اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
جنى الحرباوي من عمان الأهلية تحصد المركز الثاني عالمياً في مبادرة دولية للسرد البصري عمان الأهلية تشارك في فعالية متخصصة حول استدامة نخيل التمر في الأردن بيان صحفي صادر عن الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن بمناسبة اليوم الدولي للمساواة في الأجر مجلس الوزراء يقرر تجديد تعيين الدكتور عادل الشركس محافظا للبنك المركزي لمدة خمس سنوات إسرائيل تسرّع إجراءات طرح 2167 وحدة استيطانية في مشروع E1 الحكومة تُقر مشروعات قوانين وأنظمة تتعلق بالناقل الوطني والطاقة والمزارعين اجواء معتدلة حتى الأحد الاتحاد الأوروبي يقرر حظر وسائل التواصل للأطفال دون 13 عاما لماذا يعطس الرجال بصوت مرتفع ومفزع؟ العلم يجيب عقار تجريبي للتليف الرئوي يُظهر قدرة على خفض العمر البيولوجي مكمل غذائي يسرق سنة من عمر الرجال الحكومة تقرر اعتبار مكلفي حادث "الصحراوي" شهداء واجب... لقاءات اقتصادية موسّعة لوزيرَي التخطيط والاستثمار في ميلانو لتعزيز الشراكات الأردنية–الإيطالية الفيصلي يخسر من الريان القطري في دوري أبطال آسيا 2 بعد قرار الفيدرالي .. مصارف مركزية ترفع الفائدة 25 نقطة أساس نتنياهو يتوعد بطرح قانونين لمعاقبة من يفضحون انتهاكات عناصر الجيش تجرأتم على مكة... فاستعدوا للرد السعودي ‏السفير الصيني : الأردن بوابة ذهبية للاستثمارات الصينية الفيدرالي الأميركي يرفع معدلات الفائدة ربع نقطة مئوية بسبب التضخم مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي عشيرة القضاة/بني صخر

الإنسان المختزل بين آلة السوق وسلطة التقاليد

الإنسان المختزل بين آلة السوق وسلطة التقاليد
الأنباط -
هذا هو الإنسان الذي طالما حذّر منه نقّاد الرأسمالية: إنسانٌ تُشكّله آلة الإنتاج منذ طفولته. يُدفع إلى تحمّل المسؤوليات مبكرًا، لا لينمو إنسانيًا، بل ليصبح أكثر كفاءة في العمل وأكثر قدرة على الإنتاج. يتعلّم أن النجاح هو الإنجاز، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يحقق وما يربح.

في هذا النموذج، يصبح التعليم إعدادًا لسوق العمل، ويصبح الوقت موردًا اقتصاديًا، وتتحول الحياة إلى سلسلة متواصلة من الأهداف والمواعيد والالتزامات. شيئًا فشيئًا يتراجع السؤال: كيف أعيش؟ ليحل محله سؤال آخر: كيف أُنتج أكثر؟ وكيف أحقق المزيد؟

لا يعني ذلك أن الرأسمالية فشلت في إنتاج الثروة أو التقدم، بل على العكس، فقد أثبتت قدرة هائلة على زيادة الإنتاج وتحقيق النمو الاقتصادي. لكن نقّادها يرون أن المشكلة لا تكمن فقط في ما تنتجه من سلع، بل في نوع الإنسان الذي تُنتجه. فالإنسان الذي يُربّى ليكون منتجًا قبل أن يكون إنسانًا، وعاملًا قبل أن يكون كائنًا حيًا له أحلامه ومشاعره وعلاقاته، يدفع ثمنًا لا يظهر في المؤشرات الاقتصادية.

في المقابل، تُربّي المجتمعات المتدينة والمحافظة أبناءها بطريقة مختلفة. فالفرد لا يُعرّف نفسه من خلال وظيفته أو دخله فقط، بل من خلال أسرته ومجتمعه وقيمه وانتماءاته. لذلك تبقى العلاقات العائلية والاجتماعية جزءًا أساسيًا من معنى الحياة، ولا تتحول الحياة كلها إلى مشروع مهني أو اقتصادي.

ولهذا السبب نجد أن كثيرًا من الناس في هذه المجتمعات، رغم تواضع دخولهم أو محدودية فرصهم الاقتصادية، لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم مجرد وحدات إنتاج. فالإنسان هناك ما يزال ابنًا وأبًا وأخًا وجارًا وصديقًا قبل أن يكون موظفًا أو رجل أعمال. وما تزال هناك مساحات من الحياة لم تستحوذ عليها السوق بالكامل.

لكن هذا النموذج ليس خاليًا من العيوب أيضًا. فكما تستطيع الرأسمالية أن تختزل الإنسان في دوره الاقتصادي، تستطيع بعض التقاليد الدينية والاجتماعية أن تختزله في دوره العقائدي أو الاجتماعي. وكما قد يتحول الإنسان في مجتمع السوق إلى ترس في آلة الإنتاج، قد يتحول في بعض المجتمعات المحافظة إلى تابع لمنظومة من الأعراف والتوقعات التي تحد من حريته الفردية.

لذلك لا تكمن القضية في الاختيار بين الرأسمالية والدين، ولا بين الحداثة والمحافظة، بل في السؤال الأعمق: كيف نحافظ على إنسانية الإنسان؟ كيف ننتج ونتقدم ونبني اقتصادًا قويًا دون أن نختزل الإنسان إلى مجرد منتج؟ وكيف نحافظ على القيم والانتماء دون أن نختزل الإنسان إلى مجرد تابع؟

وهكذا يمضي كثير من الناس أعمارهم في سباق لا يتوقف. يؤجلون أنفسهم عامًا بعد عام، ويؤجلون أحلامهم وعلاقاتهم وراحتهم إلى وقت لاحق. يعملون أكثر، وينجزون أكثر، ويكسبون أكثر، لكنهم نادرًا ما يتوقفون ليسألوا إن كانوا يعيشون أكثر.
حتى إذا بلغوا الستين التفتوا إلى الوراء فاكتشفوا أن الحياة مرّت مسرعة، وأنهم أمضوا عقودًا طويلة يخدمون الماكينة أكثر مما خدموا ذواتهم. عندها يبدأ فصلٌ جديد من الحياة؛ فصلٌ يقضون فيه وقتًا أطول في عيادات الأطباء والمستشفيات مما قضوه مع أنفسهم. يبدأ الجسد بالمطالبة بثمن سنوات الإهمال، وتتحول الجهود من بناء المستقبل إلى ترميم ما استنزفته عقود العمل والضغط والتأجيل. وكأن الإنسان يقضي نصف عمره يستهلك صحته ليبني حياته، ثم يقضي ما تبقى من عمره محاولًا استعادة شيءٍ من الصحة التي أنفقها في الطريق.

فارس قاقيش
نيويورك

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير