اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
أمانة عمّان تنظم جلسة حوارية حول دور الشباب في منظومة التحديث الوطني والفرص المستقبلية انطلاق اجتماع وزاري في عمان لبلورة موقف مشترك بشأن القدس من الرؤية الهاشمية إلى الإصلاح التعليمي الشامل هيئة النقل البري: خطة لتنظيم حركة السرفيس في جسر الملك حسين وتخصيص مسرب لها مؤتمر صحفي غدا لتقديم المدرب الجديد للمنتخب الوطني لكرة القدم "الصناعة والتجارة": المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية آمن ويكفي لمدد مريحة الحمل الكهربائي يسجل 4220 ميغاواط الثلاثاء ترامب: تم عقد مفاوضات على مدار يوم الثلاثاء مع إيران الأردن يستضيف اليوم اجتماعا لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في القدس اتحاد العمال يكثف جهوده بدعم من "فريدريش إيبرت" لتحسين ظروف عمال المنصات استنادا إلى الاتفاقية 193 المنطقة العسكرية الشمالية تحبط محاولة تسلل على إحدى واجهاتها الحدودية منطوق الأردن وأتلانتس النووية اجواء حارة نسبيا اليوم وانحسار الكتلة الحارة غدًا لماذا يحمرّ وجهك خجلًا؟ .. سر يميّز البشر عن جميع الكائنات ليس ضعف إرادة .. دراسة تفسر لغز استعادة الوزن بعد الحمية أعراض قد تسبق النوبة القلبية بأسابيع .. طبيب يحذر من تجاهلها السفير مالك الطوال في ذمة الله البنك العربي يصدر تقريره الاول للإفصاحات المناخية وفق معيار IFRS S2 من العقبة... تبدأ الخطوات التي تصنع مستقبلًا أكثر خضرة التكنولوجيا ترسم خريطة النمو الجديدة للشركات الآسيوية الصغيرة والمتوسطة

من الرؤية الهاشمية إلى الإصلاح التعليمي الشامل

من الرؤية الهاشمية إلى الإصلاح التعليمي الشامل
الأنباط -
شهادة على تجربة... ورؤية للمستقبل
الدكتور . فايز السعودي
ليس من قبيل المصادفة أن يضع جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين التربية والتعليم في مقدمة أولويات الدولة، وأن يؤكد في خطاباته وأوراقه النقاشية أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأجدى، وأن التعليم النوعي هو المدخل الحقيقي للتنمية المستدامة، وبناء الاقتصاد المعرفي، وتعزيز مكانة الأردن في عالم سريع التحول، تقوده الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي والابتكار.

وقد جاءت رؤى سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، امتدادًا لهذه الرؤية الهاشمية، حين أكد في أكثر من مناسبة أن الشباب هم الثروة الوطنية الحقيقية، وأن تمكينهم يبدأ بتعليم نوعي يكتشف قدراتهم، وينمي مهاراتهم، ويهيئهم لقيادة المستقبل، لا لمجرد الالتحاق بوظيفة. وهكذا أصبحت التربية والتعليم حجر الأساس في مشروع التحديث الوطني بأبعاده السياسية والاقتصادية والإدارية.

ومن هذا المنطلق، جاءت زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين إلى وزارة التربية والتعليم بتاريخ 27/8/2012، ولقاؤه مجلس التربية والتعليم، محطة وطنية فارقة، جسدت اهتمامه المباشر بقيادة عملية الإصلاح التربوي، وإيمانه بأن بناء الدولة الحديثة يبدأ من المدرسة، وأن تطوير التعليم ليس خيارًا، بل ضرورة وطنية.

وقد أوعز جلالته آنذاك بإعداد تصور شمولي للنهوض بقطاع التربية والتعليم، وبدأت الوزارة بالفعل بإعداد هذا التصور، حيث تشرفت بالمشاركة في ذلك اللقاء بصفتي وزيرًا للتربية والتعليم، وعرضنا أمام جلالته رؤية وطنية متكاملة لإصلاح التعليم، انطلقت من قناعة راسخة بأن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بإجراءات جزئية أو حلول مؤقتة، وإنما بإعادة بناء المنظومة التعليمية بكامل عناصرها، باعتبارها منظومة مترابطة يؤثر كل عنصر فيها بالآخر.

وقد تم إعداد هذا التصور الشمولي للنهوض بقطاع التربية والتعليم، انطلاقًا من التوجيه الملكي السامي، وبدأت الوزارة في تنفيذ عدد من مكوناته في المجالات التي توافرت لها المتطلبات اللازمة، باعتباره مشروعًا وطنيًا مؤسسيًا طويل المدى، لا يرتبط بالأشخاص أو المراحل الزمنية، وإنما يقوم على رؤية تستهدف بناء نظام تعليمي قادر على الاستجابة لمتطلبات المستقبل.

ومن بين المجالات التي بدأ العمل عليها آنذاك، إعداد قاعدة وطنية لبناء بنوك أسئلة للامتحانات، من خلال تشكيل لجان من المعلمين والمشرفين والمتخصصين في القياس والتقويم، بحيث تخضع الأسئلة للتحليل العلمي وفق مؤشرات الصعوبة والتمييز، بما يسهم في تطوير فلسفة الامتحانات والانتقال بها من قياس الحفظ والاسترجاع إلى قياس الفهم والقدرات.

كما بدأ العمل على تحسين البيئة التعليمية في المدارس، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في جودة التعليم، من خلال الاهتمام بغرف الصفوف، وغرف المعلمين، ومرافق الإدارة المدرسية، وإعادة توجيه بعض الموارد المتاحة نحو تحسين بيئة العمل للطلبة والعاملين في الميدان التربوي.

وفي إطار تعزيز الاستفادة من الخبرات الوطنية، تم العمل على تشكيل لجنة استشارية من أصحاب الخبرة في الوزارة ممن اقتربوا من نهاية خدمتهم، بهدف توظيف خبراتهم المتراكمة في إعداد الدراسات والأبحاث، والاستفادة من الرسائل الجامعية والأوراق العلمية المتعلقة بالتربية والتعليم، لتكون المعرفة والخبرة المتراكمة جزءًا من عملية صنع القرار التربوي.

كما تمت مراجعة بعض جوانب المناهج الدراسية، بهدف تخفيف الأعباء غير الضرورية عن الطلبة، وإعادة النظر في بعض الوحدات والمباحث التي تتطلب معالجة، بحيث يصبح المنهاج أكثر تركيزًا على الفهم والمهارات، وأقل اعتمادًا على الكم المعرفي الذي يثقل الطالب والمعلم على حد سواء.

وفي الجانب الإداري والتنظيمي، بدأت مراجعة الهيكل التنظيمي للوزارة، انطلاقًا من أهمية توحيد المرجعية الإدارية وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي، من خلال إيجاد منظومة أكثر وضوحًا في المسؤوليات والصلاحيات، وتعزيز التواصل بين الوزارة والميدان التربوي، بما يخدم سرعة الإنجاز وتكامل الأدوار.

إلا أن استقالة الحكومة بتاريخ 8/10/2012، بعد نحو خمسة شهور من تولي مسؤولية الوزارة، حالت دون استكمال جميع مراحل تنفيذ التصور الشمولي، وتوقفت العديد من مساراته لاحقًا، ليس بسبب ضعف الفكرة أو عدم الحاجة إليها، وإنما بسبب غياب الاستمرارية المؤسسية التي تضمن تراكم الإنجاز والبناء على ما سبق، واستبدال العمل المؤسسي في بعض الأحيان بالاجتهادات الفردية المرتبطة بتغير الأشخاص والمراحل.

وتؤكد هذه التجربة أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يعتمد على جهود فردية مهما بلغت أهميتها، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية تحمي الرؤية، وتضمن استمرارها، وتحول الخطط إلى سياسات ثابتة، والبرامج إلى ممارسات مستدامة، بحيث يصبح الإصلاح مشروع دولة تتوارثه المؤسسات، لا مشروع أفراد ينتهي بانتهاء مواقعهم.

وكانت الفكرة المحورية في ذلك التصور هي إعادة هرم مخرجات التعليم المقلوب إلى وضعه الطبيعي؛ فقد أصبح الاهتمام في كثير من الأحيان منصبًا على الامتحان أكثر من التعلم، وعلى الشهادة أكثر من الكفاية، وعلى الحفظ أكثر من التفكير، وعلى المحتوى أكثر من بناء الإنسان. وكان لا بد من إعادة ترتيب الأولويات، ليصبح الطالب محور العملية التعليمية، والمدرسة بيئة لاكتشاف القدرات وتنمية المواهب وصناعة الشخصية، قبل أن تكون مكانًا لمنح الدرجات والشهادات.

وانطلاقًا من ذلك، استند التصور إلى عدد من المرتكزات الاستراتيجية التي ما زلت أؤمن بأنها تمثل المدخل الحقيقي لإصلاح التعليم في الأردن.

أولها إعادة بناء فلسفة التربية والتعليم، بحيث تجيب عن السؤال الجوهري: ما الإنسان الذي نريد أن نبنيه؟ فالمناهج والامتحانات والمعلم والإدارة التعليمية يجب أن تتكامل جميعها في خدمة هذا الهدف، لإعداد مواطن معتز بهويته، منفتح على العالم، مؤمن بقيم المواطنة وسيادة القانون، وقادر على الإبداع والإنتاج والتعلم مدى الحياة.

وثانيها تطوير فلسفة التدريس، بالانتقال من ثقافة التلقين إلى ثقافة التعلم، ومن نقل المعرفة إلى إنتاجها، ومن المعلم الناقل للمعلومة إلى المعلم القائد والموجه، الذي يوقظ التفكير، ويحفز الإبداع، ويزرع حب التعلم في نفوس طلبته.

أما المرتكز الثالث، فهو إصلاح فلسفة التقويم، بحيث يصبح التقويم أداة لتحسين التعلم، لا مجرد وسيلة للحكم على الطلبة، وأن تقيس الامتحانات التفكير والتحليل والإبداع وحل المشكلات والقدرة على توظيف المعرفة.

وكان المعلم في قلب مشروع الإصلاح، لأن أي نظام تعليمي لا يمكن أن يتجاوز مستوى معلميه. ولذلك فإن تطوير معايير اختيار المعلمين، وإعادة بناء برامج إعدادهم، وتمكينهم مهنيًا، وتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية، وتعزيز مكانتهم الاجتماعية، يجب أن يبقى أولوية وطنية.

كما دعا التصور إلى تطوير فلسفة المناهج، بالانتقال من المناهج المبنية على المحتوى إلى المناهج القائمة على نتاجات التعلم والكفايات، والتركيز على التفكير النقدي، والإبداع، والابتكار، والمهارات الرقمية، والبحث العلمي، والعمل الجماعي، وريادة الأعمال، وربط المعرفة بالحياة وسوق العمل.

ولأن لكل إنسان طاقات مختلفة، فقد أكد التصور أهمية بناء منظومة وطنية لاكتشاف الذكاءات والقدرات والميول منذ السنوات الأولى، وتوجيه الطلبة إلى المسارات التي تنسجم مع إمكاناتهم، بحيث يصبح التعليم وسيلة لاكتشاف الإنسان، لا مجرد أداة لتصنيفه وفق درجات الامتحانات.

كما أكد أهمية النظر إلى التعليم باعتباره منظومة متكاملة تبدأ من رياض الأطفال، وتمر بجميع مراحل التعليم العام حتى نهاية المرحلة الثانوية، ضمن إطار من الاتساق بين الفلسفة والمناهج والمعلم والإدارة والبيئة المدرسية والتقويم والتشريعات والتمويل والشراكة المجتمعية.

واليوم، وبعد أكثر من عقد على ذلك اللقاء، أصبحت تلك الأفكار أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالعالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، والوظائف تتبدل، والتقنيات تتسارع، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاقتصاد وسوق العمل، ولم يعد من المقبول أن تعمل مدارسنا وجامعاتنا بعقلية الماضي بينما المستقبل يطرق أبوابنا كل يوم.

إن مشروع التحديث السياسي والاقتصادي والإداري لن يحقق أهدافه كاملة ما لم يستند إلى تحديث تربوي وتعليمي شامل؛ فالإنسان هو الذي يضع التشريعات، ويدير المؤسسات، ويقود الاقتصاد، ويصنع الابتكار.

إن الوفاء الحقيقي للرؤية الهاشمية لا يكون بتكرار مضامينها في المؤتمرات والخطابات، وإنما بتحويلها إلى تشريعات وسياسات وخطط تنفيذية ومؤشرات أداء ومؤسسات قادرة على الاستمرار.

إن الأردن يمتلك قيادة هاشمية تستشرف المستقبل، وشبابًا يملكون الطموح، ومعلمين يحملون رسالة عظيمة، وخبرات وطنية راكمت تجارب ثرية. وما نحتاجه اليوم هو أن نجمع هذه الطاقات في مشروع وطني شامل لإصلاح التربية والتعليم، يكون مشروع دولة لا مشروع وزارة، ومشروع أجيال لا مشروع مرحلة.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من إدارة التعليم إلى قيادة التعلم، ومن إصلاح المناهج إلى إصلاح الفلسفة التي تُبنى عليها المناهج، ومن الاهتمام بالشهادات إلى بناء الكفايات، ومن قياس ما يحفظه الطالب إلى اكتشاف ما يستطيع أن يبدعه.

فحين ننجح في بناء الإنسان، نكون قد بدأنا ببناء الوطن. وحين تصبح المدرسة مصنعًا للعقول، والمعلم قائدًا للتغيير، والطالب محورًا للسياسات التعليمية، نكون قد ترجمنا الرؤية الهاشمية إلى واقع، ووضعنا الأردن على الطريق الذي أراده له جلالة الملك عبد الله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني: وطنًا رائدًا، مزدهرًا، قادرًا على المنافسة، ومؤمنًا بأن الإنسان هو أغلى ما يملك.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير