اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
"العمل" تعقد جلسة تشاورية حول نتائج دراستين حول سوق العمل البنك الدولي : الأردن يُظهر درجة عالية من الصمود في مواجهة تحديات الإقليم وزارة الثقافة تعلن برنامج مهرجان صيف الأردن 2026 في دورته السادسة التقنيات الناشئة".. صندوق الملك عبد الله الثاني للتنمية يعلن البدء بتوسيع عمل "مختبر الألعاب الأردني" 80% في الأردن يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتسوق مع بقاء الثقة عاملاً حاسماً عند الدفع حسب دراسة لفيزا الشيخ علان العبادي '' أبو سرحان '' يجمع الشيوخ والوجهاء على مأدبة عشاء عامرة. نائب الملك الأمير فيصل يرعى حفل تخريج دورة الدفاع الوطني (23) رئيس الوزراء يوجه بالإسراع في إنجاز المشاريع الصحية وإعادة تشغيل مستشفى عمّان الميداني الإدارة المحلية تدعو للاستفادة من إعفاءات وخصومات “المسقفات” والرسوم البلدية شركة ميناء حاويات العقبة تنفذ سلسلة من النشاطات البيئية والمجتمعية ضمن نسخة 2026 من مبادرة "الأسبوع الأخضر Go Green" البوليفارد يعرض مباريات النشامى في كأس العالم 2026 الهجرة النبوية.. حين تصنع القيم نهضة الأمم أمين عام سلطة وادي الأردن يفتتح مشروع إعادة تأهيل وتوسعة بركة الحسا بدعم من السفارة الأمريكية الغذاء والدواء: رصد ثاني أكسيد التيتانيوم في عينات جميد بالأسواق الاتفاق الأمريكي الإيراني: شرق أوسط جديد أم هدنة مؤقتة في صراع النفوذ؟ المنطقة العسكرية الشمالية تحبط محاولتي تسلل وتهريب مواد مخدرة زين تطلق بالتعاون مع beIN عروضاً لمتابعة بطولة كأس العالم TMFIFA 2026 الخرابشة يفتتح مشروع نظام التضبيب في محطة رحاب قاضي القضاة: الهجرة النبوية تؤكد أن نهضة الأمم تبدأ ببناء الإنسان وترسيخ منظومة القيم عطية يرعى احتفال الجمعية التربوية الأردنية بعيد الاستقلال الثمانين.. الأردن يواصل مسيرة الإنجاز بقيادة هاشمية راسخة

الإنسان المختزل بين آلة السوق وسلطة التقاليد

الإنسان المختزل بين آلة السوق وسلطة التقاليد
الأنباط -
هذا هو الإنسان الذي طالما حذّر منه نقّاد الرأسمالية: إنسانٌ تُشكّله آلة الإنتاج منذ طفولته. يُدفع إلى تحمّل المسؤوليات مبكرًا، لا لينمو إنسانيًا، بل ليصبح أكثر كفاءة في العمل وأكثر قدرة على الإنتاج. يتعلّم أن النجاح هو الإنجاز، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يحقق وما يربح.

في هذا النموذج، يصبح التعليم إعدادًا لسوق العمل، ويصبح الوقت موردًا اقتصاديًا، وتتحول الحياة إلى سلسلة متواصلة من الأهداف والمواعيد والالتزامات. شيئًا فشيئًا يتراجع السؤال: كيف أعيش؟ ليحل محله سؤال آخر: كيف أُنتج أكثر؟ وكيف أحقق المزيد؟

لا يعني ذلك أن الرأسمالية فشلت في إنتاج الثروة أو التقدم، بل على العكس، فقد أثبتت قدرة هائلة على زيادة الإنتاج وتحقيق النمو الاقتصادي. لكن نقّادها يرون أن المشكلة لا تكمن فقط في ما تنتجه من سلع، بل في نوع الإنسان الذي تُنتجه. فالإنسان الذي يُربّى ليكون منتجًا قبل أن يكون إنسانًا، وعاملًا قبل أن يكون كائنًا حيًا له أحلامه ومشاعره وعلاقاته، يدفع ثمنًا لا يظهر في المؤشرات الاقتصادية.

في المقابل، تُربّي المجتمعات المتدينة والمحافظة أبناءها بطريقة مختلفة. فالفرد لا يُعرّف نفسه من خلال وظيفته أو دخله فقط، بل من خلال أسرته ومجتمعه وقيمه وانتماءاته. لذلك تبقى العلاقات العائلية والاجتماعية جزءًا أساسيًا من معنى الحياة، ولا تتحول الحياة كلها إلى مشروع مهني أو اقتصادي.

ولهذا السبب نجد أن كثيرًا من الناس في هذه المجتمعات، رغم تواضع دخولهم أو محدودية فرصهم الاقتصادية، لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم مجرد وحدات إنتاج. فالإنسان هناك ما يزال ابنًا وأبًا وأخًا وجارًا وصديقًا قبل أن يكون موظفًا أو رجل أعمال. وما تزال هناك مساحات من الحياة لم تستحوذ عليها السوق بالكامل.

لكن هذا النموذج ليس خاليًا من العيوب أيضًا. فكما تستطيع الرأسمالية أن تختزل الإنسان في دوره الاقتصادي، تستطيع بعض التقاليد الدينية والاجتماعية أن تختزله في دوره العقائدي أو الاجتماعي. وكما قد يتحول الإنسان في مجتمع السوق إلى ترس في آلة الإنتاج، قد يتحول في بعض المجتمعات المحافظة إلى تابع لمنظومة من الأعراف والتوقعات التي تحد من حريته الفردية.

لذلك لا تكمن القضية في الاختيار بين الرأسمالية والدين، ولا بين الحداثة والمحافظة، بل في السؤال الأعمق: كيف نحافظ على إنسانية الإنسان؟ كيف ننتج ونتقدم ونبني اقتصادًا قويًا دون أن نختزل الإنسان إلى مجرد منتج؟ وكيف نحافظ على القيم والانتماء دون أن نختزل الإنسان إلى مجرد تابع؟

وهكذا يمضي كثير من الناس أعمارهم في سباق لا يتوقف. يؤجلون أنفسهم عامًا بعد عام، ويؤجلون أحلامهم وعلاقاتهم وراحتهم إلى وقت لاحق. يعملون أكثر، وينجزون أكثر، ويكسبون أكثر، لكنهم نادرًا ما يتوقفون ليسألوا إن كانوا يعيشون أكثر.
حتى إذا بلغوا الستين التفتوا إلى الوراء فاكتشفوا أن الحياة مرّت مسرعة، وأنهم أمضوا عقودًا طويلة يخدمون الماكينة أكثر مما خدموا ذواتهم. عندها يبدأ فصلٌ جديد من الحياة؛ فصلٌ يقضون فيه وقتًا أطول في عيادات الأطباء والمستشفيات مما قضوه مع أنفسهم. يبدأ الجسد بالمطالبة بثمن سنوات الإهمال، وتتحول الجهود من بناء المستقبل إلى ترميم ما استنزفته عقود العمل والضغط والتأجيل. وكأن الإنسان يقضي نصف عمره يستهلك صحته ليبني حياته، ثم يقضي ما تبقى من عمره محاولًا استعادة شيءٍ من الصحة التي أنفقها في الطريق.

فارس قاقيش
نيويورك

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير