الأنباط -
الدكتور زياد القاضي
رئيس مجلس التطوير التربوي
مع إعلان نتائج الثانوية العامة وما تحمله هذه المناسبة من فرح وفخر في بيوت الأردنيين أكد مجلس التطوير التربوي في الزرقاء الأولى أن النجاح في التوجيهي يمثل بداية مرحلة جديدة في حياة الطلبة وليس نهاية الرحلة داعيًا الأسر إلى التعامل بوعي مع الخطوة الأهم التي تلي النتائج، وهي اختيار التخصص والمسار المهني بعيدًا عن ضغط المعدل ورغبات الآخرين وبما ينسجم مع قدرات الطلبة وميولهم ومتطلبات سوق العمل وتغيراته المتسارعة.
في الساعات القادمة ستطرق الفرحة أبواب آلاف البيوت الأردنية مع إعلان نتائج الثانوية العامة وتتويج رحلة أبنائنا الطلبة الذين أمضوا اثني عشر عامًا على مقاعد الدراسة بين الجد والاجتهاد والمثابرة وانتظار لحظة تختصر سنوات طويلة من التعب وتطوي مرحلة من حياتهم لتفتح أمامهم أبواب مرحلة جديدة أكثر أهمية ومسؤولية.
ومع فرحة النجاح تبدأ أسئلة المستقبل وتحديدًا السؤال الأصعب: ماذا بعد التوجيهي؟
هنا يقف الطالب أمام واحد من أهم القرارات التي قد ترسم جزءًا كبيرًا من مستقبله وهو اختيار التخصص الجامعي. وهذا القرار لا ينبغي أن تحكمه الرغبة وحدها ولا نظرة المجتمع ولا رغبة الأهل في تخصص معين ولا حتى المعدل وحده بل يجب أن يكون قرارًا واعيًا يجمع بين ميول الطالب وقدراته وحاجة سوق العمل والفرص التي يمكن أن يوفرها التخصص بعد سنوات من التخرج.
فليس الهدف أن يدخل أبناؤنا الجامعات ويحصلوا على الشهادات فقط بل أن يخرجوا منها قادرين على إيجاد مكان لهم في سوق عمل أصبحت المنافسة فيه أكثر صعوبة وأصبح يتغير بوتيرة لم نشهدها من قبل.
وشبابنا هم الثروة الحقيقية للأردن والركيزة التي يقوم عليها مستقبل الوطن ولذلك فإن حسن توجيههم نحو التخصصات والمهارات التي يحتاجها المستقبل لم يعد شأنًا فرديًا فقط بل مسؤولية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
اليوم نحن أمام عالم مختلف. الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي المتسارع يعيدان تشكيل سوق العمل ويغيران طبيعة كثير من المهن. وظائف قد تتراجع الحاجة إليها وأخرى ستولد خلال السنوات المقبلة ومهارات كانت إضافية بالأمس أصبحت اليوم شرطًا أساسيًا للمنافسة.
ومن هنا فإن على الطالب قبل اختيار تخصصه أن يسأل نفسه: ماذا سأعمل بعد التخرج؟ وهل يحتاج سوق العمل إلى هذا التخصص؟ وما المهارات التي سأمتلكها إلى جانب شهادتي؟ وهل أستطيع أن أنافس بها محليًا وإقليميًا ودوليًا؟
لقد حقق الأردن مستوى تعليميًا متقدمًا ويمتلك جامعات وكفاءات نفتخر بها لكن التحدي اليوم لم يعد في عدد الشهادات وإنما في قدرة الخريج على تحويل ما تعلمه إلى معرفة ومهارة وإنتاج.
ولهذا يجب ألا تمر سنوات الجامعة بين قاعة المحاضرات والامتحانات فقط. على الطالب أن يجعلها سنوات لبناء شخصيته المهنية من خلال التدريب العملي وتعلم اللغات وإتقان التقنيات الحديثة وتنمية المهارات الرقمية والقيادية والمشاركة في العمل التطوعي والبحث عن الخبرة قبل انتظار الوظيفة.
أما أبناؤنا الذين لم يحالفهم الحظ في هذه الدورة فرسالتي إليهم واضحة: التوجيهي محطة مهمة لكنه ليس نهاية الطريق ولا نتيجة امتحان واحدة قادرة على إصدار حكم نهائي على مستقبل إنسان.
قد يتأخر النجاح لكنه لا يغيب عمن يتمسك به. أعيدوا المحاولة واستثمروا وقتكم في تطوير أنفسكم واكتساب المهارات والخبرات ولا تسمحوا لنتيجة عابرة بأن تهزم طموح سنوات كاملة. فكثير من قصص النجاح بدأت بتعثر ثم صنعتها الإرادة والإصرار.
ويبقى في هذه الساعات نداء لا يقل أهمية عن فرحة النجاح.
افرحوا بأبنائكم واحتفلوا بهم وارفعوا أصوات الزغاريد وشاركوهم فرحتهم ولكن لا تجعلوا رصاصة طائشة تكتب نهاية مأساوية لفرحة عائلة أخرى.
إطلاق العيارات النارية ليس تعبيرًا عن الفرح ولا مظهرًا من مظاهر الرجولة وإنما سلوك قد يحول في لحظة بيتًا يحتفل بالنجاح إلى بيت يستقبل العزاء. والرصاصة التي تطلق إلى السماء لا تختفي بل تعود إلى الأرض وقد يكون في طريقها طفل أو أم أو شاب كان ينتظر مستقبله.
فلنجعل أفراح التوجيهي هذا العام عنوانًا للوعي والمسؤولية ولتكن فرحتنا بحجم إنجاز أبنائنا وبما يليق بأخلاق مجتمعنا الأردني وقيمه.
مبارك لكل الناجحين وحظًا أوفر لمن سيواصلون المحاولة.
وتذكروا دائمًا أن المستقبل لا تصنعه نتيجة امتحان وحدها ولا شهادة معلقة على الحائط بل تصنعه الإرادة والمعرفة والمهارة والعمل والإيمان بأن لكل مجتهد نصيبًا.