اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
ماذا يحدث عند وضع الخل الأبيض في مكيف الهواء؟ شائعة في مشروبات الطاقة .. مادة تثير مخاوف بشأن سرطان الدم دراسة تكشف عن رابط وراثي يجمع الوسواس القهري والتوحد ومتلازمة توريت الهند .. أحرقوا جثمانه وأقاموا له العزاء .. وبعد شهر ظهر حيا في السجن! الملك يعود إلى أرض الوطن الغذاء والدواء.. العين الساهرة اللي بدنا إياها على دوانا وأكلنا ترند الثمانينات في مخيلتنا.. حنين إلى البساطة دوري الأبطال ينطلق.. صدامات قوية وبداية مبكرة لحسابات التأهل التسول .. هل تحول الى مهنة منظمة؟ بتوجيهات ملكية سامية.. إخلاء مواطن أردني مصاب إثر حادث سير في الإمارات آسيا ياغي… فراشة تحلّق رغم قسوة المقعد الأردن يدين “الدخول اللاشرعي” لنتنياهو إلى جبل الشيخ في سوريا الملك والملكة يشاركان بمراسم جنازة الملك هارالد الخامس في أوسلو بني مصطفى تتفقد جمعيات ومراكز في إربد وتفتتح مدرسة دامجة وحضانة ‏سفارة الصين في الأردن: نتابع شكاوى المستهلكين بشأن سيارة صينية ونؤكد أهمية الجودة والسلامة تكريم أوائل الثانوية العامة في الزرقاء بحضور مجتمعي مميز أمنية تواصل توسعة شبكتها وتعزز استثماراتها في المرحلة الثانية من شبكة 5G للارتقاء بتجربة العملاء والمشتركين لجنة السياسات الاجتماعية تبحث رصد اتجاهات الرأي العام تجاه القضايا الاقتصادية والاجتماعية وزير الخارجية ينقل تحيات الملك للرئيس السوري أحمد الخطيب الفناطسة.. مسيرة أمنية وحضور مجتمعي فاعل في لواء ماركا

كُلُّ يَوْمٍ مهِم: مَا أَعْمَارُنَا إِلَّا أَيَّامٌ

كُلُّ يَوْمٍ مهِم مَا أَعْمَارُنَا إِلَّا أَيَّامٌ
الأنباط - بقلم: ساري بعثي جرادات.

تُعَدُّ مُشْكِلَاتُ الحُضُورِ المَدْرَسِيِّ تَحَدِّيًا مِحْوَرِيًّا يُوَاجِهُ الأَنْظِمَةَ التَّعْلِيمِيَّةَ المُعَاصِرَةَ، حَيْثُ لَمْ تَعُدْ قَضِيَّةً هَامِشِيَّةً، بَلْ أَضْحَتْ ظَاهِرَةً مُتَجَذِّرَةً تُؤَثِّرُ فِي البِيئَاتِ الصَّفِّيَّةِ فِي مُعْظَمِ دُوَلِ العَالَمِ. وَيُعَرَّفُ الحُضُورُ المَدْرَسِيُّ المُنْتَظِمُ بِأَنَّهُ الرَّكِيزَةُ الأَسَاسُ لِضَمَانِ تَكَافُؤِ الفُرَصِ التَّعْلِيمِيَّةِ، فِي حِينِ تُمَثِّلُ غِيَابَاتُ الطُّلَّابِ مِرْآةً عَاكِسَةً لِتَعْقِيدَاتٍ مُتَدَاخِلَةٍ تَتَشَابَكُ فِيهَا العَوَامِلُ الفَرْدِيَّةُ، وَالأُسَرِيَّةُ، وَالمَدْرَسِيَّةُ، وَالمُجْتَمَعِيَّةُ.
وَيَهْدِفُ هَذَا المَقَالُ إِلَى تَحْلِيلِ مُحَرِّكَاتِ هَذِهِ المُشْكِلَاتِ ومَا ينتجُ عنها، وَاسْتِعْرَاضِ أَبْرَزِ السِّيَاسَاتِ الفَعَّالَةِ لِلْوِقَايَةِ مِنْهَا وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا، اسْتِنَادًا إِلَى أَحْدَثِ تَقَارِيرِ مُنَظَّمَةِ التَّعَاوُنِ الاقْتِصَادِيِّ وَالتَّنْمِيَةِ (OECD) الصَّادِرَةِ عَامَ 2026م.
أَوَّلًا: طَبِيعَةُ مُشْكِلَاتِ الحُضُورِ المَدْرَسِيِّ وَمُحَرِّكَاتُهَا المُعَقَّدَةُ
لَا تَنْحَصِرُ مُشْكِلَاتُ الحُضُورِ فِي "الهُرُوبِ مِنَ المَدْرَسَةِ” أَوْ ضَعْفِ الدَّافِعِيَّةِ، بَلْ تُصَنَّفُ ضِمْنَ "المُشْكِلَاتِ المُسْتَعْصِيَةِ” (Wicked Problems)، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ الأَسْبَابُ وَالنَّتَائِجُ عَلَى نَحْوٍ يَصْعُبُ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَهَا.
1. الإِطَارُ البِيئِيُّ الحَيَوِيُّ لِلْغِيَابِ
تُظْهِرُ الأَبْحَاثُ أَنَّ الغِيَابَ يَنْبُعُ مِنْ تَفَاعُلٍ دِينَامِيٍّ عَبْرَ مُسْتَوَيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
الفَرْدُ: تَتَجَلَّى فِيهِ التَّحَدِّيَاتُ الصِّحِّيَّةُ (الجَسَدِيَّةُ وَالنَّفْسِيَّةُ)، وَحَالَاتُ المَلَلِ، وَضَعْفُ الِارْتِبَاطِ بِالمَدْرَسَةِ.
المَدْرَسَةُ: يَظْهَرُ فِيهَا المَنَاخُ السَّلْبِيُّ، وَسُلُوكُ التَّنَمُّرِ، وَضَعْفُ العَلَاقَةِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالمُعَلِّمِ.
الأُسْرَةُ: يَتَجَلَّى فِيهَا الحِرْمَانُ المَادِّيُّ، وَعَدَمُ الاسْتِقْرَارِ السَّكَنِيِّ، وَمَشَاكِلُ الصِّحَّةِ الوَالِدِيَّةِ.
النِّظَامُ وَالسِّيَاسَاتُ: تَظْهَرُ فِيهِ مَشَاكِلُ النَّقْلِ، وَضَعْفُ التَّنْسِيقِ بَيْنَ الخِدْمَاتِ الصِّحِّيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالمَدْرَسَةِ.
2. تَأْثِيرُ مَا بَعْدَ الجَائِحَةِ
أَدَّتْ جَائِحَةُ كُوفِيد-19 إِلَى إِحْدَاثِ تَحَوُّلٍ مَلْحُوظٍ فِي مَوَاقِفِ أُولِيَاءِ الأُمُورِ تُجَاهَ الالْتِزَامِ المَدْرَسِيِّ، حَيْثُ ازْدَادَ التَّسَامُحُ مَعَ الغِيَابَاتِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ، وَالغِيَابَاتِ النَّاتِجَةِ عَنْ أَعْرَاضٍ صِحِّيَّةٍ طَفِيفَةٍ، مِمَّا أَضْعَفَ مِعْيَارَ الالْتِزَامِ اليَوْمِيِّ بِالحُضُورِ.
ثَانِيًا: العَوَاقِبُ الأَكَادِيمِيَّةُ وَغَيْرُ الأَكَادِيمِيَّةِ لِلْغِيَابِ
تُؤَدِّي مُشْكِلَاتُ الحُضُورِ إِلَى تَقْلِيصِ فُرَصِ التَّعَلُّمِ، مُفْضِيَةً إِلَى فَجَوَاتٍ يَصْعُبُ رَدْمُهَا مَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ.
1. الأَدَاءُ الأَكَادِيمِيُّ
يَرْتَبِطُ الغِيَابُ طَوِيلُ الأَمَدِ بِتَرَاجُعٍ حَادٍّ فِي التَّحْصِيلِ الدِّرَاسِيِّ؛ فَيُسَجِّلُ الطُّلَّابُ الَّذِينَ تَجَاوَزَتْ غِيَابَاتُهُمْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مُتَتَالِيَةً أَدَاءً أَضْعَفَ، خُصُوصًا فِي الرِّيَاضِيَّاتِ. كَمَا يُفْضِي الغِيَابُ المُبَكِّرُ فِي المَرَاحِلِ التَّأْسِيسِيَّةِ إِلَى إِعَاقَةِ تَطَوُّرِ المَهَارَاتِ الأَسَاسِيَّةِ، كَالقِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ.
2. التَّطَوُّرُ الِاجْتِمَاعِيُّ وَالعَاطِفِيُّ
يُضْعِفُ الغِيَابُ فُرَصَ تَنْمِيَةِ مَهَارَاتٍ مِحْوَرِيَّةٍ، كَالمُثَابَرَةِ وَالتَّعَاوُنِ وَضَبْطِ النَّفْسِ، كَمَا يَزِيدُ مِنْ مَخَاطِرِ القَلَقِ وَالاِكْتِئَابِ وَالعُزْلَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
3. الآثَارُ طَوِيلَةُ المَدَى وَالتَّكْلِفَةُ المُجْتَمَعِيَّةُ
يُعَدُّ الغِيَابُ المُزْمِنُ مُؤَشِّرًا قَوِيًّا عَلَى التَّسَرُّبِ مِنَ التَّعْلِيمِ (ELET)، وَيَمْتَدُّ أَثَرُهُ إِلَى سُوقِ العَمَلِ مِنْ خِلَالِ ارْتِفَاعِ نِسَبِ البِطَالَةِ وَانْخِفَاضِ الدَّخْلِ المُسْتَقْبَلِيِّ، إِلَى جَانِبِ تَزَايُدِ الأَعْبَاءِ عَلَى أَنْظِمَةِ الصِّحَّةِ وَالرِّفَاهِ وَالعَدَالَةِ.
ثَالِثًا: السِّيَاسَاتُ وَالِاسْتِجَابَاتُ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةُ
تُشِيرُ الأَدِلَّةُ الدُّوَلِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِعْتِمَادَ عَلَى الأَدَوَاتِ العِقَابِيَّةِ وَحْدَهَا لَا يُحَقِّقُ أَثَرًا مُسْتَدَامًا، بَلْ قَدْ يُفَاقِمُ تَهْمِيشَ الفِئَاتِ الأَكْثَرِ هَشَاشَةً.
1. أَنْظِمَةُ الدَّعْمِ مُتَعَدِّدَةُ المُسْتَوَيَاتِ (MTSS)
تُوَفِّرُ إِطَارًا مُتَدَرِّجًا يَبْدَأُ بِالوِقَايَةِ الشَّامِلَةِ (المُسْتَوَى الأَوَّلُ)، ثُمَّ التَّدَخُّلَاتِ المُوَجَّهَةِ (المُسْتَوَى الثَّانِي)، وَيَنْتَهِي بِالدَّعْمِ الفَرْدِيِّ المُكَثَّفِ (المُسْتَوَى الثَّالِثِ).
2. التَّعَاوُنُ عَبْرَ القِطَاعَاتِ
يَتَطَلَّبُ تَعْزِيزُ الحُضُورِ تَنْسِيقًا فَاعِلًا بَيْنَ المَدْرَسَةِ وَالأُسْرَةِ وَالخِدْمَاتِ المُسَانِدَةِ، مَعَ تَفْعِيلِ دَوْرِ الأَخِصَّائِيِّينَ فِي تَشْخِيصِ العَوَائِقِ وَمُعَالَجَتِهَا.
3. المُرَاقَبَةُ الرَّقْمِيَّةُ وَأَنْظِمَةُ الإِنْذَارِ المُبَكِّرِ
يُعَدُّ التَّتَبُّعُ اللَّحْظِيُّ لِلْحُضُورِ أَدَاةً حَاسِمَةً لِلتَّدَخُّلِ المُبَكِّرِ قَبْلَ أَنْ يَتَجَذَّرَ سُلُوكُ الغِيَابِ.
تَوْصِيَاتٌ لِصُنَّاعِ القَرَارِ
التَّدَخُّلُ المُبَكِّرُ: التَّرْكِيزُ عَلَى سِنِي التَّأْسِيسِ وَنُقَاطِ الِانْتِقَالِ التَّعْلِيمِيِّ.
بِنَاءُ شَرَاكَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ: تَعْزِيزُ التَّوَاصُلِ الإِيجَابِيِّ مَعَ الأُسَرِ.
تَحْسِينُ المَنَاخِ المَدْرَسِيِّ: خَلْقُ بِيئَاتٍ جَاذِبَةٍ تُعَزِّزُ الِانْتِمَاءَ.
تَطْوِيرُ القُدُرَاتِ: تَدْرِيبُ الكَوَادِرِ التَّعْلِيمِيَّةِ عَلَى مُعَالَجَةِ أَسْبَابِ الغِيَابِ.
تَوْظِيفُ البَيَانَاتِ: ضَمَانُ تَقْوِيمٍ مُسْتَمِرٍّ لِلسِّيَاسَاتِ وَتَحْسِينِهَا.
إِنَّ ضَمَانَ حُضُورِ كُلِّ طَالِبٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ دِرَاسِيٍّ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِجْرَاءٍ إِدَارِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ اسْتِثْمَارٌ اسْتِرَاتِيجِيٌّ فِي رَأْسِ المَالِ البَشَرِيِّ، وَرِهَانٌ حَاسِمٌ عَلَى مُسْتَقْبَلِ المُجْتَمَعِ وَازْدِهَارِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ مَنْطِقِ "الِامْتِثَالِ وَالعِقَابِ” إِلَى مَنْهَجِ "الدَّعْمِ وَالمُشَارَكَةِ” لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ تَغْيِيرٍ فِي الأَدَوَاتِ، بَلْ يقتضي تَحَوُّلًا عَمِيقًا فِي العَقْلِيَّةِ التَّرْبَوِيَّةِ ذَاتِهَا؛ فَبَدَلًا مِنْ طَرْحِ السُّؤَالِ التَّقْلِيدِيِّ: «لِمَاذَا لَا يَحْضُرُ الطَّالِبُ إِلَى المَدْرَسَةِ؟» نَغْدُو فِي حَاجَةٍ إِلَى إِعَادَةِ صِيَاغَةِ السُّؤَالِ عَلَى نَحْوٍ أَعْمَقَ وَأَشْمَلَ: «مَا الَّذِي يَمْنَعُ الأَنْظِمَةَ التَّعْلِيمِيَّةَ مِنْ ضَمَانِ حُضُورِ كُلِّ طَالِبٍ؟»
إِنَّ هَذَا التَّحَوُّلَ النَّوْعِيَّ يَنْقُلُنَا مِنْ مَوْقِعِ التَّفْسِيرِ إِلَى مَوْقِعِ المَسْؤُولِيَّةِ، وَمِنْ تَشْخِيصِ الأَعْرَاضِ إِلَى مُعَالَجَةِ الأُسُسِ، مِمَّا يُمْلِي إِجْرَاءَ تَعْدِيلَاتٍ جَوْهَرِيَّةٍ عَلَى السِّيَاسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَمُمَارَسَاتِهَا؛ لِتُصْبِحَ أَكْثَرَ عَدْلًا، وَأَشْمَلَ، وَأَقْدَرَ عَلَى الِاسْتِجَابَةِ لِاحْتِيَاجَاتِ جَمِيعِ المُتَعَلِّمِينَ.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ كُلَّ يَوْمٍ دِرَاسِيٍّ يُفْقَدُ لَيْسَ فُرْصَةً تَعْلِيمِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فُقْدَانٌ لِجُزْءٍ مِنْ مَسَارِ الحَيَاةِ نَفْسِهَا… فَكُلُّ يَوْمٍ يَمْضِي لَا يَعُودُ، وَمَا أَعْمَارُنَا إِلَّا أَيَّامٌ.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير