الأنباط -
د. أيوب أبودية
يشكّل "صفر نفايات” اليوم أحد أهم المفاهيم البيئية التي انتقلت من كونها فكرة مثالية إلى مشروع عالمي تتبناه الدول والمؤسسات والمجتمعات المحلية. ومع اعتماد الأمم المتحدة لليوم العالمي لصفر نفايات، أصبح هذا التوجّه إطارًا جامعًا لتقليل الهدر، وحماية الموارد الطبيعية، وبناء اقتصاد دائري أخضر يوازن بين التنمية والبيئة.
يقوم مشروع "صفر نفايات” على مجموعة أهداف واضحة، أبرزها تقليل إنتاج النفايات من المصدر، وتشجيع إعادة الاستخدام والتدوير بدل الطمر أو الحرق، إضافة إلى رفع الوعي المجتمعي حول الاستهلاك المسؤول. كما يسعى إلى تحويل النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، عبر استرجاع المواد القابلة للتدوير واستخدامها في الصناعة من جديد.
ولا يقتصر المشروع على الأفراد، بل يمتد إلى المدن والصناعات، حيث يُعاد تصميم المنتجات الاستهلاكية ومواد البناء وسلاسل الإنتاج لتقليل الفاقد إلى أدنى حد ممكن.
من أبرز التجارب من جيراننا في هذا المجال تجربة تركيا، التي أطلقت مشروعها الوطني "صفر نفايات” قبل سنوات، ونجحت في رفع نسبة معالجة النفايات إلى نحو 30%، مع خطة طموحة للوصول إلى 65% بحلول عام 2035. وقد صرّح الرئيس أردوغان بأن بلاده حققت فوائد اقتصادية كبيرة من هذا المشروع، إذ تحوّلت النفايات إلى مصدر دخل وفرص عمل، وأسهمت في تقليل استيراد المواد الخام.
وفي ألمانيا، تُعد تجربة إدارة النفايات من الأكثر تقدماً، حيث تصل معدلات إعادة التدوير إلى مستويات مرتفعة عالميًا بفضل نظام الفرز المنزلي الصارم والتشريعات البيئية المتقدمة. أما السويد، فقد نجحت في تحويل معظم نفاياتها إلى طاقة، حتى أصبحت تستورد النفايات من دول أخرى لتشغيل محطاتها. وفي اليابان، يُعد الفرز الدقيق للنفايات جزءًا من الثقافة اليومية، حيث تُقسّم النفايات إلى فئات متعددة، مما يسهل إعادة تدويرها بكفاءة عالية.
كما برزت مدن مثل سان فرانسيسكو كنموذج حضري رائد، حيث اقتربت من تحقيق هدف "صفر نفايات” عبر سياسات صارمة للفرز وإعادة التدوير ومنع استخدام بعض المواد أحادية الاستعمال.
إن مشروع "صفر نفايات” ليس مجرد خيار بيئي، بل هو تحول حضاري واقتصادي يعيد تعريف علاقتنا بالموارد. فكل قطعة يتم إعادة استخدامها، وكل مادة يتم تدويرها، تعني طاقة محفوظة، وانبعاثات أقل، وكوكبًا أكثر استدامة للأجيال القادمة.
وفي الختام، فإن اليوم العالمي لمشروع صفر نفايات ليس مناسبة رمزية فحسب، بل دعوة مفتوحة لكل فرد ومؤسسة ودولة للمشاركة في هذا التحول. فالمستقبل الذي نريده يبدأ من قراراتنا اليومية الصغيرة، ومن إيماننا بأن الأرض أمانة يجب الحفاظ عليها.