الأنباط -
بقلم : المستشار عمر الصمادي
منذ ان تولى سلطاته الدستورية، يقود جلالة الملك عبدالله الثاني بنفسه واحدة من أهم أدوات الترويج للأردن، حيث يجوب عواصم العالم، يلتقي الرؤساء والحكومات والمستثمرين، ويعرض الأردن كفرصة للاستثمار والسياحة والتجارة، ويضع علاقاته الدولية وخبرته السياسية في خدمة الوطن.
لا اعتقد ان سيدنا بحاجة الى بناء شبكة علاقات عامة او لديه الوقت الكافي في خضم ما يحدث بالمنطقة والعالم فالأردن علاقاته راسخة محترمة مع الجميع بفضل قيادته الهاشمية، ولكن الملك يذهب حاملاً الأردن معه، ويفتح بجهده الشخصي أبوابا قد لا تفتح لغيره.
لكن السؤال الذي يراودني ويجب أن يطرح اليوم، وبصراحة كاملة:ماذا تفعل مؤسسات الدولة بعد أن يغادر الملك؟
وهنا لا بد أن نسمي الأمور بمسمياتها.
هل تتابع سفاراتنا المستثمرين الذين يلتقيهم جلالته؟
هل توجد ملفات متابعة حقيقية لكل فرصة يفتحها الملك؟
هل يتصل السفير بالمستثمر بعد الزيارة؟
هل يعرف ماذا طلب، وماذا عرض الأردن عليه، ولماذا جاء أو لم يأت؟
ومن يحاسب إذا ضاعت فرصة استثمارية فتحها الملك شخصيا؟
لدي قصة لا يجوز أن تمر.
بعد زيارة جلالة الملك إلى اليابان عام 2004، جاء مالك شركة كيا موتورز إلى الأردن، استقبل الرجل بحفاوة بالغة، وأُرسلت له سيارة ليموزين إلى المطار، وأُقل إلى الفندق بكل مظاهر الاحتفاء، وبعد انتهاء زيارته، شوهد في المطار بين المسافرين العاديين، قادما بوساطة سيارة أجرة!
هذه الواقعة ليست مجرد حكاية عابرة، إنها درس قاس ومؤلم في الفرق بين ما يفتحه الملك وما تفعله بعض المؤسسات بعده.
والملك نفسه قالها بوضوح في أكثر من مناسبة:
(بكفي نعم، بكفي مساخر) نعم، بكفي.
بكفي أن يذهب الملك إلى العالم ليقنع المستثمر بالأردن، ثم يجد المستثمر عند عودته مؤسسة لا تعرف قيمة الفرصة التي جاء من أجلها.
بكفي أن يقطع الملك آلاف الكيلومترات لفتح باب، ثم تغلقه البيروقراطية.
بكفي أن تكون لدينا سفارات يفترض أن تكون غرف عمليات اقتصادية، بينما ينحصر دور بعضها في البروتوكول والمناسبات والعلاقات العامة.
المسؤول الذي لا يعرف كيف يحول زيارة الملك إلى فرصة اقتصادية للأردن، عليه أن يراجع دوره او يرحل او يرحل.
والمسؤول الذي ينتظر أن يأتيه المستثمر إلى مكتبه، بعد أن بذل الملك جهداً لإحضاره إلى الأردن، لا يخدم الاستثمار ولا يخدم الدولة.
والمسؤول الذي لا يعرف ماذا تحقق من زيارة ملكية إلى الدولة التي تقع ضمن مسؤولياته، عليه أن يسأل نفسه : لماذا هو في موقعه؟
لسنا بحاجة إلى مزيد من الصور والبيانات والعناوين الرنانة.
نريد نتائج
كل زيارة ملكية يجب أن تترك خلفها ملفا مفتوحا لا يغلق حتى تتم الإجابة عن سؤال واحد:
ماذا حققنا؟
كم مستثمراً جاء؟
كم شركة استثمرت؟
كم مصنعاً أُنشئ؟
كم وظيفة خلقت؟
كم اتفاقية نُفذت؟
وكم فرصة ضاعت؟
ومن المسؤول عن ضياعها؟
فالملك يستطيع أن يضع اللبنة الأولى، لكنه ليس مطلوبا منه أن يعود كل مرة ليضع الثانية والثالثة والرابعة، ثم يحمل البناء كله على كتفيه.
الملك يفتح الباب... فمن يدخل منه؟
هذه ليست إساءة إلى الدولة، ولا تشكيكا في مؤسساتها، بل هي صرخة في وجه الترهل والتقصير والواسطة والمحسوبية وضعف الكفاءة التي لا تزال تعطل مسيرة بلد يملك قيادة تفتح له أبوابا لا تفتح بسهولة لغيره.
ونحن، إذ نعلن دعمنا الكامل لجلالة الملك في مسيرة الإصلاح، نرى أن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل بالشعارات، وإنما يبدأ من اختيار المسؤول القادر والنزيه، ومحاسبة المقصر، وإبعاد من أثبت أن الموقع أكبر من قدرته.
فالوطن ليس مزرعة لأحد، والمنصب العام ليس مكافأة شخصية، وثقة القيادة ليست شيكا مفتوحاً.
ومن يثبت أنه لا يخدم المسيرة، بل يعيقها، يجب أن يرحل، فلا مكان في هذه المرحلة لمسؤول يضع مصلحته قبل مصلحة الوطن، ولا لمسؤول يعتقد أن قربه من مركز القرار يحميه من المحاسبة.
الأردن يمر بمرحلة لا تحتمل المجاملات وكما قالها سيدنا ( نحن لا نمتلك رفاهية الوقت) والقيادة التي تخوض معركة الإصلاح تحتاج إلى مؤسسات قوية، ومسؤولين يعرفون معنى الأمانة، وسفراء يعرفون أن تمثيل الأردن في الخارج ليس وجاهة، وإنما تكليف ومسؤولية ومطاردة للفرص حتى تتحول إلى مشاريع على الأرض.
لقد آن الأوان أن نسأل بوضوح: كم لبنة وضعها الملك، وكم لبنة وضعنا نحن؟ فإذا كان الملك يفتح الأبواب، فلا يجوز أن تكون مهمتنا إغلاقها.
وإذا كان الملك يجلب المستثمر إلى الأردن، فلا يجوز أن نجعله يغادر وهو يقول في نفسه: لماذا جئت؟
كفى. نعم، كفى.
فالملك يقوم بدوره، والوطن ينتظر دور مؤسساته، والتاريخ يحاسب كل من وقف خلف تلك الأبواب ولم يدخل منها.