الأنباط -
لفظة «العربي» هنا تعادل لفظة «البدوي»، وكأننا نريد القول: البدوي والصحراء، مع أنه ليس كل العرب بدوًا، ولا كل البدو عربًا. فإذا كان أصل العرب يعود إلى الجزيرة العربية، فإن معظم مساحتها صحراء قاحلة، مع وجود اليمن في جنوبها، والهلال الخصيب في شمالها، وبعض الواحات في وسطها.
يمكن أن تكون الصحراء وصفًا للجغرافيا المعيّنة، كما يمكن أن تكون وصفًا لحالة نفسية أو ثقافية. ففعل التصحّر يرتبط بالأرض التي تخلو من غطاء أخضر، ويرتبط أيضًا بالنفس التي يصيبها التصحّر، فتجف فيها المشاعر والأحاسيس الإنسانية، ويمكن أن يصيب المجتمعات الإنسانية، لتصبح مجتمعات خالية من الثقافة والفكر والتفاعل الإنساني الصحي.
لا يخفى على أحد أثر البيئة الجغرافية الكبير في تشكيل الإنسان، وفي التأثير المباشر على تكوينه ونموه، وربما توجهاته.
فإذا كان الإنسان العربي متأثرًا تاريخيًا ببيئته الصحراوية، فإن أثرها يظهر في تكوينه الجسمي وثقافته وأخلاقه ودينه. بل إنه، بتفاعله معها، يكتسب شيئًا من صفاتها. فالصحراء جافة، قاسية، قليلة المطر والخصب، كما أنها شاسعة، صامتة، خطرة، تدعو إلى الحيطة والحذر، وإلى التأمل والصفاء.
فهل نقلت صفاتها هذه إلى ابن بيئتها؟ أم أنه اكتسبها بفضل تفاعله معها على مدى تاريخه الطويل؟
يلاحظ أن الشعر والأدب العربي يتغنى بالقمر أكثر من تغنيه بالشمس، بسبب أن الشمس قاسية في الصحاري، ولا تمكّن الإنسان من العمل والنتاج والحركة السهلة، بينما اعتادت القوافل العربية السير في الليل على ضوء القمر، وغياب الشمس الحارة التي تصهر الرؤوس. كما أن مجالس السمر والسهر والغناء والرقص عادةً ما كانت تتم في الليل أكثر منها في النهار.
هذا تأثير واضح للبيئة على الإنسان، ومحاولة تأقلمه معها تظهر في الشعر والأدب وطرق الحياة، لكن الأهم هو تأثير الصحراء على الروح العربية، فهل أدت الصحراء إلى تصحّر الروح العربية وجفافها…؟
وهل أدت إلى تشابه المشاعر والأحاسيس والأخلاق العربية في جفافها مع البيئة الصحراوية؟
قلة تعبير الإنسان العربي عن مشاعره وأحاسيسه وعواطفه تجعلنا نتساءل عن السبب الخفي وراء هذا الاختباء والكبت الذي يمارسه العربي على مشاعره وأحاسيسه، لئلا تظهر على السطح، وليس على الوجه، إلا في حالات الانفعال الشديد، كالغضب الجامح، أو الانتقام المميت، أو الحقد الدفين. فهل يعرف العربي حالات من الفرح والانبساط التي تمكّنه من العيش الرغيد؟ لا شك أن ظروفًا أخرى وضغوطات حياتية قوية تساهم في منعه من ذلك، ولكننا نبحث مع علماء النفس وعلماء الاجتماع عن وسائل جديدة لوعي الإنسان العربي لذاته العميقة، ونحاول أن نختلق طرقًا وأسبابًا جديدة ليتصالح العربي مع نفسه أولًا، ومع الناس من حوله، ومع العالم الذي وجد نفسه يعيش فيه.
د. جورج الفار