الأنباط -
عبير مامي
يصعب في الأردن تجاهل الظاهرة التي باتت تعرف باسم " الجنرال". خلال الأشهر الماضية تحولت هذه الشخصية المجهولة إلى مادة للنقاش العام، ليس بسبب هوية من يقف خلفها، بل بسبب طبيعة الملفات التي تنشرها، والطريقة التي تقدم بها هذه الملفات للرأي العام خصوصاً أنه في كثير من الأحيان أصبح الاسم يطغى على الفكرة وذلك حين يغدو اسم الكاتب أهم من المقال نفسه.
في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للصخب والاتهامات المتبادلة، اختار " الجنرال" طريقا مختلفا. فبدلاً من الخطاب الحاد أو اللغة الانفعالية، جاءت معظم منشوراته قائمة على عرض وثائق ومستندات لبناء الرواية عليها. وقد يكون هذا هو السبب الذي دفع شريحة واسعة من الأردنيين إلى متابعة الصفحة باهتمام، بصرف النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم مع كل ما ُينشر فيها.
بين هذا التأييد وذلك التحفظ نجح "الجنرال" في خلق حالة خاصة فرضت حضورها بين الأردنيين وأثارت نقاشاً عاماً لا يمكن تجاهله؛ لا أحد يعرف من يقف خلف هذه الشخصية، والمفارقة أن الجدل لم يقتصر حول شخصه بل حول ما يقدمه، هناك من يرى أن اعتماده وثائق رسمية هو مصدر قوته، وأخرين يرون أن قوة حضوره جاءت نتيجة لتجنب الخطاب الاستفزازي والانفعالي الذي يطغى على بعض المعارضين من الخارج حين تتحول الشتيمة بديلاً عن الحجة. وفي حالة الجنرال سواء اتفق معه الجمهور أو اختلفوا فقد بنى اسلوبه على منهج مختلف؛ الحجة المدعّمة بالوثيقة أولاً، ثم التعليق عليها والنقاش حولها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو الغموض الذي يحيط بهذه الشخصية، فمن هو "الجنرال"؟ هل هو مسؤول سابق؟ أم موظف ما يزال في موقعه؟ أم فريق عمل يتارك إدارة الصفحة؟ لا أحد يملك إجابة مؤكدة، وربما كان الغموض نفسه جزءاً من الفكرة لخلق حالة من الفضول وتوجيه الأنظار نحو المحتوى بدلاً عن صاحب المحتوى نفسه.
لقد أصبح هذا الغموض جزءاً من معادلة التأثير، الناس اعتادت في عالم التواصل الاجتماعي أن تعرف الوجوه والاسماء قبل الأفكار، أما هنا فقد حدث العكس، حضرت الفكرة وغاب الاسم أو الوجه. والأهم من ذلك أن كشف ملفات الفساد والتجاوزات يجب أن تكون بداية لنهج جديد تعتمده منظومة مؤسسات ورقابة رسمية تملك القدرة على إحداث التغيير الفعلي وذلك لاجتثاث بؤر الفساد من جذورها بغض النظر عن الأشخاص أو المؤسسات التي يكشف فيها أي نوع من هذه التجاوزات.
لقد فرض " الجنرال" نفسه بوصفه ظاهرة إعلامية وسياسية تستحق الدراسة والفهم، ليس بسب غموض الهوية فقط، بل لقدرته على جعل الوثيقة الحية مثار للنقاش وأصبح جزءاً من المشهد العام الذي لا يمكن تجاهله كشاهد على الاحداث.
وفي النهاية، الدولة القوية لا تخشى الوثيقة بل تتعامل معها بثقة ومسؤولية، كل وثيقة صحيحة تكشف خللاً وهي فرصة للإصلاح، وكل معلومة غير صحيحة هي فرصة لإثبات الحقيقة. وبين هذا وذاك، يبقى القانون هو المرجع. وقوة الدولة لا تكون بإخفاء الأخطاء بل بمعالجتها ولا بإسكات الاسئلة بل بالإجابة عنها بوضوح وشفافية.
Abeer.mami76@gmail.com