الأنباط -
بقلم: أسيد الحوتري
لا يقتصر الاستعمار، ولا سيما الاستعمار الاستيطاني، على احتلال الأرض وإحكام السيطرة عليها بالقوة العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة متكاملة من الهيمنة تمتد آثارها إلى السياسة والاقتصاد والثقافة والبنية الاجتماعية. ويتمثل الوجه الظاهر لهذه الهيمنة في ممارسات يدركها المجتمع الواقع تحت الاحتلال إدراكا مباشرا، مثل نشر القوات العسكرية، ومصادرة الأراضي والممتلكات، والسيطرة على الموارد الطبيعية، واستغلال القوة العاملة، والاعتقال، والتعذيب، والقتل، وتقييد حرية الحركة. ولهذا تكون مقاومة هذه المظاهر واضحة ومباشرة، إذ تتجه جهود المجتمع إلى مواجهة الاحتلال والدفاع عن الأرض والإنسان والحقوق.
غير أن للاستعمار وجها آخر أقل ظهورا وأكثر تعقيدا. ويتمثل هذا الوجه في مستويين متداخلين. أولهما الهيمنة الثقافية، حيث يسعى المستعمِر إلى تقديم نفسه بوصفه نموذجا للتقدم والتحضر والعقلانية والجمال، في مقابل تصوير المجتمع المستعمَر بوصفه متخلفا أو عاجزا أو غير قادر على إدارة شؤونه. وقد حظي هذا المستوى بعناية كبيرة في الدراسات ما بعد الكولونيالية، إذ انشغل المثقفون والكتاب والنقاد بتفكيك هذا الخطاب وكشف تناقضاته وفضح آلياته عبر الأدب والنقد والإنتاج الثقافي.
أما المستوى الثاني، وهو الأخطر والذي قلما يتم الإلتفات إليه، فيتمثل في انتقال بعض أنماط الهيمنة التي يمارسها المستعمِر إلى داخل المجتمع المستعمَر نفسه، بحيث يعاد إنتاج، عن غير وعي في الغالب، منطق السيطرة والقهر في العلاقات الاجتماعية واليومية. فتصبح القوة أداة لفرض الإرادة، ويغدو العنف وسيلة لحل النزاعات، وتتكرر ممارسات الإقصاء والتهميش ومصادرة الحقوق داخل الأسرة أو المجتمع، لا بوصفها امتدادا مباشرا لسلطة الاحتلال، بل بوصفها إعادة إنتاج لمنطقه في فضاءات جديدة. ولا يعني ذلك مساواة المجتمع الواقع تحت الاستعمار بالمستعمِر، وإنما يشير إلى الأثر العميق الذي قد تتركه بنية الهيمنة الاستعمارية في تشكيل العلاقات الاجتماعية والنفسية داخل المجتمع الخاضع لها.
ومن هذا المنطلق، تنطلق هذه الدراسة لقراءة رواية "تنهيدة حرية" لرولا خالد الغانم قراءة ما بعد كولونيالية، انطلاقا من فرضية مفادها أن الرواية لا تقتصر على تمثيل معاناة الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، بل تكشف أيضا الكيفية التي تتسرب بها بعض آليات الهيمنة الاستعمارية إلى داخل المجتمع الفلسطيني، حيث يعاد إنتاج منطق السيطرة والعنف والإقصاء في العلاقات الأسرية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، لا تتوقف الرواية عند تشخيص هذه الظاهرة، بل تقدم شخصيات ومواقف تسعى إلى كسر هذا المنطق واستعادة قيم الحرية والعدالة والتكافل، لتغدو المقاومة مشروعا يواجه الاحتلال من الخارج عسكريا وثقافيا، ويقاوم آثار الهيمنة النفسية في الداخل في آن واحد.
وانطلاقا من هذه الرؤية، تتناول هذه الدراسة أبرز صور إعادة إنتاج منطق الهيمنة الاستعمارية كما تجلت في رواية "تنهيدة حرية. "وسيتتبع التحليل الكيفية التي انتقلت بها بعض ممارسات القهر من فضاء الاحتلال إلى فضاء المجتمع والأسرة، مثل الحبس، والعنف الجسدي، والتمييز ضد المرأة، والإقصاء، والتسلط، وحرمان الضعفاء من حقوقهم، بوصفها أنماطا تعيد إنتاج منطق السيطرة الذي يمارسه الاستعمار الاستيطاني. وفي المقابل، ستتوقف الدراسة عند الشخصيات والمواقف التي وقفت في وجه هذا المنطق، من خلال ترسيخ قيم الحرية، والعدالة، والتكافل، واحترام المرأة، ورعاية اليتيم، لتبين أن الرواية لا تكتفي بتشخيص آثار الهيمنة، بل تطرح أيضا إمكانات مقاومتها واستعادة الإنسان لفاعليته داخل المجتمع.
أولا: إعادة إنتاج السجن والاعتقال
تُعدّ آلية السجن والاحتجاز من أبرز تجليات منطق السيطرة في سياق الاستعمار الاستيطاني، حيث يمارس الاحتلال فعل الاعتقال بوصفه وسيلة لإخضاع الجسد الفلسطيني وإعادة تنظيم حركته داخل الفضاء العام. غير أن الرواية تكشف أن هذه الآلية لا تبقى محصورة في المجال الاستعماري المباشر، بل تمتد لتتخذ أشكالا داخل البنية الأسرية ذاتها، بحيث يتحول البيت إلى فضاء بديل للسجن.
يتجلى ذلك في حبس سامي لزوجته سلمى ومنعها من مغادرة المنزل، بما يحول العلاقة الزوجية إلى علاقة ضبط وإخضاع تقوم على تقييد الحركة ومصادرة الحرية. وبهذا المعنى، تنتقل بنية الاعتقال من المؤسسة الاستعمارية إلى المؤسسة الأسرية، لتعيد إنتاج منطق السيطرة في مستوى اجتماعي داخلي. كما أن أم هشام مارست بطريقة أو بأخرى حبس بتول في الشقة حيث عملت على إقناعها بأن المرأة مكانها بيتها، وأنه من الأفضل ألا تتواصل مع الناس و"كانت قاسية ولئيمة تسجن بتول الصبية وتخرج هي معظم الأوقات" (ص129).
ومع ذلك، لا تقدم الرواية هذا التحول بوصفه قدرا نهائيا، بل تكشف في المقابل عن أشكال مقاومة لهذا المنطق، تمثلت في محاولات الشخصيات لاحقا كسر دائرة العزل وإعادة بناء العلاقات على أسس أكثر تحررا. وهذا ما فعلته سلمى عندما تركت أولادها وزوجها وهربت لتبحث عن حياة أفضل، وهو ما وجدته لاحقا. وكذلك فعلت بتول حين تركت البيت وعادت، رفقة بناتها، إلى بيت خليل ووفاء.
ثانيا: إعادة إنتاج العنف الجسدي
يمثل العنف الجسدي أحد أبرز أدوات السيطرة في أنظمة الهيمنة الاستعمارية، حيث يُستخدم الضرب والتعذيب بوصفهما وسيلتين لإخضاع الجسد وإعادة تشكيله وفق منطق القوة. وفي السياق الاستعماري، لا يكون هذا العنف مجرد فعل عقابي، بل جزءا من بنية أوسع تهدف إلى ترسيخ الخضوع وإدامة علاقات غير متكافئة.
تُظهر الرواية أن هذا النمط من العنف لا يبقى حكرا على فعل الاحتلال، بل يتكرر داخل البنية الاجتماعية ذاتها، إذ يمارس سامي العنف الجسدي ضد زوجته سلمى بشكل متكرر، كما يعيد هشام إنتاج هذا النمط عبر ضرب بتول وإهانتها بعد الزواج، بما يحول العلاقة الزوجية إلى فضاء لإعادة إنتاج منطق الإخضاع القائم على القوة، "ويمد يده عليها على أتفه الأسباب"(130).
غير أن الرواية، في مقابل هذا التكرار، تكشف أيضا عن لحظات مقاومة لهذا العنف، تتمثل في رفض بعض الشخصيات استمرار هذا النمط من السيطرة، سواء عبر الهجر كما فعلت سلمى أو الطلاق كما فعلت بتول بمساعدة إسراء وذلك للعيش في فضاءات أكثر أمانا.
ثالثا: إعادة إنتاج السيطرة على الجسد
تُعد السيطرة على الجسد من أكثر أشكال الهيمنة تعقيدا في سياقات الاستعمار الاستيطاني، إذ لا تقتصر على القمع المادي المباشر والتعذيب، بل تمتد إلى التحكم في الجسد بوصفه مجالا للملكية والضبط والإخضاع كما في حالات التحرش وهتك العرض والاغتصاب. وفي هذا الإطار، تتجاوز الرواية حدود العنف الاستعماري المباشر لتكشف كيف يمكن أن يُعاد إنتاج هذا النمط داخل البنية الاجتماعية، وبخاصة في العلاقات الزوجية.
يتجلى ذلك في لحظة اغتصاب هشام لبتول في ليلة الزفاف، وهو فعل يحوّل العلاقة الزوجية من علاقة قائمة على الرضا والتشارك إلى علاقة امتلاك قسري، يعاد فيها تعريف الجسد بوصفه موضوعا للسيطرة لا شريكا في العلاقة. وبهذا المعنى، لا يُقدَّم الجسد ككيان مستقل، بل كحيّز تمارس عليه السلطة حضورها وإكراهها، "أخذ هشام يُقبّل بتول دون تروّ، يداعب جسدها بيد ثقيلة وأسلوب غير مهذب، حتى غطت جسدها الكدمات...أما بتول فكانت دموعها تسيل على وجنتيها، وجسمها يؤلمها بشدة، تحاول النهوض عن السرير وتبوء محاولاتها بالفشل...بعد أن مزق هشام قميص نومها الأبيض...نظرت أسفل قدميها فإذا بالدم يسيل من بين فخذيها" (119).
ومع ذلك، لا تكتفي الرواية بتثبيت هذا الشكل من العنف، بل تضعه في سياق نقدي أوسع يكشف رفضه لاحقا وإعادة مساءلته من خلال مسارات التمرد كما فعلت بتول أخيرا بانفصالها عن هشام وزواجها من حمزة.
رابعا: إعادة إنتاج الإذلال
يشكّل الإذلال أحد أبرز آليات الهيمنة في أنظمة الاستعمار الاستيطاني، حيث لا يقتصر على انتزاع الحقوق المادية، بل يمتد إلى المساس بالكرامة الإنسانية وإعادة تشكيل علاقة الفرد بذاته وبالآخرين عبر الحطّ من القيمة والاعتبار. وفي السياق الاستعماري، يؤدي الإذلال وظيفة مركزية في تثبيت علاقات غير متكافئة تقوم على التفوق والخضوع.
تُظهر الرواية أن هذا النمط لا يبقى محصورا في علاقة الاحتلال بالفلسطيني، بل يتكرر داخل البنية الاجتماعية ذاتها، إذ يمارس سامي الإهانة بحق زوجته سلمى، "كانت كلما طالبت من سامي أن يجلب لها احتياجات البيت، تتعرض للتوبيخ والقمع والضرب في بعض الأحيان" (25). وتعيد زوجة الأب إنتاج الشكل نفسه من الإذلال تجاه الأبناء: بتول، غادة، خالد، كما يتجلى الرفض والإقصاء في موقف الجدة آمنة من استقبال حفيدتها بتول، إضافة إلى تعنيف زوجة العم للأطفال. وبالاعتداء اللفظي من قبل أم هشام وهشام على زوجته بتول والتحقير منها، "والأدهى من ذلك أنه محكوم لوالدته التي راحت تقمعها وتغار منها" (128)، "مع مرور الأيام ازداد هشام قساوة، كان يعنف بتول ويرشقها بكلمات نابية...كان ينعتها بالقبيحة والغبية ويفرغ غضبه وسمّه في وجهها ووالدته تلتزم الصمت وأحيانا تؤيده" (130). وبهذا تتعدد مستويات الإذلال، لكنها تظل مرتبطة بمنطق واحد يقوم على التقليل من قيمة الآخر وإعادة إنتاج علاقات السيطرة داخل الفضاء العائلي.
وفي مقابل هذا التكرار، تكشف الرواية أيضا عن أشكال مقاومة لهذا المنطق، تتمثل في رفض بعض الشخصيات الاستمرار في علاقات تقوم على الإهانة، أو في إعادة تعريف الذات خارج منطق القبول بالإذلال. كما فعلت سلمى عندما هربت من بيت الزوجية، وبتول عندما هجرت زوجها وخلعته، وغادة مع جدتها وزوجة والدها حين تصدت لتعنيفهما واستقلت ماديا بعد أن عملت في بيع الملابس.
خامسا: إعادة إنتاج التشريد
يُعدّ التهجير والتشريد من أبرز آثار الاستعمار الاستيطاني، إذ لا يقتصر على لحظة الطرد الأولى من الأرض، بل يمتد ليشكّل نمطا مستمرا من عدم الاستقرار وفقدان المكان وإعادة توزيع الأفراد داخل فضاءات غير مستقرة. وفي هذا السياق، يظهر التشريد بوصفه بنية ممتدة ترتبط بتفكك الروابط الاجتماعية والجغرافية، وليس مجرد حدث تاريخي منتهٍ.
تُظهر الرواية هذا المعنى من خلال المقارنة الضمنية بين تشريد الفلسطينيين من يافا بوصفه أثرا مباشرا للاحتلال، وبين سلسلة من أشكال التشريد الداخلي التي تسبب بها شخصيات فلسطينية فعاشتها شخصيات أخرى داخل المجتمع الفلسطيني. ويتجلى ذلك في تشرّد سلمى بسبب ظلم زوجها، ثم تشرد ابنتها بتول التي نفاها والدها وجدتها ليتخلصا من عبئها، فانتقلت من عمان إلى غزة ثم إلى طولكرم، وتوزيع الطفلين:غادة وخالد على الأقارب، إضافة إلى هجرة خالد وغادة إلى إسبانيا،" تشجعت غادة بعدما سمعت كلام بشرى، وقررت تقديم طلب لجوء للسفارة الإسبانية في عمان" (165)، بما يعكس تعدد مستويات فقدان الاستقرار المكاني والوجودي داخل النص.
ومع ذلك، لا تقدم الرواية التشريد بوصفه قدرا نهائيا، بل تكشف أيضا عن محاولات لإعادة بناء الانتماء وإعادة تشكيل الروابط الاجتماعية رغم الانقطاع المكاني. فعودة بعض الشخصيات إلى جذور عائلية بديلة كبيت خليل ووفاء في طولكرم بالنسبة لبتول، ثم زواج بتول الثاني واستقرارها مع حمزة، وتشكّل شبكات دعم ورعاية داخل الأسرة الممتدة كخليل ووفاء وإسراء الذين دعموا بتول، وكغادة التي استردت شقيقها خالد من بيت الأب ليعيش معها في بيت الجدة، "استغلت غادة دخول مريم المطبخ، وسحبت خالد من يده، ونزلت السلم بسرعة" (53). وبعد سفر خالد إلى إسبانيا وشقيقته غادة تظهرت الجدة سلمى من جديد لتفتح بيتها للجميع.
سادسا: إعادة إنتاج الهيمنة الاقتصادية والتجويع
لا تقتصر الهيمنة في سياقات الاستعمار الاستيطاني على السيطرة العسكرية أو القمع الجسدي، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي، حيث يشكل التحكم في الموارد ووسائل العيش إحدى أهم أدوات إخضاع الأفراد والجماعات. فالطرف الذي يحتكر الموارد يمتلك في الوقت ذاته القدرة على فرض إرادته وتقييد حرية الآخرين، لتصبح التبعية الاقتصادية وسيلة من وسائل الهيمنة لا تقل أثرا عن العنف المباشر.
وتكشف رواية "تنهيدة حرية" أن هذا المنطق لا يظل حكرا على سلطة الاحتلال، بل يتسرب إلى داخل الأسرة، حيث يعاد إنتاجه في العلاقات الزوجية. فشخصية سامي لا تمارس سلطتها على سلمى بالعنف الجسدي والحبس فحسب، وإنما من خلال السيطرة على الموارد الاقتصادية أيضا. فعلى الرغم من امتلاكه المال، تصفه الرواية بالبخل الشديد، وتحرم سلمى من أبسط احتياجاتها المعيشية، حتى إنها تصرح قائلة: "وبالكاد كنت أحصل على طعام" (23)، وهنا نرى إعادة إنتاج التجويع، كما يتركها حبيسة المنزل دون توفير مستلزماته الأساسية، فتصل إلى حد التضور من الجوع، "فيقفل باب البيت على سلمى من الخارج، ولا يجلب حاجاته الأساسية لدرجة أنها كانت تتضور جوعا في بعض الأحيان" (24). وهكذا يصبح التجويع آلية للهيمنة، والمال وسيلة للسيطرة، ويتحول الحرمان الاقتصادي إلى أداة لإدامة الخضوع وإضعاف القدرة على الاعتراض أو الانفصال.
ويتكرر هذا النمط مع هشام، الذي يواصل ممارسة الهيمنة الاقتصادية على زوجته بتول، فلا يوفر لها ولطفلتهما ما تحتاجانه من غذاء ورعاية، ويصر على عدم شراء الحليب الصناعي بحجة الاكتفاء بحليب الأم، في الوقت الذي يحرم فيه بتول من الغذاء الكافي الذي يمكنها من إرضاع طفلتها بصورة سليمة. وتؤدي هذه الممارسات إلى تراجع صحة الرضيعة، بينما تلتزم بتول الصمت خوفا من المواجهة، الأمر الذي يكشف أن السيطرة الاقتصادية لا تستهدف الموارد فحسب، بل تمتد إلى الجسد والصحة والقدرة على العيش الكريم.
وتشير الرواية كذلك إلى أن اعتماد المرأة اقتصاديا على الرجل يمثل أحد أهم العوامل التي تُبقي علاقات الهيمنة قائمة، إذ يجعل قدرتها على اتخاذ القرار أو إنهاء العلاقة المسيئة محدودة. ومن هنا تبرز أهمية التحول الذي تشهده شخصية بتول لاحقا، حين تلتحق بسوق العمل وتحقق قدرا من الاستقلال الاقتصادي، فتتمكن من إعالة بناتها وإدارة حياتها بعيدا عن سلطة الزوج. ولا يُقدَّم هذا التحول بوصفه تحسنا في الوضع المادي فحسب، بل بوصفه فعل مقاومة يحرر المرأة من إحدى أكثر أدوات الهيمنة رسوخًا، ويعيد إليها استقلالها وكرامتها.
وبذلك تؤكد الرواية أن مقاومة منطق الهيمنة لا تتحقق فقط برفض العنف الجسدي أو كسر القيود الاجتماعية، وإنما تقتضي أيضا التحرر من التبعية الاقتصادية التي تجعل السيطرة ممكنة، لتصبح القدرة على العمل والإنتاج والاستقلال المالي إحدى الوسائل الأساسية لمواجهة إعادة إنتاج الهيمنة داخل المجتمع.
سابعا: إعادة إنتاج التمييز
لا تقوم الهيمنة الاستعمارية على العنف المادي وحده، وإنما تعتمد كذلك على إنتاج أنماط من التمييز والتصنيف، بحيث تُمنح بعض الفئات امتيازات تُحرم منها فئات أخرى، ويغدو التفاوت جزءا من النظام الاجتماعي. ومن هذا المنظور، تكشف الرواية أن منطق التمييز لا يبقى محصورا في العلاقة بين المستعمِر والشعب الواقع تحت الاحتلال، بل يتسرب إلى المجتمع نفسه، حيث يعاد إنتاجه في العلاقات اليومية وبين أفراد الأسرة.
ويتجلى هذا التمييز في أكثر من مستوى. فالمرأة تعاني من تمييز قائم على النوع الاجتماعي، إذ تُحرم المرأة الزوجة: سلمى من حريتها وحقها في تقرير مصيرها، بينما تتعرض بتول للإكراه والإهانة والضرب، وتُختزل قيمتها في أداء الأدوار التي يفرضها الزوج والمجتمع عليها: البقاء في البيت وتربية الأولاد وتلبية حاجات الزوج. كما يتجسد التمييز في النظرة الاجتماعية إلى المرأة المطلقة، حيث تجد بتول نفسها بعد انفصالها مضطرة إلى مواجهة أحكام المجتمع قبل أن تجد من يدعم قرارها ويؤكد أن الخلاص من الإذلال أولى من الاستمرار فيه.
كما تكشف الرواية عن تمييز واضح ضد البنات، يتجسد في تفضيل الذكر، وفي خيبة هشام المتكررة كلما أنجبت بتول بنتا، حتى انتهى الأمر بطلاقها بعد أن حملت بأنثى مرة أخرى، وكأن قيمة المرأة تُقاس بقدرتها على إنجاب الذكور لا بإنسانيتها.
غير أن الرواية لا تستسلم لهذا الواقع، بل تقدم نماذج تفكك هذا المنطق التمييزي وتقاومه. فخليل يصر على تعليم بتول ويرى في العلم مصدرا للقوة والاستقلال، وإسراء تدافع عن حق المرأة في إنهاء علاقة قائمة على الإهانة، بينما تنتهي الحاجة نادية، التي كانت تنظر إلى البنات نظرة دونية، إلى مراجعة قناعاتها بعد أن وجدت في بنات بتول مصدرا للرعاية والحنان في شيخوختها. ومن خلال هذه التحولات، تؤكد الرواية أن التمييز ليس قدرا اجتماعيا، وإنما ممارسة يمكن نقدها وتجاوزها، وأن مقاومة الهيمنة تبدأ أيضا برفض كل أشكال التمييز التي يعيد المجتمع إنتاجها في داخله.
فقرة ختامية للمقالة
تكشف قراءة رواية "تنهيدة حرية" من منظور ما بعد كولونيالي أن الاستعمار الاستيطاني لا يعمل بوصفه بنية خارجية محصورة في فعل الاحتلال العسكري وثقافي، بل يتجاوز ذلك ليأخذ شكلا أكثر تعقيدا يتمثل في آثاره النفسية الممتدة داخل المجتمع الواقع تحت الهيمنة. فإلى جانب العنف المباشر الذي يمارسه الاحتلال، تظهر الرواية كيف يمكن لمنطق السيطرة أن يتسرب إلى العلاقات الداخلية، بحيث يعاد إنتاج آليات السجن، والعنف الجسدي، والسيطرة على الجسد، والإذلال، والتشريد، والحرمان الاقتصادي، والتمييز داخل الفضاء الأسري والاجتماعي، وغالبا دون وعي مباشر بطبيعة هذا الامتداد أو مصادره الأصلية. وبهذا المعنى، لا يعود الاستعمار مجرد قوة خارجية تُواجه في الميدان السياسي والعسكري والثقافي، بل يصبح أيضا أثرا نفسيا وبنيويا يتغلغل في أنماط التفكير والسلوك والعلاقات اليومية، حيث يُعاد إنتاج منطق الهيمنة في صورة داخلية معقدة.
ومع ذلك، لا تقدم الرواية هذا الامتداد بوصفه حتمية مغلقة، بل توازنه بسرد مسارات متعددة للمقاومة، تتجلى في رفض العنف، وكسر أنماط السيطرة الأسرية، والتحرر من التبعية الاقتصادية، وإعادة تعريف العلاقات على أسس تقوم على الكرامة والعدالة والتكافل. ومن خلال هذا التوتر بين إعادة الإنتاج منطق الاستعمار الاستيطاني والمقاومة، تبرز الرواية كفضاء يكشف في آن واحد عمق آثار الاستعمار واستمراريته، وإمكانات تجاوزه من داخل المجتمع نفسه، بما يجعل التحرر مشروعا متعدد المستويات، يواجه الاحتلال في صورته الخارجية، ويقاوم في الوقت ذاته امتداداته النفسية والاجتماعية في الداخل.