الأنباط -
د. خالد العاص
لا يقتصر توجيه رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بإعداد نظام لضبط العمل الوزاري على كونه إجراءً تنظيمياً يحدد سلوك الوزراء، بل يعكس توجهاً لإعادة صياغة العلاقة بين السلطة التنفيذية ومعايير النزاهة المؤسسية. فكلما اتسعت صلاحيات المسؤول، ازدادت الحاجة إلى قواعد قانونية واضحة تضمن بقاء القرار العام بمنأى عن أي مصلحة خاصة، بحيث لا تترك معايير النزاهة للاجتهادات الشخصية أو الأعراف الإدارية، بل تصبح جزءاً أصيلاً من بنية العمل الحكومي، وهو ما يعزز منطق دولة المؤسسات وسيادة القانون في ممارسة السلطة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن وضع قواعد ملزمة تنظم علاقة الوزراء بالعطاءات والمناقصات والمشاريع الحكومية، ومنع استغلال المعلومات التي يطلعون عليها بحكم مناصبهم، لا يقتصر على تنظيم السلوك الوظيفي، بل يؤسس لبيئة أكثر استقلالية في صناعة القرار، وينقل دور الجهات الرقابية من التدخل بعد وقوع المخالفة إلى منع نشوء أسبابها منذ البداية، وهو ما يمثل جوهر الإدارة الوقائية الحديثة.
ولا يقتصر أثر هذا التوجه على الوزراء وحدهم؛ فتكليف وزارة العدل بمراجعة التشريعات الناظمة للنزاهة الوظيفية في مختلف مؤسسات القطاع العام يكشف عن توجه أوسع لإعادة بناء قواعد السلوك الإداري على مستوى الدولة بأكملها. فالنزاهة لا تتحقق من خلال قواعد استثنائية لفئة محددة، وإنما عبر معايير موحدة تطبق على جميع شاغلي الوظيفة العامة وفق مبدأ المساواة أمام القانون.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن نجاح برامج التحديث الإداري والاقتصادي يرتبط بوجود مؤسسات مستقلة في قراراتها، تتسم بالشفافية والموضوعية، وقادرة على الفصل بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة. فالمستثمر، كما المواطن، لا يقيس كفاءة البيئة المؤسسية بالنصوص القانونية وحدها، بل بمدى اتساق تطبيقها، وعدالة إنفاذها، واستقرار القواعد التي تحكمها.
كما ينسجم هذا النظام مع التحولات التي شهدتها النظم الإدارية الحديثة، حيث لم يعد مفهوم النزاهة العامة يقتصر على مكافحة الفساد بعد وقوعه، بل أصبح يركز على إدارة تضارب المصالح والإفصاح عنه بوصفه أحد أهم معايير الحوكمة الرشيدة. فالمؤسسات المتقدمة لا تنتظر وقوع المخالفة حتى تتحرك، وإنما تبني منظومات قانونية ورقابية تقلل من فرص نشوء التعارض بين المسؤولية العامة والمصلحة الخاصة، وتحافظ على سلامة القرار الإداري منذ لحظة اتخاذه.
وفي المحصلة، فإن نجاح هذا التوجه لن يقاس بمجرد إصدار نظام جديد، بل بقدرته على التحول إلى ممارسة مؤسسية راسخة تطبق على الجميع دون استثناء. فالحوكمة لا تبنى بكثرة التشريعات، وإنما بثبات تطبيقها، وبترسيخ ثقافة تجعل النزاهة المؤسسية وتجنب تضارب المصالح جزءاً أصيلاً من ممارسة السلطة العامة، لا مجرد التزام قانوني مؤقت.