طلبة بلا تعليم وموظفون بلا رواتب… أزمة مركز تدريبي تتصاعد
الأنباط-آية شرف الدين
في قضية أثارت الجدل بشكل واسع في الشارع الأردني وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجد الطلبة والموظفين أنفسهم بشكل مفاجئ أمام واقع صادم بعد أغلاق مركز تدريبي خاص بشكل مفاجئ.
وبين روايات موظفين يتحدثون عن تأخر الرواتب وضغوط مالية، وأولياء أمور يؤكدون دفع مبالغ كبيرة مقابل خدمات لم تقدم، تتكشف تفاصيل قضية تتداخل فيها الأبعاد القانونية والمالية، وسط مطالبات بتسريع الإجراءات القضائية لضمان استعادة الحقوق ومحاسبة المسؤولين
كشف العديد من الموظفين والطلبة المتضررين في أحد المراكز التدريبية الخاصة عن سلسلة من التجاوزات والانتهاكات التي طالت حقوقهم المالية والقانونية، مؤكدين تعرضهم لما وصفوه بـ”الاستغلال والضغط” من قبل إدارة المركز.
وبحسب إفادة أحد الموظفين المتضررين واسمه مصعب أبو عبيدةقال في حديثه للأنباط من خلال برنامج وصل صوتك إن المركز الذي تأسس عام 2018 وبدأ كمعهد صغير، توسع لاحقا ليصبح من أبرز الجهات التدريبية التي أثارت جدلا واسعا على مستوى الشارع الأردني ومواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح أبو عبيدة أن التسجيل في الدورات كان يتطلب توقيع "عقود خدمات طلابية” تصل إلى 12 صفحة تتضمن بنودا وصفوها بـ الإذعان، من بينها فرض غرامات مالية تصل إلى 1000 دينار في حال مخالفة شروط التصوير، إضافة إلى شرط جزائي قد يصل إلى 90 ألف دينار في حال تدريس المحتوى دون إذن.
و كما أكد أنهم أجبروا على توقيع "سندات دين” بمبالغ متفاوتة، يصل إلى عشرين ألف دينار، كشرط للاستمرار في العمل أو الترقية، مشيرا إلى أن هذه السندات كانت تحرر باسم صاحب المركز شخصيا.
وأشار أبو عبيدة إلى أن الرواتب توقفت منذ شهر تشرين الثاني 2025، ما تسبب بأزمات مالية حادة للموظفين، خاصة أولئك المرتبطين بـ قروض والتزامات بنكية. وذكر أن أحدهم أنه لم يتقاض راتبه منذ خمسة أشهر رغم أن راتبه الشهري يبلغ 1200 دينار بعد خبرة خمس سنوات
وأضاف أن الإدارة كانت تطلب الموظفين الصبر بحجة "الضائقة المالية”، قبل أن تعقد اجتماعات وصفت بأنها تضمنت تهديدات مباشرة للموظفين بعدم اللجوء إلى وزارة العمل أو القضاء.
وأكد أبو عبيدة أن المركز أغلق أبوابه بشكل مفاجئ على الرغم الإعلان عن استمرار العمل بنظام التعليم الإلكتروني في حين تم فصل جميع وسائل التواصل مع الطلبة، بما في ذلك خطوط الهواتف ومنصات التعليم.
كما أشار إلى أن الطلبة فوجئوا بتوقف الدورات رغم دفع رسوم وصلت إلى 1200 دينار للدورة الواحدة، والتي تم تخفيضها لاحقا إلى 650 دينارا قبيل الإغلاق.
وكشف أبو عبيدة أن إيرادات المركز وصلت في أحد الأشهر إلى نحو 650 ألف دينار، ما أثار تساؤلات حول مصير هذه الأموال، خاصة مع استمرار شكاوى عدم صرف الرواتب.
وفي هذا السياق، اعتبر مختصون قانونيون أن الوقائع المطروحة قد تندرج ضمن شبهات "النصب والاحتيال”، لا سيما في ظل استمرار تسجيل طلبة جدد قبيل الإغلاق.
وأشار أبو عبيدة إلى أنه تقدم مع زملائه المتضررين بشكاوى رسمية، حيث تم تحويل القضية إلى المدعي العام، فتح تحقيق تحت بند "الاتجار بالبشر”، مع الاستماع إلى إفادات عدد من الموظفين.
كما تم فرض منع سفر على أحد الإداريين المرتبطين بإدارة المركز، في إطار التحقيقات الجارية.
وطالب أبو عبيدة وزملائه المتضررين الجهات الرسمية، بما فيها وزارة العمل ووزارة التربية والتعليم بفتح تحقيق شامل ومحاسبة المسؤولين، مؤكدين ضرورة تشديد الرقابة على المراكز التعليمية الخاصة.
كما وجه رسالة إلى الطلبة وأولياء الأمور، مؤكدين أن الكادر التعليمي كان بدوره ضحية وليس شريكا في ما جرى.
وفي السياق أكدت موظفة سابقة في أحد المراكز التدريبية المثيرة للجدل، أنها تعيش "حالة صدمة” بعد تطورات القضية، مشددة على أن الكادر التعليمي كان من أكثر الأطراف تضررا وليس شريكا فيما جرى.
وأوضحت الدكتورة ورود صعصاع أحد المعلمين المتضررين أنها عملت في المركز منذ شهر آذار وحتى تاريخ 16 كانون الثاني، مشيرة إلى أنها كانت على تواصل قريب مع مختلف فرق العمل داخل المؤسسة، ما أتاح لها الاطلاع على تفاصيل الواقع الداخلي.
وشددت صعصاع على ضرورة توضيح صورة الكادر التعليمي للرأي العام، قائلة إن "الأستاذ هو الطرف الأكثر تضررا إذ تعرض للخداع لسنوات، بينما الطالب قد يكون خسر مبالغ مالية لكن الموظف خسر جهده ووقته وحقوقه”.
وأضافت أن تحرك الأساتذة وتقديمهم شكاوى إلى الجهات الرسمية، مثل وزارة العمل ووحدة مكافحة الاتجار بالبشر كان السبب الرئيسي في كشف القضية، معتبرة أن هذه الخطوة ساهمت في تنبيه الطلبة إلى حجم المشكلة.
وبيّنت صعصاع أن إدارة المركز كانت تروج لامتلاكها نفوذا واسعا، وتدعي أن الشكاوى لن تؤدي إلى نتائج الأمر الذي خلق حالة من التردد والخوف لدى بعض الموظفين في البداية، قبل أن تتضح الصورة لاحقا.
وأشارت صعصاع إلى أن الرواتب في المركز كانت تعد مرتفعة مقارنة بالسوق المحلي، حيث تجاوزت في بعض الحالات 1000 دينار، إلا أنها لم تكن تدفع بانتظام، بل كانت تصرف على فترات متباعدة، أحيانا كل عدة أشهر.
ووصفت هذه السياسة بأنها "أسلوب تخدير”، هدفه إبقاء الموظفين في حالة رضا مؤقت، رغم عدم التزام الإدارة بالدفع الشهري المستحق.
ولفتت صعصاع إلى وجود مؤشرات واضحة على خلل في الإدارة المالية من بينها التوسع في الحملات التسويقية عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتعاون مع مؤثرين بتكاليف مرتفعة في وقت كان الموظفون يعانون من تأخر الرواتب.
كما أشارت إلى مظاهر إنفاق مرتفعة مثل استئجار مركبات فارهة بشكل يومي، بتكلفة تصل إلى 150–200 دينار، ما أثار تساؤلات داخلية حول أولويات الإنفاق.
ووجهت صعصاع رسالة إلى المواطنين دعتهم فيها إلى عدم الاعتماد على الإعلانات أو الترويج عبر المؤثرين عند اتخاذ قرار التسجيل في أي جهة تعليمية، مؤكدة أن بعض هذه الحملات تكون مدفوعة الأجر ولا تعكس بالضرورة جودة الخدمة.
وأضافت أن "المسؤولية لا تقع فقط على الجهات المعلنة بل أيضا على الجمهور الذي يمنح الثقة بناء على الشهرة”.
وختمت صعصاع بالتأكيد على أن القانون الأردني يكفل الحقوق للجميع، مشددة على أن "لا أحد فوق القانون”، وأن أي ادعاءات بوجود نفوذ أو حماية لن تمنع محاسبة المسؤولين في حال ثبوت المخالفات.
ومن جهة أخرى عبرت ولية أمر أحد الطلبة المتضررين خلود سلمان ( ام اسامة) من إغلاق مركز تدريبي خاص عن صدمتها بعد توقف الخدمات بشكل مفاجئ، مؤكدة أنها دفعت مبلغ 1100 دينار لتسجيل ابنها في دورة تدريبية، دون أن تتلقى أي توضيحات لاحقة.
وقالت إن عملية التسجيل تمت بشكل رسمي، حيث حصلت على وصل دفع، إضافة إلى توقيع عقد مكوّن من عدة صفحات ما عزز ثقتها بالمركز قبل انكشاف الأزمة.
وأوضحت أم أسامة أنها حاولت التواصل مع إدارة المركز وكافة الفروع بعد انتشار الأخبار حول الإغلاق، إلا أن جميع أرقام الهواتف كانت مغلقة دون وجود أي جهة ترد على استفسارات الأهالي أو توضح مصير الدورات.
وأضافت أم أسامة أن هناك عائلات أخرى تضررت أيضا، حيث دفعت مبالغ مماثلة في ظل اعتمادهم على السمعة التي اكتسبها المركز سابقا مدفوعة بحملات الترويج والإعلانات.
وأشارت إلى أن الأهالي يواجهون حالة من الإرباك في ظل غياب جهة واضحة يمكن اللجوء إليها، متسائلة عمن يتحمل المسؤولية القانونية: هل هو الموظف الذي أتم عملية التسجيل أم إدارة المركز، أم مالكه.
وأكدت أم أسامة أن المبلغ المدفوع يشكل عبئاً كبيراً على الأسر، خاصة أن بعض العائلات قامت بتسجيل أكثر من طالب، ما ضاعف حجم الخسائر.
وفي ختام حديثها، دعت إلى ضرورة تحريك القضية قضائيا بشكل عاجل، لضمان استعادة الحقوق، مشددة على أن ما حدث يمثل خسارة كبيرة للأهالي الذين وثقوا بالمركز وسعوا لتأمين مستقبل أبنائهم.
وكشف عمار دوحل (أداري) من الموظفين المتضررين من إغلاق مركز تدريبي خاص أن أسماء العاملين ما تزال مسجلة في مؤسسة الضمان الاجتماعي رغم توقف عمل المنشأة، ما يعيق قدرتهم على الالتحاق بوظائف جديدة.
وأكد أن الموظفين تعرضوا لتهديدات من طلبة وأهالي يعتقدون أنهم مسؤولون عن الخسائر، مشددا على أن الكادر كان ضحية وليس شريكا.
وأشار دوحل إلى أن المركز حقق إيرادات مرتفعة تجاوزت مليون دينار خلال ثلاثة أشهر، فيما لم تصرف الرواتب لعدة أشهر.
وكما لفت دوحل إلى تضارب في تصريحات الإدارة حول وضع الشركة، مطالبا بتدخل الجهات المختصة لمعالجة أوضاع الموظفين وضمان استعادة حقوقهم.
طرح عيسى الدعجة في حديثه للأنباط من خلال برنامج وصل صوتك أحد الطلبة المتضررين من أزمة مركز تدريبي خاص مبادرة لإيجاد حل عملي للأزمة، تقوم على استكمال العملية التعليمية للطلبة دون تحميلهم أعباء مالية إضافية.
وأوضح الدعجة أن طريقة التدريس التي كان يعتمدها المركز أثبتت نجاحها في البداية وحققت نتائج إيجابية، قبل أن تتراجع الأوضاع نتيجة
تدخلات إدارية، مؤكداً أن المشكلة الحالية لا تتعلق بجودة التعليم بقدر ما ترتبط بالإدارة.
واقترح أن تتبنى جهات داعمة مثل رجال الأعمال أو مؤسسات تعليمية إعادة تدريس الطلبة المتضررين مجانا مع توفير رواتب للمدرسين، مشيرا إلى وجود استعداد من بعض الأكاديميات لاستيعاب الطلبة.
وبين الدعجة أن هناك تجمعات لطلبة متضررين تضم مئات المشتركين ما يعكس حجم الأزمة ويعزز إمكانية تطبيق المبادرة بشكل جماعي.
وأشار إلى أن التأثير لم يقتصر على الجانب المادي بل امتد إلى الحالة النفسية للطلبة، خاصة صغار السن نتيجة فقدان الثقة والإحباط بعد توقف الدراسة بشكل مفاجئ.
وأكد الدعجة أن القضية ما تزال منظورة أمام القضاء في ظل غياب صاحب المنشأة، ما يزيد من أهمية البحث عن حلول موازية تضمن استمرار تعليم الطلبة المتضررين.
ومن جهة أخرى أكد الناطق الرسمي باسم وزارة العمل محمد الزيود أن الوزارة تابعت ملف المركز التدريبي المغلق منذ نيسان 2025 بعد تلقي عشرات الشكاوى العمالية، مشيرا إلى أنه تم تحرير مخالفات متعددة بحق المنشأة نتيجة عدم التزامها بدفع الأجور.
وأوضح الزيود أن عدد الشكاوى تجاوز 20 إلى 30 شكوى، لافتا إلى أن الوزارة تعاملت معها وفق القانون، حيث تم في بعض الحالات إلزام المنشأة بدفع المستحقات، إلا أنها عادت لاحقا لعدم الالتزام.
وبين الزيود أن دور الوزارة يقتصر على ضبط المخالفات وتحويلها إلى القضاء، مؤكدا أن العاملين الذين لم يحصلوا على حقوقهم يمكنهم اللجوء إلى المحاكم المختصة لاسترداد مستحقاتهم.
كما أشار الزيود إلى رصد مخالفات تتعلق بإجبار الموظفين على توقيع سندات أمانة وكمبيالات، واصفا ذلك بأنه إجراء مخالف للقانون.
وأضاف أن بعض الوقائع تم تحويلها إلى الجهات المختصة، بما في ذلك وحدة مكافحة الاتجار بالبشر نظرا لوجود شبهات تتعلق بالعمل الجبري، فيما لا تزال التحقيقات جارية لدى المدعي العام.
ودعا الزيود العاملين إلى التوجه إما إلى "سلطة الأجور” في حال استمرار علاقتهم التعاقدية، أو إلى محكمة الصلح في حال انتهاء عملهم، مؤكدة أن القضايا العمالية تنظر بشكل سريع ودون رسوم في بعض الحالات.
وفي السياق أكد المحامي والخبير القانوني د. صخر الخصاونة أن قضية المركز التدريبي المغلق تعد نزاعا حقوقيا وعماليا يتطلب اللجوء إلى القضاء لاسترداد الحقوق سواء للموظفين أو الطلبة.
وأوضح الخصاونة أن العاملين الذين ما زالوا على رأس عملهم يمكنهم التوجه إلى "سلطة الأجور” للمطالبة برواتبهم، فيما يحق لمن انتهت علاقتهم التعاقدية رفع دعاوى لدى محكمة الصلح المختصة.
وأشار الخصاونة إلى أن الطلبة وأولياء الأمور يملكون حق التوجه إلى القضاء للمطالبة بفسخ العقود واسترداد المبالغ المدفوعة، نتيجة عدم التزام الجهة المقدمة للخدمة بتنفيذ تعهداتها.
وبين أن السندات والكمبيالات التي وقعت من قبل بعض الموظفين يمكن الطعن بها قضائيا، خاصة إذا ثبت أنها وقعت تحت الإكراه، ما يستدعي تقديم دعاوى لوقف العمل بها.
وشدد الخصاونة على أهمية الإسراع في رفع القضايا لضمان حفظ الحقوق وإمكانية الحجز على أموال المنشأة إن وجدت، مؤكدا أن التأخير قد يضعف فرص استرداد المستحقات.
كما أوضح الخصاونة أن القضايا ترفع بشكل فردي نظرا لاختلاف طبيعة المطالبات بين المتضررين، سواء من حيث قيمة الأجور أو المبالغ المدفوعة.