اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
الملك يلتقي عمدة مدينة شنغهاي ‏ هل ادخلت سوريا وتركيا إسرائيل في فخ؟ كُلُّ يَوْمٍ مهِم: مَا أَعْمَارُنَا إِلَّا أَيَّامٌ أورنج الأردن ترعى البطولة الوطنية للسومو روبوت تعزيزاً لتميز الشباب في مجالات التكنولوجيا والابتكار "النواب" يوافق على تعديلات "الأعيان" بشأن "تنظيم العمل المهني" مستقبل أبنائنا ليس حقلًا للتجارب... 88.2 دينار سعر الذهب عيار 21 بالسوق المحلية اتحاد العمال ومنظمة العمل الدولية يبحثان أطر التعاون بشأن العمالة المهاجرة الملك فوق البحر قبل السجادة الحمراء إعلان نتائج امتحان الثانوية العامة لطلبة الصف الحادي عشر الجمعة من شنغهاي إلى بكين...الملك يفتح أبواب الاستثمار وفاة ثلاثة أشخاص إثر تدهور مركبة في محافظة العاصمة الأردن يسيّر القافلة الإغاثية الثانية عشرة إلى لبنان أجواء صيفية معتدلة اليوم وكتلة حارة غدًا التين المجفف مع زيت الزيتون.. خلطة شهيرة فماذا تفعل بالجسم؟ ارتفاع الدهون الثلاثية .. أعراض قد لا تظهر باكرا وتهدد قلبك بصمت اشتراه بـ50 جنيها إسترلينيا لأنه "مضحك" وباعه بـ50 ألفا لأنه "نادر"! الدكتور فايز السعودي يكتب "من «رجل الميدان» إلى «رجل الإنجاز»: نحو منظومة عادلة لاختيار المسؤولين وتقويمهم ومساءلتهم" البنك العربي ينظّم ورشة تدريبية في الذكاء الاصطناعي لروّاد الأعمال من ذوي الإعاقة مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي عشيرة الحموري

كُلُّ يَوْمٍ مهِم: مَا أَعْمَارُنَا إِلَّا أَيَّامٌ

كُلُّ يَوْمٍ مهِم مَا أَعْمَارُنَا إِلَّا أَيَّامٌ
الأنباط - بقلم: ساري بعثي جرادات.

تُعَدُّ مُشْكِلَاتُ الحُضُورِ المَدْرَسِيِّ تَحَدِّيًا مِحْوَرِيًّا يُوَاجِهُ الأَنْظِمَةَ التَّعْلِيمِيَّةَ المُعَاصِرَةَ، حَيْثُ لَمْ تَعُدْ قَضِيَّةً هَامِشِيَّةً، بَلْ أَضْحَتْ ظَاهِرَةً مُتَجَذِّرَةً تُؤَثِّرُ فِي البِيئَاتِ الصَّفِّيَّةِ فِي مُعْظَمِ دُوَلِ العَالَمِ. وَيُعَرَّفُ الحُضُورُ المَدْرَسِيُّ المُنْتَظِمُ بِأَنَّهُ الرَّكِيزَةُ الأَسَاسُ لِضَمَانِ تَكَافُؤِ الفُرَصِ التَّعْلِيمِيَّةِ، فِي حِينِ تُمَثِّلُ غِيَابَاتُ الطُّلَّابِ مِرْآةً عَاكِسَةً لِتَعْقِيدَاتٍ مُتَدَاخِلَةٍ تَتَشَابَكُ فِيهَا العَوَامِلُ الفَرْدِيَّةُ، وَالأُسَرِيَّةُ، وَالمَدْرَسِيَّةُ، وَالمُجْتَمَعِيَّةُ.
وَيَهْدِفُ هَذَا المَقَالُ إِلَى تَحْلِيلِ مُحَرِّكَاتِ هَذِهِ المُشْكِلَاتِ ومَا ينتجُ عنها، وَاسْتِعْرَاضِ أَبْرَزِ السِّيَاسَاتِ الفَعَّالَةِ لِلْوِقَايَةِ مِنْهَا وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا، اسْتِنَادًا إِلَى أَحْدَثِ تَقَارِيرِ مُنَظَّمَةِ التَّعَاوُنِ الاقْتِصَادِيِّ وَالتَّنْمِيَةِ (OECD) الصَّادِرَةِ عَامَ 2026م.
أَوَّلًا: طَبِيعَةُ مُشْكِلَاتِ الحُضُورِ المَدْرَسِيِّ وَمُحَرِّكَاتُهَا المُعَقَّدَةُ
لَا تَنْحَصِرُ مُشْكِلَاتُ الحُضُورِ فِي "الهُرُوبِ مِنَ المَدْرَسَةِ” أَوْ ضَعْفِ الدَّافِعِيَّةِ، بَلْ تُصَنَّفُ ضِمْنَ "المُشْكِلَاتِ المُسْتَعْصِيَةِ” (Wicked Problems)، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ الأَسْبَابُ وَالنَّتَائِجُ عَلَى نَحْوٍ يَصْعُبُ فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَهَا.
1. الإِطَارُ البِيئِيُّ الحَيَوِيُّ لِلْغِيَابِ
تُظْهِرُ الأَبْحَاثُ أَنَّ الغِيَابَ يَنْبُعُ مِنْ تَفَاعُلٍ دِينَامِيٍّ عَبْرَ مُسْتَوَيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
الفَرْدُ: تَتَجَلَّى فِيهِ التَّحَدِّيَاتُ الصِّحِّيَّةُ (الجَسَدِيَّةُ وَالنَّفْسِيَّةُ)، وَحَالَاتُ المَلَلِ، وَضَعْفُ الِارْتِبَاطِ بِالمَدْرَسَةِ.
المَدْرَسَةُ: يَظْهَرُ فِيهَا المَنَاخُ السَّلْبِيُّ، وَسُلُوكُ التَّنَمُّرِ، وَضَعْفُ العَلَاقَةِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالمُعَلِّمِ.
الأُسْرَةُ: يَتَجَلَّى فِيهَا الحِرْمَانُ المَادِّيُّ، وَعَدَمُ الاسْتِقْرَارِ السَّكَنِيِّ، وَمَشَاكِلُ الصِّحَّةِ الوَالِدِيَّةِ.
النِّظَامُ وَالسِّيَاسَاتُ: تَظْهَرُ فِيهِ مَشَاكِلُ النَّقْلِ، وَضَعْفُ التَّنْسِيقِ بَيْنَ الخِدْمَاتِ الصِّحِّيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالمَدْرَسَةِ.
2. تَأْثِيرُ مَا بَعْدَ الجَائِحَةِ
أَدَّتْ جَائِحَةُ كُوفِيد-19 إِلَى إِحْدَاثِ تَحَوُّلٍ مَلْحُوظٍ فِي مَوَاقِفِ أُولِيَاءِ الأُمُورِ تُجَاهَ الالْتِزَامِ المَدْرَسِيِّ، حَيْثُ ازْدَادَ التَّسَامُحُ مَعَ الغِيَابَاتِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ، وَالغِيَابَاتِ النَّاتِجَةِ عَنْ أَعْرَاضٍ صِحِّيَّةٍ طَفِيفَةٍ، مِمَّا أَضْعَفَ مِعْيَارَ الالْتِزَامِ اليَوْمِيِّ بِالحُضُورِ.
ثَانِيًا: العَوَاقِبُ الأَكَادِيمِيَّةُ وَغَيْرُ الأَكَادِيمِيَّةِ لِلْغِيَابِ
تُؤَدِّي مُشْكِلَاتُ الحُضُورِ إِلَى تَقْلِيصِ فُرَصِ التَّعَلُّمِ، مُفْضِيَةً إِلَى فَجَوَاتٍ يَصْعُبُ رَدْمُهَا مَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ.
1. الأَدَاءُ الأَكَادِيمِيُّ
يَرْتَبِطُ الغِيَابُ طَوِيلُ الأَمَدِ بِتَرَاجُعٍ حَادٍّ فِي التَّحْصِيلِ الدِّرَاسِيِّ؛ فَيُسَجِّلُ الطُّلَّابُ الَّذِينَ تَجَاوَزَتْ غِيَابَاتُهُمْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مُتَتَالِيَةً أَدَاءً أَضْعَفَ، خُصُوصًا فِي الرِّيَاضِيَّاتِ. كَمَا يُفْضِي الغِيَابُ المُبَكِّرُ فِي المَرَاحِلِ التَّأْسِيسِيَّةِ إِلَى إِعَاقَةِ تَطَوُّرِ المَهَارَاتِ الأَسَاسِيَّةِ، كَالقِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ.
2. التَّطَوُّرُ الِاجْتِمَاعِيُّ وَالعَاطِفِيُّ
يُضْعِفُ الغِيَابُ فُرَصَ تَنْمِيَةِ مَهَارَاتٍ مِحْوَرِيَّةٍ، كَالمُثَابَرَةِ وَالتَّعَاوُنِ وَضَبْطِ النَّفْسِ، كَمَا يَزِيدُ مِنْ مَخَاطِرِ القَلَقِ وَالاِكْتِئَابِ وَالعُزْلَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
3. الآثَارُ طَوِيلَةُ المَدَى وَالتَّكْلِفَةُ المُجْتَمَعِيَّةُ
يُعَدُّ الغِيَابُ المُزْمِنُ مُؤَشِّرًا قَوِيًّا عَلَى التَّسَرُّبِ مِنَ التَّعْلِيمِ (ELET)، وَيَمْتَدُّ أَثَرُهُ إِلَى سُوقِ العَمَلِ مِنْ خِلَالِ ارْتِفَاعِ نِسَبِ البِطَالَةِ وَانْخِفَاضِ الدَّخْلِ المُسْتَقْبَلِيِّ، إِلَى جَانِبِ تَزَايُدِ الأَعْبَاءِ عَلَى أَنْظِمَةِ الصِّحَّةِ وَالرِّفَاهِ وَالعَدَالَةِ.
ثَالِثًا: السِّيَاسَاتُ وَالِاسْتِجَابَاتُ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةُ
تُشِيرُ الأَدِلَّةُ الدُّوَلِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِعْتِمَادَ عَلَى الأَدَوَاتِ العِقَابِيَّةِ وَحْدَهَا لَا يُحَقِّقُ أَثَرًا مُسْتَدَامًا، بَلْ قَدْ يُفَاقِمُ تَهْمِيشَ الفِئَاتِ الأَكْثَرِ هَشَاشَةً.
1. أَنْظِمَةُ الدَّعْمِ مُتَعَدِّدَةُ المُسْتَوَيَاتِ (MTSS)
تُوَفِّرُ إِطَارًا مُتَدَرِّجًا يَبْدَأُ بِالوِقَايَةِ الشَّامِلَةِ (المُسْتَوَى الأَوَّلُ)، ثُمَّ التَّدَخُّلَاتِ المُوَجَّهَةِ (المُسْتَوَى الثَّانِي)، وَيَنْتَهِي بِالدَّعْمِ الفَرْدِيِّ المُكَثَّفِ (المُسْتَوَى الثَّالِثِ).
2. التَّعَاوُنُ عَبْرَ القِطَاعَاتِ
يَتَطَلَّبُ تَعْزِيزُ الحُضُورِ تَنْسِيقًا فَاعِلًا بَيْنَ المَدْرَسَةِ وَالأُسْرَةِ وَالخِدْمَاتِ المُسَانِدَةِ، مَعَ تَفْعِيلِ دَوْرِ الأَخِصَّائِيِّينَ فِي تَشْخِيصِ العَوَائِقِ وَمُعَالَجَتِهَا.
3. المُرَاقَبَةُ الرَّقْمِيَّةُ وَأَنْظِمَةُ الإِنْذَارِ المُبَكِّرِ
يُعَدُّ التَّتَبُّعُ اللَّحْظِيُّ لِلْحُضُورِ أَدَاةً حَاسِمَةً لِلتَّدَخُّلِ المُبَكِّرِ قَبْلَ أَنْ يَتَجَذَّرَ سُلُوكُ الغِيَابِ.
تَوْصِيَاتٌ لِصُنَّاعِ القَرَارِ
التَّدَخُّلُ المُبَكِّرُ: التَّرْكِيزُ عَلَى سِنِي التَّأْسِيسِ وَنُقَاطِ الِانْتِقَالِ التَّعْلِيمِيِّ.
بِنَاءُ شَرَاكَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ: تَعْزِيزُ التَّوَاصُلِ الإِيجَابِيِّ مَعَ الأُسَرِ.
تَحْسِينُ المَنَاخِ المَدْرَسِيِّ: خَلْقُ بِيئَاتٍ جَاذِبَةٍ تُعَزِّزُ الِانْتِمَاءَ.
تَطْوِيرُ القُدُرَاتِ: تَدْرِيبُ الكَوَادِرِ التَّعْلِيمِيَّةِ عَلَى مُعَالَجَةِ أَسْبَابِ الغِيَابِ.
تَوْظِيفُ البَيَانَاتِ: ضَمَانُ تَقْوِيمٍ مُسْتَمِرٍّ لِلسِّيَاسَاتِ وَتَحْسِينِهَا.
إِنَّ ضَمَانَ حُضُورِ كُلِّ طَالِبٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ دِرَاسِيٍّ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِجْرَاءٍ إِدَارِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ اسْتِثْمَارٌ اسْتِرَاتِيجِيٌّ فِي رَأْسِ المَالِ البَشَرِيِّ، وَرِهَانٌ حَاسِمٌ عَلَى مُسْتَقْبَلِ المُجْتَمَعِ وَازْدِهَارِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ مَنْطِقِ "الِامْتِثَالِ وَالعِقَابِ” إِلَى مَنْهَجِ "الدَّعْمِ وَالمُشَارَكَةِ” لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ تَغْيِيرٍ فِي الأَدَوَاتِ، بَلْ يقتضي تَحَوُّلًا عَمِيقًا فِي العَقْلِيَّةِ التَّرْبَوِيَّةِ ذَاتِهَا؛ فَبَدَلًا مِنْ طَرْحِ السُّؤَالِ التَّقْلِيدِيِّ: «لِمَاذَا لَا يَحْضُرُ الطَّالِبُ إِلَى المَدْرَسَةِ؟» نَغْدُو فِي حَاجَةٍ إِلَى إِعَادَةِ صِيَاغَةِ السُّؤَالِ عَلَى نَحْوٍ أَعْمَقَ وَأَشْمَلَ: «مَا الَّذِي يَمْنَعُ الأَنْظِمَةَ التَّعْلِيمِيَّةَ مِنْ ضَمَانِ حُضُورِ كُلِّ طَالِبٍ؟»
إِنَّ هَذَا التَّحَوُّلَ النَّوْعِيَّ يَنْقُلُنَا مِنْ مَوْقِعِ التَّفْسِيرِ إِلَى مَوْقِعِ المَسْؤُولِيَّةِ، وَمِنْ تَشْخِيصِ الأَعْرَاضِ إِلَى مُعَالَجَةِ الأُسُسِ، مِمَّا يُمْلِي إِجْرَاءَ تَعْدِيلَاتٍ جَوْهَرِيَّةٍ عَلَى السِّيَاسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَمُمَارَسَاتِهَا؛ لِتُصْبِحَ أَكْثَرَ عَدْلًا، وَأَشْمَلَ، وَأَقْدَرَ عَلَى الِاسْتِجَابَةِ لِاحْتِيَاجَاتِ جَمِيعِ المُتَعَلِّمِينَ.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ كُلَّ يَوْمٍ دِرَاسِيٍّ يُفْقَدُ لَيْسَ فُرْصَةً تَعْلِيمِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فُقْدَانٌ لِجُزْءٍ مِنْ مَسَارِ الحَيَاةِ نَفْسِهَا… فَكُلُّ يَوْمٍ يَمْضِي لَا يَعُودُ، وَمَا أَعْمَارُنَا إِلَّا أَيَّامٌ.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير