البث المباشر
إيران: القوات الأميركية تحاول قتل طيارها بعد فقدان أمل العثور عليه هل يحمي لقاح الإنفلونزا من ألزهايمر؟ سرّ بسيط لصحة القلب.. أطعمة تخفض الكوليسترول خلال أسابيع تركيا تفرض إثبات "البطاقة الشخصية" لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي جهاز استشعار روسي يقيس مستوى التوتر عبر الجلد ربيع بلادي يغري بالرحلات !! إيران ترفض الإنذار الجديد لترامب وتتوعد: "أبواب الجحيم ستُفتح لكم" ترامب: أمام إيران 48 ساعة للتوصل إلى اتفاق وإلا ستتعرض لهجمات الأرصاد : طقس بارد نسبيا مع فرصة لزخات مطر خلال الايام القادمة. نقابة الصحفيين تكرم من أمضى 25 عاما والفائزين بجائزة الحسين للإبداع الصحفي 2024 "جلالةُ الملك ..السياسةٌ الـفذّة " المومني لـ"الأنباط" لا نية للتحول إلى التعليم عن بُعد خلال هذه المرحلة إنجاز أردني جديد بالريادة و البحث العملي و العلمي في الجراحات التجميلية و الترميمية و جراحة الفم و الوجه و العنق حسين الجغبير يكتب : الأردن يتفوق بازماته دوماً مسؤول: "إسرائيل " تستعد لمهاجمة منشآت طاقة إيرانية وتنتظر الضوء الأخضر من الولايات المتحدة نهاية الرفاه…وبداية عصر القلق الاستراتيجي معالي وزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى المومني: الأردن بقيادة الملك مواقفه ثابتة في حماية استقراره وعدم الانخراط في الصراعات وفاة طفل وإصابة شقيقته بحادث غرق إذهبوا إلى الحبشة فإن فيها منطقة حرة لا يظلم فيها أحد!!

نهاية الرفاه…وبداية عصر القلق الاستراتيجي

نهاية الرفاه…وبداية عصر القلق الاستراتيجي
الأنباط -

البرفسور عبدالله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

لم يكن القرن الحادي والعشرون، في وعي شريحة واسعة من الاقتصاديين وصنّاع القرار، سوى امتداد مريح لعالمٍ ظنّ أنه تجاوز تناقضاته الكبرى. فقد ارتفعت التجارة العالمية من نحو 39% من الناتج العالمي عام 1990 إلى 62% قبيل عام 2020، و 56.5% لعام 2024 (بيانات البنك الدولي)، وتمددت سلاسل الإمداد عبر القارات، وانخفضت تكاليف الإنتاج والنقل، حتى بدا وكأن الأزمات تُدار عبر الأسواق، والصراعات تُحتوى عبر تشابك المصالح، بينما تتكفّل التكنولوجيا بإعادة إنتاج الاستقرار.

كان ذلك كان أقرب إلى وهمٍ منظم، أو هدنة تاريخية، انسجمت مع أطروحة فوكوياما حول "نهاية التاريخ"، حيث تتراجع الحروب وتتراكم الرفاهية بوصفها مسارًا شبه حتمي.

غير أن هذه الطمأنينة لم تكن سوى استراحة قصيرة في مسار تاريخي أكثر قلقًا. ففي أقل من عقد، عاد التاريخ ليُذكّر العالم بطبيعته القلقة، الحروب في قلب أوروبا، والشرق الأوسط انفجر على أكثر من جبهة، وتحولت الممرات البحرية من شرايين ازدهار إلى نقاط اختناق جيوسياسي. تعطّل ما يقارب 12% من التجارة العالمية عبر باب المندب في لحظات التوتر، وارتفعت أسعار الطاقة، ولم تعد سلعة فقط، بل أداة نفوذ وصراع، ولم تعد الممرات البحرية طرقًا للتجارة فقط، بل مفاتيح للنفوذ العالمي. هنا يتجسد تحذير كيسنجر "لنظام الدولي لا يُدار بالأماني، بل بتوازنات القوة، وأن كل استقرار يحمل في داخله بذور اضطرابه".

تدريجيًا، اتضح أن ما يجري ليس أزمات متفرقة، بل تحوّل بنيوي عميق. فقد بلغ التضخم مستويات قاربت 9% في بعض الاقتصادات، وتجاوز الدين العالمي 300 تريليون دولار، فيما بقي أكثر من 80% من التجارة الدولية رهين النقل البحري.

بهذا المعنى، لم تعد الجغرافيا خلفية محايدة، بل عادت إلى مركز القوة الحاكمة؛ فالمضائق البحرية، الشرايين الاكثر حساسية، نحو 20% من تجارة النفط تمر عبر هرمز، وأكثر من 10% من التجارة العالمية عبر باب المندب. أي اضطراب هنا لا يبقى محليًا، بل يتحول إلى موجة تضخم عالمية. إنها عودة لنظرية ماكيندر بصيغة معاصرة "العالم يُدار عبر نقاط الاختناق الاستراتيجية لا عبر المساحات الواسعة". ولحظة تلتقي فيها السياسة بالاقتصاد، والأمن بالجغرافيا، في انسجام تام مع مقولة كلاوزفيتز "الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى".

لقد بُني الاقتصاد العالمي منذ التسعينيات على معادلة بدت مثالية، إنتاج منخفض الكلفة، ونقل آمن، وطاقة وفيرة باسعار مقبولة، وسلاسل إمداد مترابطة. هذه المعادلة لم تُنتج فقط الرفاه، بل أسست لصعود طبقات وسطى عالمية. حيث بدا وكأن العولمة قد نجحت في ترويض الاقتصاد والسياسة معًا. لكن ما بدأ صلبًا، كان في جوهره هشًا أمام صدمات القوة. ومع تصاعد التنافس الدولي، تحولت التجارة من أداة تكامل إلى أداة صراع، تُستخدم فيها العقوبات وإعادة التموضع الصناعي لإعادة رسم النفوذ.

ثم جاءت جائحة كورونا، لتكشف هشاشة هذا البناء. فقد انخفضت التجارة العالمية بنحو 9% في عام واحد، وظهر الاعتماد المفرط على موردين محددين، حيث اعتمدت بعض الدول على مصدر واحد، يفوق 70% من مدخلاتها الأساسية.

هنا تغيّر السؤال، ولم يعد عن الكفاءة، بل عن الصمود. فاندفعت الدول نحو إعادة توطين الاستثمارات، مدعومة بحزم تجاوزت في تكلفتها العالمية 500 مليار دولار.

وهكذا، لم تختفِ العولمة، بل أعادت تعريف نفسها. نحن في مرحلة الانتقال من "العولمة الرخيصة" إلى "الأمن المكلف"، حيث تتداخل الحسابات الاقتصادية مع الاعتبارات الاستراتيجية. السوق لم يعد ضامنًا للاستقرار، بل اصبح مصدرًا للهشاشة، كما حذّر ستيغليتز، إذا تُرك بلا ضبط سياسي واستراتيجي، وهو كذلك.

بالتوازي، يشهد العالم موجة عسكرة غير مسبوقة، فقد اقترب الإنفاق العسكري العالمي من 2.7 تريليون دولار لعام 2024 (بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام)، في حين تتراجع الأولويات التنموية نسبيًا. ليست المفارقة في الأرقام فقط، بل في الاتجاه، حيث تسارع الإنفاق الأمني يقابله تباطؤ الاستثمار في التنمية.

وهنا يحدث التحول من اقتصاد الوفرة إلى اقتصاد القلق، حيث يتداخل الأمني بالاقتصادي، ويتقاطع صراع الموارد مع صراع الهوية، كما أشار هنتنغتون.

وفي قلب هذا التحول، يبرز الشرق الأوسط لا كمتلقٍ للأحداث، بل كفاعل رئيسي. فالمنطقة التي تنتج أكثر من ثلث النفط العالمي وتتحكم بممراته الحيوية، أصبحت ساحة لإعادة تشكيل التوازنات. ومع تصاعد المواجهات الإقليمية، التي تقترب من لحظة قد تمثل أكبر زلزال جيوسياسي منذ قرن، تتقاطع فيها صراعات متعددة الطبقات، الجغرافيا والطاقة وموازين القوة وغيرها.

ضمن هذا المشهد، تمثل إيران عقدة استراتيجية معقدة، دولة منهكة داخليًا، لكنها قادرة على التأثير خارجيًا عبر أدوات تقليدية، وغير تقليدية (التأثير السيبراني، النفوذ السياسي، وإدارة التوترات من خلف الستار). دولة، لم تسقطها الضغوط والضربات، لكنها لم تنتصر أيضًا، تقف بين الضعف والقدرة، وبين الانهاك والذكاء الاستراتيجي. دولة قادرة على تعطيل الاستقرار حتى وهي في أضعف حالاتها. ما يجعل مستقبل المنطقة مرتبطًا بقدرتها على إدارة توازنها الهش.

في المقابل، تواجه دول الخليج معادلة دقيقة، ثروة كبيرة في بيئة جيوسياسية مضطربة، ما يفرض ربط الأمن الاقتصادي بالقدرة الدفاعية والتنويع الإنتاجي. هنا تصبح الطاقة أداة قوة بامتياز، كما يؤكد دانييل يرغين. في هذا الإطار، يتجلى ما يمكن تسميته "الضريبة الجيوسياسية"، حيث ترتفع الكلفة لا بسبب ندرة الموارد، بل بسبب وفرة المخاطر (كل برميل نفط وكل قدم مكعب غاز سيكون سبباً في رسم مستقبل المنطقة). لكن التحدي امامها، كيف يمكن تحقيق توازن بين الأمن والاستقرار والتحول التنموي؟

السؤال الجوهري تغير، من "كيف نزيد الرفاه؟" إلى "كيف نحافظ على التماسك، في زمن تتآكل فيه أسسه؟".

وتبلغ هذه المعادلة ذروتها في الحالة الأردنية. فالأردن، المعتمد على استيراد أكثر من 90% من الطاقة، ودين يتجاوز 110% من الناتج، ونمو اقتصادي لا يتجاوز 2.5%، وبطالة مرتفعة، كلها تشكل ضغوط مركّبة تجمع بين العوامل الداخلية والصدمات الخارجية.

لم يكن الخروج من الرفاهية النسبية في الاردن، لحظة مفاجئة، بل مسارًا تراكميًا ارتبط بسياسات اقتصادية غير مكتملة، أبرزها خصخصة جرت بصورة شبه منفلتة، ودون ضوابط اجتماعية ومؤسسية صارمة. وكاننا عندها، لم نقراء تحذير بولاني "السوق إذا تُرك بلا ضوابط اجتماعية، يتحول إلى قوة تُقوّض الاستقرار بدل أن تخدمه".

لم تؤدِّ الخصخصة إلى فقدان ملكية الأصول فقط، ولا الى تعظيم الكفاءة، بل فتحت الباب، لاستبدالها احياناً بأنصاف الكفاءات، التي تسللت إلى مفاصل الإدارة بقصد او غير قصد، وأصبحت الإدارة في بعض المواقع رهينة الحد الأدنى للاداء، بدل السعي نحو التميز. فدخل الاردن في اقتصاد الحد الأدنى من الانتاج.

وفي هذا السياق، برزت اختلالات في بنية الإدارة، تمثلت في صعود أنماط تميل إلى التسكين، وتأجيل القرارات بدل الإصلاح وحسمها. وهو ما يتقاطع مع تحذير مكيافيللي من أن تأجيل الإصلاح يضاعف كلفته. كما يعكس ما أشار إليه فيبر من خطر تحوّل البيروقراطية إلى منظومة تعيق التغيير بدل أن تقوده.

وفي موازاة ذلك، تشكّلت حالة من "اقتصاد الوعد"، وعود باستثمارات كبرى ومشاريع عملاقة، في خطابات متكررة، كانت أقرب إلى ما وصفه جون ماينارد كينز "بالتفاؤل غير العقلاني"، التي قد تحفّز الأمل لكنها لا تبني اقتصادًا مستدامًا، إن لم تستند إلى قواعد إنتاجية حقيقية.

الأخطر أن التحدي لم يعد اقتصاديًا فقط، بل امتد إلى صعود أنماط ادارية وقيادية تميل إلى تغليب الاستقرار الشكلي على التغيير الحقيقي، وأسست لأنماط إدارة تحتاج إلى تفكيك وتحليل عميق (وهو ما سنفصّله في مقالات لاحقة)، لأن فهم هذه التحولات ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا لازمًا لاستعادة التوازن وبناء مرحلة جديدة أكثر صلابة وواقعية.

هنا، تتجلى المفارقة الحادة، بين رؤية إصلاحية ملكية، تدفع نحو التحديث والكفاءة، وبين ممارسات تنفيذية تميل إلى الحذر المفرط.

في الخلفية، تراكم الضغوط، وارتفاع الديون، وتآكل الطبقة الوسطى (التي اعتبرها أرسطو "ركيزة الاستقرار")، وارتفاع البطالة، كلها زادت من الإحساس بحالة عدم اليقين. وهنا يعود السؤال السياسي الأكثر صعوبة، كيف تُدار الندرة؟ ويصبح كل قرار اختيارًا بين خسارتين. كما قال كينز "المشكلة ليست في تبني أفكار جديدة، بل في التخلي عن القديمة.

غير أن التحدي لا يقف عند الاقتصاد. فاستضافة اللاجئين، وتراجع القدرة المالية للدولة على توسيع الإنفاق الاجتماعي، كلها عوامل تضاعف الضغط.

في المحصلة، ما يجري ليس مجرد ضيق اقتصادي فقط، بل تحوّل في بنية مؤسسات الدولة ووظائفها. وإذا لم يُكسر هذا المسار بادوات إصلاحية حقيقية، فقد نصل في مرحلة ما يسمى بنموذج الاستقرار الهش.

ومع ذلك، لا يخلو المشهد من فرص. فالأردن، لديه قيادة حكيمة تستشرف التحولات الدولية، وقدرة عالية على التوازن بينها، ويمتلك موقعًا استراتيجيًا، وإمكانات في الطاقة المتجددة، وفرصًا في الاقتصاد المعرفي. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب قرارًا حاسمًا، لا إدارة للأزمة. هنا تتجلى مقولة دراكر "أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي صناعته".

إذا كان الإقليم مفتوحًا على سيناريوهات متداخلة، توازن هش، او فوضى ممتدة، او إعادة تشكيل جذرية، او هيمنة قسرية، أو تحول نحو مركز عالمي للطاقة والتجارة. الا ان القاسم المشترك بينها هو اتساع اللايقين. في هذا الإطار، يقف الأردن أمام ثلاثة مسارات، تكيّف محدود، او تحول طموح، أو استمرار الضغوط دون إصلاح كافٍ. والفارق بين هذه المسارات لا تصنعه الظروف، بل القرارات.

في النهاية، نحن أمام عالم لا ينهار، بل يعيد تشكيل نفسه على أسس أكثر قسوة في ظل ديون مرتفعة، وتضخم، وعسكرة، وهشاشة تجارية، وانتقال من الوفرة إلى الندرة، ومن السوق إلى القوة، ومن الاستقرار إلى القلق. ولذلك، لم يعد السؤال هل ودع العالم الرفاة؟، بل كيف نخفف حدة القلق الاستراتيجي وحالة عدم اليقين؟.

لقد انتهى زمن الوهم، واليوم، لا ينجو الأقوى فقط، بل الأذكى والأجرأ في اتخاذ القرار. وكما قال ونستون تشرشل "الشجاعة للاستمرار هي ما يهم".

والسؤال الحاسم لم يعد، إلى أين يتجه العالم؟ بل من يملك القدرة على قراءته، ومن يملك الجرأة ليعيد تموضعه قبل أن يُعاد رسمه، وهنا تكمن فرصة الاردن بقيادته الحكيمة.

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير