الأمن الغذائي ... رؤية ملكية لمنظومة وطنية مستدامة
د. خالد العاص
يمثل ملف الأمن الغذائي أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدول في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، وما تفرضه من ضغوط على سلاسل الإمداد العالمية وتقلبات الأسواق وأسعار السلع الأساسية. وفي هذا السياق، تأتي توجيهات جلالة الملك عبدﷲ الثاني بشأن تعزيز أمن الغذاء في المملكة كخطوة استباقية تعكس إدراكا عميقا لأهمية بناء منظومة وطنية قادرة على حماية احتياجات المواطنين وضمان استدامة الإمدادات الغذائية في مختلف الظروف.
إن متابعة جلالة الملك لإجراءات الحكومة المتعلقة بالأمن الغذائي، والتأكيد على ضرورة الحفاظ على مخزون استراتيجي آمن وكافٍ من الحبوب والسلع الأساسية، يعكس توجها نحو الانتقال من مفهوم إدارة الأزمات إلى مفهوم الاستعداد المسبق. فالأمن الغذائي لم يعد قضية اقتصادية أو زراعية فقط، بل أصبح جزءا أساسيا من منظومة الأمن الوطني، لما يرتبط به من استقرار اجتماعي واقتصادي وسياسي.
وتبرز أهمية هذه التوجيهات في ظل ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة، سواء نتيجة النزاعات الجيوسياسية أو التغير المناخي أو اضطرابات التجارة الدولية. ومن هنا، فإن بناء مخزون استراتيجي فعال وتطوير آليات إدارته لا يمثلان مجرد إجراءات احترازية، بل يشكلان استثماراً في الأمن الوطني وتعزيزاً لقدرة الأردن على الصمود أمام مختلف السيناريوهات المستقبلية.
ولتعزيز أمن الغذاء في الأردن، فإن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة تطوير منظومة التخزين الاستراتيجي، وزيادة كفاءة إدارة المخزون من خلال استخدام التقنيات الحديثة في التنبؤ بالاستهلاك ومراقبة مستويات الاحتياطي. كما أن تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي يعد محورا رئيسيا، عبر دعم المزارعين، وتحسين استخدام الموارد المائية، والتوسع في الزراعات الذكية التي ترفع الإنتاجية وتقلل من كلفة الإنتاج.
كما تشكل الشراكة بين القطاعين العام والخاص عنصرا حاسما في بناء منظومة غذائية متكاملة، وهو ما أكد عليه جلالة الملك من خلال الدعوة إلى تعزيز التعاون مع القطاع الخاص في مجالات التخزين والنقل. فالقطاع الخاص يمتلك القدرة على الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية، وتطوير سلاسل التوريد، بما يرفع كفاءة وصول السلع الغذائية ويحافظ على استقرار الأسواق.
إضافة إلى ذلك، فإن تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز التعاون مع الدول المنتجة للغذاء يمثلان أدوات مهمة لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أسواق محددة. كما أن الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا الزراعية يمكن أن يسهم في تعزيز قدرة المملكة على إنتاج كميات أكبر من الغذاء باستخدام موارد أقل.
إن توجيهات جلالة الملك عبدﷲ الثاني بشأن الأمن الغذائي تؤسس لرؤية شاملة تقوم على الاستعداد والاعتماد على التخطيط طويل الأمد. فبناء منظومة أمن غذائي متينة لا يتحقق فقط بتوفير المخزون، بل من خلال تكامل الإنتاج المحلي، وكفاءة التخزين، وتطوير النقل، وتعزيز الشراكات، بما يضمن للأردن قدرة أكبر على مواجهة المتغيرات وحماية أمنه الوطني والغذائي في المستقبل.