الأنباط -
بقلم: الدكتورة ايمان الشمايلة
ما كلُّ ريحٍ تهبُّ لتقتلع، ولا كلُّ ليلٍ يطول ليُطفئ الفجر. فثمَّة أقدارٌ إذا نزلت على الإنسان لم تكن عقوبةً بقدر ما كانت كشفًا، ولم تكن نهايةً بقدر ما كانت بدايةً لصفحةٍ يكتبها الله بحكمته، حتى إذا اكتمل المشهد، ظهرت الحقائق كما تظهر الشمس بعد انقشاع الضباب، لا يحجبها دخان، ولا يطمسها صخب.
سيبقى كلُّ أسدٍ في عرينه، لأن الهيبة ليست مكانًا يُسكن، بل مقامٌ تُشيِّده الأخلاق، ويُثبِّته العمل، وتحرسه المواقف. فلا تهزُّه أصواتٌ اعتادت الضجيج، ولا تُربكه محاولاتُ التهديد أو الابتزاز أو التشويه، فالأشجارُ العظيمة لا تسقطها الرياح العابرة، والجبال لا تنحني لعاصفةٍ مهما اشتدَّ هديرها.
وقد يخرج الأسد من عرينه رغمًا عنه، لكن خروجه ليس دليل ضعف، بل قد يكون بابًا فتحه القدر ليكشف ما كان مستورًا، ويُظهر ما خفي من النوايا، ويترك الأيام تؤدي شهادتها كاملةً. فكم من حقيقةٍ احتاجت إلى زمنٍ طويل حتى اكتمل بيانها، وكم من قناعٍ سقط حين ظنَّ صاحبه أنه أحكم ربطه.
ولعلَّ امتداد المشهد لم يكن عبثًا، بل لأن السنن الإلهية لا تستعجل الثمار؛ فهي تُمهل حتى يخرج الماضي من ظلاله، ويقف الحاضر على قدميه، ويُبنى المستقبل على أرضٍ طهَّرتها الحقيقة من الوهم. فما كان لله بقي، وما كان قائمًا على الباطل تهاوى من تلقاء نفسه حين حان أوان السقوط.
وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾، وكأنها رسالةٌ لكلِّ قلبٍ أثقله الانتظار: لا تستبق حكمة الله، فإن للأقدار مواقيت، وللحق ساعةً إذا حضرت، انكشف المستور، واستبان الطريق، وعاد لكلِّ ذي حقٍّ حقُّه.
فليطمئن أصحاب المبادئ؛ فإن التاريخ لا تمحوه حملات التشويه، ولا تُسقطه التهديدات، ولا تُغيِّره الأفعال التي تخالف الأخلاق. ويبقى الأسد أسدًا، سواءٌ كان في عرينه أو خارجه، لأن عرينه الحقيقي ليس موضعًا من الأرض، بل شجاعةٌ في القلب، وصدقٌ في السيرة، وثباتٌ على الحق، وتوكُّلٌ على الله الذي لا تضيع عنده الودائع، ولا يغيب عن علمه شيء.