الأنباط -
حين تصبح الأرضية خصمًا.. متى تنتهي قصة أرضيات ملاعب الأردن؟
بين مسؤولية الأداء وضرورة المعالجة الجذرية
الأنباط – ميناس بني ياسين
لم يعد الحديث عن أرضية ملعب الملك عبدالله الثاني وباقي ملاعب الكرة الأردنية مجرد ملاحظة عابرة تتكرر بعد مباراة، ولا تفصيلًا فنيًا يمكن تجاوزه بالانتقال إلى تحليل الأداء والنتيجة؛ فحين تصبح الأرضية نفسها حاضرًا ثابتًا في تصريحات اللاعبين والمدربين، وتتحول الحفر والانزلاقات وصعوبة التحكم بالكرة إلى جزء من المشهد بعد كل مواجهة، فإن المسألة تتجاوز حدود الملعب لتلامس منظومة المنشآت الرياضية بأكملها.
آخر من أعاد فتح الملف كان مهاجم المنتخب الوطني علي علوان عقب التعادل السلبي أمام فنزويلا، عندما تحدث بوضوح عن صعوبة تقديم اللاعبين كامل إمكاناتهم فوق أرضية الملعب، مؤكدًا أن المشكلة لا تخص لاعبًا بعينه، وإنما تطال جميع أفراد المنتخب.
وقال علوان في تصريحات تلفزيونية: "لا أستطيع تقديم 100% من مستواي، ولا أي لاعب يستطيع ذلك، نحن نريد إسعاد الجماهير، ولكن الناس يجب أن تفهم ما يحدث"، قبل أن يلفت إلى أن أرضية الملعب تحتاج إلى تدخل المسؤولين، وأنها مليئة بالحفر وتتسبب في انزلاق اللاعبين أثناء الركض، بما يرفع أيضًا من مخاطر الإصابات.
ولم يتوقف حديث مهاجم النشامى عند حدود الانتقاد إذ أشار إلى أن اللاعبين يفضلون خوض مبارياتهم في الأردن وأمام جماهيرهم، لكنه قد يكون من أوائل المطالبين بعدم إقامة المباريات على الأرضية الحالية إذا استمرت على وضعها الراهن، داعيًا المسؤولين والعاملين على الملاعب إلى مزيد من الاهتمام.
المشكلة لم تعد تحتمل المعالجة المؤقتة
تكرار الشكوى يفرض سؤالًا أكثر جدية: هل حان الوقت للتوقف عن معالجة أرضيات الملاعب كأعمال صيانة دورية، والانتقال إلى إعادة تأهيلها من الأساس؟
فالملعب الذي يستضيف مباريات المنتخب الوطني ويستقبل أندية ولاعبين بمختلف مستوياتهم لا يفترض أن تكون أرضيته عنصرًا إضافيًا في حسابات اللاعب قبل أن يبدأ المباراة والأهم أن الحديث هنا لا يتعلق فقط بجودة المشاهدة أو سرعة الكرة، وإنما بسلامة اللاعبين وقدرتهم على أداء المهارات والحركة والركض والتغيير المفاجئ للاتجاه بصورة طبيعية.
والحاجة ملحّة إلى فتح الباب أمام أصحاب الاختصاص الحقيقي في المنشآت الرياضية وإدارة الملاعب وزراعة العشب الطبيعي والنجيل الرياضي، والاستفادة من خريجي كليات علوم الرياضة والتخصصات ذات الصلة، إلى جانب المهندسين والخبراء والفنيين القادرين على وضع تصور متكامل لإعادة تأهيل أرضيات الملاعب وفق المعايير الحديثة.
المشكلة ليست في الاستعانة بخبرة محلية أو عربية أو حتى بشركة رياضية متخصصة من خارج الأردن؛ فالمعيار في النهاية يجب أن يكون الكفاءة والخبرة والقدرة على تنفيذ أرضية قادرة على تحمل الاستخدام الرياضي المكثف وليس هوية الجهة التي تتولى العمل.
إعادة الإنشاء.. لا مجرد ترقيع
وقال محللون رياضيون أنه في بعض الحالات قد لا يكون الحل في إضافة طبقة جديدة من العشب أو معالجة موضعية للحفر، بل في العودة إلى الأساس "فحص بنية الأرضية، وأنظمة التصريف والري، ونوعية التربة، وطبقات الملعب، ثم إعادة تأهيلها أو إنشائها وفق مواصفات مناسبة، وصولًا إلى زراعة وتجهيز العشب الرياضي بالطريقة التي تتلاءم مع طبيعة الاستخدام والظروف المناخية".
وهنا تحديدًا تظهر أهمية أن يتولى الملف مختصون يعرفون كيف تتعامل أرضية الملعب مع الأحمال، والري، والصيانة، والقص، والتهوية، والتسميد، ومواعيد الزراعة، وكثافة الاستخدام، والظروف المناخية، بدل الاكتفاء بمعالجة الأعراض بعد ظهورها.
فالنجيل الرياضي ليس مجرد عشب يُزرع وينمو، وإنما منظومة تحتاج إلى إدارة علمية مستمرة، خصوصًا في الملاعب التي تستضيف تدريبات ومباريات متكررة.
النشامى لعبوا على أفضل الأرضيات.. فلماذا تبقى المشكلة هنا؟
المنتخب الوطني تأهل إلى كأس العالم وخاض خلال السنوات الماضية مواجهات أمام منتخبات كبيرة، ولعب في ملاعب ومنشآت رياضية مختلفة، واختبر أرضيات بمواصفات متعددة.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: من المؤسف أن يصل المنتخب الأردني إلى هذه المرحلة من المنافسة الدولية، فيما يستمر الحديث محليًا عن أرضية الملعب بدل أن ينصب التركيز على الأداء والمباراة نفسها.
فاللاعب الذي اعتاد اللعب في ملاعب بمستويات مختلفة من الجودة، يفترض أن يجد في ملعبه وبين جماهيره أرضية تساعده على تقديم أفضل ما لديه، لا أن يدخل المباراة وهو مطالب بالتكيف مع طبيعة الأرضية أو تفادي الحفر والانزلاقات.
ولا يتعلق الأمر بالمنتخب وحده؛ فكل لاعب محلي، وكل نادٍ، وكل فريق زائر، وكل من تطأ قدمه أرضية الملعب، يستحق أن يجد ملعبًا صالحًا لممارسة كرة القدم بأعلى قدر ممكن من السلامة والجودة.
لا يجوز تحويل الأرضية إلى شماعة
وفي المقابل أشار محللون رياضيون أن سوء أرضية الملعب لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير شامل لأي أداء متواضع يقدمه المنتخب.
فالواقع أن النشامى خاضوا مباريات سابقة على ملاعب كبيرة وأرضيات عالية الجودة، ولم يكن الأداء فيها دائمًا بالمستوى المأمول، ما يعني أن الأرضية ليست السبب المباشر أو الوحيد وراء أي تراجع فني.
وهذا التفريق مهم فـالاعتراف بمشكلة الأرضية لا يعني استخدامها كحجة لإعفاء المنتخب من مسؤولية الأداء، كما أن ضعف الأداء في مباراة ما لا يعني أن مشكلة الملعب يمكن تجاهلها.
الملفان منفصلان: المنتخب مطالب بتطوير مستواه وتحقيق أفضل أداء ممكن، والمنشآت الرياضية مطالبة في الوقت ذاته بتوفير الظروف التي تسمح للاعبين والمدربين بتنفيذ كرة القدم التي يريدونها.
الوقت مناسب لاتخاذ القرار
اليوم وبعد تأهل النشامى إلى كأس العالم تبدو الحاجة أكبر إلى التعامل مع الملاعب باعتبارها جزءًا من الاستثمار الرياضي، لا مجرد منشآت تستقبل المباريات.
استقدام شركة متخصصة محلية أو دولية، وإسناد المشروع إلى أصحاب الخبرة في زراعة وإدارة الملاعب الرياضية، ومنح المتخصصين في المنشآت الرياضية المساحة الكاملة لوضع الحل وتنفيذه، قد يكون أكثر جدوى من الاستمرار في معالجة المشكلة كلما ظهرت حسب آراء المحللين.
فالأردن الذي يستعد لظهور تاريخي في كأس العالم ويملك منتخبًا أصبح طرفًا ثابتًا في المنافسة الآسيوية، يستحق ملاعب لا تجعل اللاعب يفكر في مكان قدميه قبل أن يفكر في الكرة.