الأنباط -
عمر كلاب
لا تحتاج شخصية اقتصادية مثل شخصية محمد صقر, الى قراءة او مراجعة سيرتها المهنية, فهي سيرة نجاح بإمتياز, منذ ان عرفناه في شركة فاست لينك, قبل ان يبدأ استثماره في اكستنسيا, ولا يحتاج الى من يسبر غور شخصيته في العمل الحكومي, فرغم قصر فترته في سلطة اقليم العقبة, الا انه انجز ما هرب منه كثيرون, واعني تفاصيل الشلالة وتداعياتها, واسترداده اراض من متنفذين, فكل هذا لا يضيف الى نزاهته المعهودة والمعروفة, لكن ما يستوجب الولوج, هذه المساحة الانسانية التي نجحت صاحبة مشروع بود كاست " على سيرة شغل ", سالي ابو علي, في كشفها واجلاء كثير من مكنوناتها.
محمد صقر, او " ابو حنين " كما نعرفه ويعرفه كل من يعرفه, فتلك قصة تحتاج الى وقفة, مع شخصية نمت وتخلقت في مجتمع ذكوري, بأن يكون اصراره على مناداته " ابو حنين ", فتلك تكشف عن عناد مفاهيمي, يمتلكه الرجل, رغم شخصيته الدافئة والقريبة الى القلب, فهو يمتلك منهجا متماسكا, اوله انحيازه القومي, ومشاركته في العمل الثوري الفدائي, ليس بحكم انه ابن شهيد فقط, بل بحكم انه مشغول على يد سيدة وواقع لا يسمح بنتاج غير ذلك, هل قلت سيدة, نعم , تلك كلمة السر في شخصية ابو حنين, محمد محمود صقر, والواجب او المعروف اجتماعيا ان تكون كنيته " ابو محمود ", لكنه غادرها الى حنين.
ساعات قضيتها مع الصديق محمد صقر في مشواره مع البودكاست, وهو المقل في الظهور, كنت اجتهد كي افهم هذا الصديق الذي عاشرته عن قرب لسنوات, وظننت انني اعرفه, لكنني كنت اعرف محمد صقر الشهم صاحب النخوة والفزعة, ولم اعرف ابو حنين, فهذه كلمة السر التي كشفتها المقدمة وصاحبة الاسئلة سالي ابو علي, بمهارة فائضة عن حاجة مقابلة اقتصادي ناجح, ساتجرأ لاقرأ ان عاملين صنعا تلك الشخصية, الارملة " ام ابراهيم " والدته, التي بنت واستثمرت في دكان بسيط على شارع البحر في " كمب العقاد " في مدينة خان يونس الساحلية, وكلمة كمب في غزة تعني مخيم, وهو نفس منبتي , وإرث والده الشهيد, واظن ان انحيازه واصراره على ابو حنين, هو امتنان عميق للارملة التي افنت عمرها في تربية اربعة ايتام فتاتان و صبيان.
حين غافلته الدمعة في المقابلة, فرحت, لان الرجال الرجال يبكون, نعم " فاليُتم حالة متصلة ودائمة, مهما بلغت من النجاح والمنعة الاقتصادية, ودليلي, قوله تعالى " الم يجدك يتيما فأوى " فالله عز وجل, استخدم مع اليُتم قعلا مضارعا, واستخدم في نفس السورة مع الضلالة والفقر افعال ماضية, فهاتان الصفتان يمكن تجاوز اثارهما, لكن الاحساس باليتم مستمر ومتصل, لذلك بكى بفروسية ومهابة, فهو بكى ام ابراهيم رحمها الله, تلك الارملة الصارمة الحنونة, فلا يمكن ان تجتمع المتضادات الا في شخصية الارملة, التي لا تسمح لطفلها ان يمضي في مرحلة الطفولة, بل يجب ان ينتقل الى الرجولة بسرعة ووقار.
ولمن لا يعرف سأقول الفرق في مجتمع ذكوري بين متناقضين, ترباية امرأة وترباية ارملة, فالاولى نقيصة, والثانية مهابة, فالارملة لا تسمح بغير التفوق في كل المجالات, لان شهادة نجاحها واوراق اعتمادها, مختصرة في الابناء, لذلك تكون صارمة دون بطش وحنونة دون تراخي, فعليك وانت ابن الشهيد اليتيم ان تكون كل شيء, ولعل تربية المدرسة في ذلك الحين كانت تساعد, ولعل ابو حنين اشار الى ذلك, عبر وفائه لذكرى الاستاذ احمد نمر الذي اصبح لاحقا ايقونة نضالية فهو احد مؤسسي حركة حماس وبالمناسبة هو ابن قريتي قبل اللجوء.
هل اجازف اكثر, واقول بأن اسمه الحركي كان " ابو محمود " والاسم الحركي ضرورة في العمل الفدائي, بحكم سرية العمل, نعم سأجازف بذلك, فهو انحاز الى الارملة في تأسيس الفخر باسم الانثى على غير عادة مجتمعه, وانحاز الى ذكرى الشهيد في عمله المُقاوم, وكأنه يقول بالفم الملآن اذا كان ابو محمود اسمي الحركي فإن ابو حنين اسمي المعلن, شكرا سالي ابو علي مرتين, مرة لانك اضفت نكهة جميلة لحياة محمد, هكذا بدون القاب او كنية, ومرة لانك جعلته ينثال في الذاكرة لنعرفه اكثر.