الأنباط -
سعيد الصالحي
في مقام الخضر في ماحص، وعلى بعد كيلومترات قليلة من عمّان، تتخذ الطيور أعشاشها في شجرة ضربت جذورها في الأرض منذ مئات السنين. وفي كل عام تزداد جذورها تمسكًا بالتراب، وتنحني أغصانها احترامًا أمام نعمة الحياة التي تعرف قيمتها أكثر من زوار المقام والعابرين في المدينة.
فهذه الشجرة لم تبرح مكانها، ولم تصطِف يومًا في تركيا، ولم تبحث عن أشعة الشمس والرمال في المالديف، ولم تشكُ يومًا من مزارع قليل الخبرة، ولا من لهو العابثين وعبثهم. بقيت تنمو في مكانها، رغم كل الظروف؛ لم تستسلم، ولم تتوقف.
ورغم تاريخها الطويل، لم يزعجها أشباه المؤرخين الذين لا يعرفون شيئًا مما تعرفه؛ فهي شاهدة على المدينة، وحفظت تاريخها في أوراقها التي لا تتبدل. وفي كل ورقة كتبت سطورًا، بخطها البديع، وبلغتها الطبيعية، غير المصطنعة ولا المتكلفة.
زرتها قبل أيام، وبعد أن ألقيت عليها التحية باحترام، جلست في ظلها، وهي بدورها رحبت بي بنسمة منعشة محملة بأريج أوراقها. ولأنها تنتمي إلى ما تحب، لم تسألني من أنا، ولا عن اسم عائلتي، ولم تزعجها لهجتي ولا صوتي المنخفض. ولم تحكم علي من مظهري ولباسي، كانت ودودة ومحبة وكريمة.
وبقينا دقائق طويلة لا يتحدث فيها أحد. كنت أظن أن الصمت فراغ، حتى اكتشفت أن الأشجار تتقنه أكثر منا. كانت الريح تقلب صفحاتها الخضراء بهدوء، فيما كانت الطيور تواصل يومها كأنها تعرف أن لهذا المكان هيبة لا تحتاج إلى كلام. عندها شعرت أن الأشجار لا تحفظ أعمارها في حلقات جذوعها فقط، بل تحفظها أيضًا في قدرتها على الإنصات، وأن من يجلس طويلًا في ظلها يعود بشيء لم يكن يحمله معه عندما جاء.
وبينما كنت أنظر إلى طولها الفارع، وأغصانها الخضراء الوارفة، سقطت إحدى أوراقها فوق رأسي، واستقرت فوق شعري تداعبه. شعرت أن قصة صغيرة قد تسربت إلى رأسي، وكأنها تود أن تكرمني بحكاية صغيرة للذكرى، لأحفظها وأرويها بعد أن أغادر المقام.
قالت الورقة لي:
ستعود يومًا إلى حيث وُلد الخضر، وعندما تعود إلى هناك، خذني معك، وعندما أجف، ادفني بالقرب من قبر الخضر. وإن تأخرت العودة قليلًا، فاتركني لولدك؛ فهو حتمًا سيعود. أما الوصايا التي تكتبها الأشجار، ويحفظها المخلصون، فلا تسقط بالتقادم.