الأنباط – ميناس بني ياسين
في لحظة مفصلية تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في مسار كرة القدم الأردنية أعاد سمو الحسين بن عبد الله الثاني توجيه البوصلة نحو القاعدة الأهم: الفئات العمرية؛ قرار إعادة إطلاق مراكز الأمير علي للواعدين لم يأتِ كخطوة إدارية عابرة، بل كإشارة واضحة على أن استدامة الإنجاز تبدأ من حيث تُصنع المواهب، لا حيث تُحصد الألقاب فقط.
في هذا السياق أكد المدرب عثمان الحسنات لـ "الأنباط" أن أكاديمية الأمير علي للواعدين شكّلت تاريخيًا حجر الأساس لتطور كرة القدم الأردنية، مشيرًا إلى أن دورها لم يكن مقتصرًا على التدريب، بل امتد ليشمل اكتشاف المواهب في المناطق النائية وتوسيع قاعدة اللاعبين على مستوى المملكة.
وبيّن أن الأكاديميات المنظمة ترفع من فرص اللاعبين في الوصول إلى مستويات احترافية، سواء من حيث عدد الساعات التدريبية أو جودة الإعداد الفني والذهني، وهو ما ينعكس مباشرة على المنتخبات الوطنية.
وأضاف الحسنات أن غياب هذا النوع من المشاريع خلال السنوات الماضية ساهم في إضعاف الفئات العمرية حيث وصل العديد من لاعبي المنتخب الأول دون المرور بتجارب كافية في المنتخبات السنية، ما انعكس على خبراتهم التراكمية.
وأوضح أن إعادة تفعيل الأكاديمية ستُسهم في "زيادة العمر التدريبي" للاعب الأردني، وتعزز ثقافة الاحتراف، وتخلق جيلًا يصل إلى المنتخب الأول بعقلية وخبرة مختلفتين، ما يدعم استمرارية الإنجازات بدل أن تبقى لحظات استثنائية.
القرار لاقى صدى واسعًا داخل غرفة ملابس "النشامى" حيث عبّر نجوم المنتخب عن دعمهم الواضح للخطوة مستذكرين بداياتهم من هذه المراكز، وأكد موسى التعمري أن تجربته في مراكز الواعدين كانت الأساس الحقيقي لمسيرته فيما أشار يزن النعيمات إلى أن هذه المراكز صنعت ما هم عليه اليوم.
بدوره شدد إحسان حداد على أن انطلاقته بدأت من هناك، معتبرًا أن عودتها فرصة ذهبية للأجيال القادمة، وهو ما أكده أيضًا كل من محمد أبو زريق ونور الروابدة وعودة الفاخوري، الذين أجمعوا على أن هذه الخطوة تعيد إحياء الحلم لجيل جديد.
من الناحية الفنية تُظهر التجارب العالمية أن أكثر من 70% من لاعبي المنتخبات الكبرى مرّوا عبر أنظمة أكاديميات منظمة منذ سن مبكرة، وهو ما يفسر الفجوة أحيانًا بين المواهب الخام واللاعبين الجاهزين للمنافسة الدولية.
وفي الأردن كانت مراكز الواعدين أحد أهم هذه المسارات إذ أسهمت سابقًا في رفد الأندية والمنتخبات بعشرات اللاعبين الذين شكّلوا العمود الفقري للمنتخب الوطني خلال العقد الأخير.
زيارة سمو ولي العهد إلى الاتحاد الأردني لكرة القدم وتأكيده على البناء فوق إنجاز التأهل إلى كأس العالم 2026، تعكس فهمًا عميقًا بأن هذا الإنجاز ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها الإشادة بجهود علي بن الحسين جاءت ضمن رؤية تكاملية تهدف إلى تطوير المنظومة بالكامل، من القاعدة إلى القمة، وبمعايير تدريبية حديثة تشمل جميع محافظات المملكة.
جماهير الكرة الأردنية بدورها التقطت الرسالة بسرعة؛ حالة من التفاؤل سادت الشارع الرياضي، حيث يرى المشجعون أن عودة مراكز الواعدين تعني توسيع قاعدة الاختيار، واكتشاف مواهب من خارج المدن الرئيسية، ما يعزز العدالة في الفرص ويرفع من مستوى التنافس.
أي أن القرار لا يتعلق بإعادة مراكز تدريب فقط بل بإعادة تعريف فلسفة كرة القدم الأردنية، والاستثمار في الأكاديميات هو استثمار في الزمن، في اللاعب قبل النجم، وفي المستقبل قبل الحاضرومع هذا التوجه، يبدو "النشامى" أمام فرصة حقيقية لتحويل الإنجازات الحالية إلى حالة مستدامة، لا مجرد لحظة عابرة في تاريخ الكرة الأردنية.