريض:
"ومدَّ لها يدَكَ الآنْ
قبلَ فوات الأوانْ
عُدْ إلى لحظة العنفوان"
و
"يأتي زمانٌ سيعتزل الشعراءُ فيه..
القراطيسَ..
أو يُعزلون"
ليكون مفتاحاً آخر من مفاتيح قراءة القصيدة. فالشاعر لا يريد أن يبقى عند عتبة الماضي الشعري، لإنه يخشى على الشعر من العزلة، أو الإقصاء، أو فقدان وسائطه التقليدية، ولذلك يدعو إلى الكتابة الآن، وإلى استعادة ما تأجل من القول والحب والقصيدة بكل ألقها ومجدها السابق في هذا العصر .
وفي الخاتمة نقرأ:
"كُنتُ أرى عابراً..
يتأمّل في نفسه..
ويمدُّ يديه إليهْ"
ثم:
"هل كان يسخرُ بي..
إنّه من يُقيمُ..
حيث يكونُ في غَفلَةٍ..
مهرجان الغيابْ"
لنرى أن النهاية شديدةُ الالتباس، فالعابر قد يكون الشاعر نفسه، أو القارئ، أو الغائب، أو الإنسان الذي يمد يديه إلى ذاته فلا يجدها. وهو ما يدفعنا إلى القول إن (مهرجان الغياب) تظل قصيدة ذاكرة ورثاء وتأمل في مصير الشعر. إنها تستحضر أسماء غائبة، لكنها في العمق تسأل عن غياب مكاني وزماني وأنطولوجي أكبر: غياب زمن شعري، وغياب وطن، وغياب أحبة، وغياب القصيدة عن عالم يتغير بسرعة.
وقوة القصيدة تكمن في أنها لا تقول: ماتوا وانتهوا، بل تقول إنهم ما زالوا يعيشون في اللغة، في الذاكرة، في الأسئلة، وفي القصيدة التي تواصل البحث عنهم.
صحيح إنها قصيدة عن الذين غابوا، لكنها في جوهرها قصيدة عن الذين ما زالوا يحاولون الحضور.. أن يواصلوا الكتابة كي لا يتحول العالم كله إلى غياب. وهي في مجموعها تحمل بوضوح بصمة حميد سعيد التقليدية خلال وجوده خارج الوطن وعزلته القسرية: الاشتغال على الذاكرة العراقية، واستدعاء الرفاق والرموز، ومزج السيرة الشعرية بالتأمل في اللغة، مع الحفاظ على نبرة شعرية طويلة النفس، تتقدم عبر التداعي والاستفهام والاسترجاع.
وهكذا ينطلق (مهرجان الغياب) من مرثية لأصدقاء الرحلة الشعرية، ولكنه سرعان ما يتجاوز في مسيرته حدود الرثاء إلى تأمل عميق في مصير الشعر والذاكرة والزمن. وقد بنى حميد سعيد نصه بناءً دائرياً، يتنامى عبر حركات متتابعة من الاستذكار إلى التساؤل، ومن استعادة لحظة المغامرة الشعرية إلى استشراف مستقبل يتهدده الغياب. كما اعتمد النص بنية المخاطبة والتداعي الحر، مدعوماً بإيقاع داخلي قوامه التكرار والاستفهام وتناوب الأزمنة، مما أضفى على القصيدة وحدة عضوية على الرغم من انفتاحها على صور ورموز متعددة. وهكذا يغدو الغياب، الذي يبدو في ظاهره فقداً ورثاءً، مركزاً دلالياً تنتظم حوله حركة النص كلها، لتتحول القصيدة إلى شهادة شعرية على جيلٍ مضى، وإلى دفاعٍ عن الشعر بوصفه آخر أشكال الحضور وأدواته في مواجهة الغياب الذي يزحف حثيثا ليغطي كل شيئ.