اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
أزمة في "المحامين": 4 ملايين للمقرات وإقرار الميزانية بلا نقاش "الإدارة المحلية "على خط النار... هل تعيد الحكومة إنتاج أزمة "الضمان" أم تدخل مواجهة مفتوحة مع البرلمان؟ أين العدالة عندما يختلف تطبيق "الفار" من مباراة إلى أخرى؟ إسبانيا تقصي البرتغال بهدف قاتل وتتأهل إلى ربع نهائي مونديال 2026 الحكومة ملتزمة بخفض الدين لأقل من 80% من الناتج المحلي الإجمالي غزة.. ألف يوم من العزلة والموت فجوة الحقيقة وجودة القرار الوطني الرقابة البرلمانية… هل آن لها أن تستعيد مكانها؟ ابنة الوزير الأسبق خالد سيف تحقق العلامة الكاملة 100% في البكالوريا الدولية وليد خالد سيف الف مبروك وزير النقل الأسبق خالد سيف يهنئ ابنته زاد بحصولها على 100% في البكالوريا الدولية الأردن يدين مخططات إرهابية استهدفت النظام العام والممتلكات في المغرب التوجيهي بين التطوير والتجريب… من يحمي مستقبل أبنائنا؟ تعيين الدكتورة رهام الزغيِّر مديرة لجمعية الفنادق الأردنية صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية يطلق الدورة السابعة من مشروع الزمالة البرلمانية مرحى للرأس الأخضر...بل(الأكبر)! لماذا يجب إقرار قانون مياه جديد في الأردن الآن؟ "الفنانين التشكيليين" في مهرجان جرش ..حضور بصري يعزز الهوية الوطنية الحموري يُعدّ تقرير الأردن ضمن سلسلة تقارير الراصد العربي 2025 "الطاقة النيابية" توصي بتطوير الإطار التشريعي والتنظيمي لقطاع الطاقة المتجددة

فجوة الحقيقة وجودة القرار الوطني

فجوة الحقيقة وجودة القرار الوطني
الأنباط -
مدخل لتعزيز فعالية مشروع التحديث المؤسسي
بقلم: ممدوح سليمان العامري
مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي
لا تواجه الدول تحدياتها بسبب نقص الموارد أو تعقيد الأزمات فحسب، وإنما قد تواجهها أيضاً عندما تتسع الفجوة بين الواقع كما هو، والصورة التي تصل إلى دوائر صنع القرار. فكلما اتسعت هذه الفجوة، ازدادت صعوبة اتخاذ القرار الرشيد، مهما كانت كفاءة القيادة أو وضوح الرؤية. ومن هنا، فإن الحقيقة ليست ترفاً فكرياً ولا قيمة أخلاقية مجردة، بل هي شرطٌ أساسي لنجاح الدولة واستدامة قدرتها على الإنجاز.
يمضي الأردن اليوم بثبات في تنفيذ مشروع وطني شامل للتحديث السياسي والإداري والاقتصادي، وهو مشروع استراتيجي لا يستهدف معالجة تحديات المرحلة الراهنة فحسب، بل بناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة تحولات المستقبل. غير أن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يعتمد على التشريعات والسياسات وحدها، وإنما يحتاج إلى بيئة مؤسسية تؤمن بأن الحقيقة هي نقطة الانطلاق لكل إصلاح، وأن المصارحة المسؤولة هي الضمانة الأولى لجودة القرار.
لقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني، في مناسبات عديدة، أن التحديث مشروع دولة طويل الأمد، وأن نجاحه يرتبط بالكفاءة والمساءلة والشفافية وسيادة القانون. وهذه المرتكزات لا يمكن أن تتحول إلى واقع عملي ما لم تُبنَ على ثقافة مؤسسية تجعل الصدق قيمة حاكمة في نقل المعلومات، وتشخيص المشكلات، وتقييم الأداء، وصناعة القرار.
إن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة ليس وجود الأخطاء، فالأخطاء جزء من العمل البشري، وإنما أن تصبح المجاملة بديلاً عن الحقيقة، وأن يُنظر إلى المصارحة باعتبارها تهديداً، لا فرصة للتصحيح والتطوير. فالدول القوية لا تُقاس بقدرتها على إخفاء المشكلات، بل بقدرتها على اكتشافها مبكراً، والاعتراف بها بثقة، ومعالجتها بكفاءة.
ولذلك، فإن الصدق في الاتصال المؤسسي لم يعد فضيلة إدارية فحسب، بل أصبح أحد مكونات الأمن الوطني. فسلامة القرار الاستراتيجي تعتمد، قبل كل شيء، على دقة المعلومات التي تصل إلى متخذ القرار، وعلى وجود ثقافة مؤسسية تسمح بعرض الحقائق كما هي، لا كما يرغب البعض في أن تبدو. فكل قرار كبير يبدأ بمعلومة، وكل معلومة غير دقيقة قد تُنتج قراراً لا يحقق الغاية المرجوة.
ومن هنا، فإن جودة القرار لا تُبنى فقط على خبرة صانع القرار، بل أيضاً على نزاهة منظومة الاتصال التي تمده بالمعلومات، وعلى شجاعة المؤسسات في تقديم التقييم الموضوعي للأداء، بعيداً عن التبرير أو التجميل أو البحث عن رضا المسؤول على حساب المصلحة العامة.
إن المسؤولية الوطنية تقتضي أن ندرك أن النقد الموضوعي ليس نقيض الولاء، بل أحد أرقى تجلياته. فالمواطن الذي يشخص الخلل بموضوعية ويسهم في تقديم الحلول، إنما يمارس أسمى صور الانتماء، كما أن المسؤول الذي يرحب بالحقيقة، مهما كانت صعبة، إنما يعزز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، ويؤسس لثقافة إدارية أكثر نضجاً وفاعلية.
إن الدول التي تحقق التقدم المستدام هي تلك التي تجعل الحقيقة قيمة مؤسسية، لا اجتهاداً فردياً، وتعتبر الشفافية أداة لتحسين الأداء، لا عبئاً إدارياً. أما المجاملة، مهما حسنت نواياها، فقد تحمي مسؤولاً لفترة، لكنها لا تحمي مؤسسة، ولا تبني دولة.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منظومة إدارية أن تعتاد سماع ما يرضيها، بدلاً مما تحتاج إلى معرفته. فالدول لا تضعف عندما تُقال لها الحقيقة، وإنما عندما تُحجب عنها، أو تُؤجل، أو تُستبدل بصور أكثر راحة وأقل دقة.
إن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات رسمية، بل هو مشروع حضاري متجدد، وهوية جامعة، وعقد ثقة بين القيادة والدولة والمجتمع، وحماية هذا المشروع تبدأ من ترسيخ ثقافة الصدق في الفكر والإدارة والعمل العام، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي للدول، والحقيقة هي أساس هذه الثقة.
إن مشروع التحديث الذي يقوده الأردن يحتاج اليوم، إلى ثقافة وطنية ومؤسسية تجعل الحقيقة قيمة عليا، والمصارحة مسؤولية وطنية، والنقد الموضوعي أداةً لتطوير الأداء، لا سبباً للإقصاء أو التخوين. فالدول لا تتقدم بما ترغب في سماعه، وإنما بما تملك الشجاعة على معرفته، والإرادة في معالجته.
ويبقى صدق القول في السر والعلن هو الامتحان الحقيقي للولاء والانتماء، وهو الأساس الذي تُبنى عليه الثقة، وتترسخ به الحوكمة الرشيدة، وتنجح من خلاله مشروعات الإصلاح، وتزداد به مناعة الدولة وقدرتها على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واقتدار.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير