البث المباشر
الدفاع المدني يخمد حريقاً شب داخل مصنع إطارات في المفرق أجواء معتدلة اليوم ودافئة غدًا مدير أعمال هاني شاكر يخرج عن صمته أطعمة مفيدة وأخرى ضارة للأسنان دراسة: تناول الإفطار يساعد في اكتساب المرونة النفسية علماء : الخضار والفواكه الملوثة بالمبيدات اخطر من السجائر حفلة “سلطان الطرب” في عمّان… ترفٌ فاخر يصطدم بواقع اقتصادي مُرهِق بين "نشوة" الأزمات الخارجية و"عزلة" المطبخ الداخلي ..قراءة في خريف العلاقة بين حكومة حسّان والشركاء السياسيين باريس سان جيرمان يحقق انتصارا صعبا على بايرن ميونيخ الخدمات الطبية: الخميس المقبل عطلة بجميع المستشفيات والمراكز الطبية حظر بيع واستهلاك مشروبات الطاقة لمن هم دون 18 عامًا رئيس سلطة إقليم البتراء : تل الزنطور شاهد حي على عظمة الحضارة النبطية بيت العمال: لا تحسن ملموس في البطالة، وتحديات مستمرة في الحمايات والحقوق انطلاق الحملة التوعوية الشاملة لبرنامج BTEC لفرق عمل شباب كلنا الأردن في محافظة معان الأشغال العامة تبدأ أعمال تأهيل الطريق الملوكي في مادبا وتحدد مسارات بديلة لحركة السير انخفاض مديونية الشركة بنسبة 10% وتسوية أرصدة وذمم مالية وزير الخارجية ونظيره المصري يؤكدان أهمية تفعيل الدبلوماسية لإنهاء التصعيد وزير الأشغال يتفقد مشاريع صيانة طرق في إقليمي الوسط والشمال آفاق للطاقة تُوصي بتوزيع 18 % من الأرباح على المساهمين و تعرض الخطط المستقبلية لها. الإمارات تعلن الخروج من “أوبك” و”أوبك+”

المجازر المنسيّة بحق السريان

المجازر المنسيّة بحق السريان
الأنباط -
د. أيوب أبودية

شهد مطلع القرن العشرين واحدة من أوسع موجات العنف الجماعي في تاريخ المشرق، تمثّلت في المجازر التي تعرّض لها السريان (الآشوريون والكلدان والسريان الأرثوذكس) في مناطق طور عبدين، ديار بكر، هكاري، وأعالي الجزيرة الفراتية، وذلك بالتوازي مع الإبادة الأرمنية، وتحت الإطار العام لانهيار الدولة العثمانية. وتشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن عدد القتلى من السريان تراوح بين 250 ألفًا و500 ألف إنسان خلال الأعوام 1914–1918، فيما تعرّض مئات الآلاف للتهجير القسري وفقدان الممتلكات. ويشكك الدكتور سربست نبي بهذه الأرقام ويعدها مبالغ فيها، وحتى لو كان الأمر كذلك فما زالت الأرقام تعكس ارواحا بشرية لا يمكن تجاهلها مهما صغرت. 

لم تكن هذه المجازر عفوية، بل جرت في سياق سياسي– أمني واضح ومنظم، حيث استخدمت السلطة العثمانية جماعات محلية مسلّحة، من بينها عشائر كردية، كأدوات تنفيذ، مقابل وعود بالحماية أو الغنائم أو توسيع النفوذ. فجرى تصوير السريان، وهم جماعات مسيحية قديمة الجذور، بوصفهم "خطرا داخليا” أو "طابورا خامسا”، في مناخ تعبئة دينية وقومية حاد. هكذا جرى نزع إنسانيتهم وتحويلهم إلى هدف مشروع للتصفية. وهنا أيضا يذكرنا د. سربست أن بعض العشائر الكردية قامت بحماية السريان كما حمى عبد القادر الجزائري المسيحيين في دمشق خلال مجازر ١٨٦٠ المشؤومة.

أما الناجون، فقد سلكوا طرق لجوء قاسية. اتجه عشرات الآلاف إلى بلاد الشام، ولا سيما سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين، واستقروا في مدن مثل حلب ودمشق والحسكة وبيروت والسلط في الاردن، حيث اندمج كثيرون منهم في المجتمعات المحلية عبر العمل والتجارة والزواج، وأسهموا في الحياة الثقافية والاقتصادية. آخرون واصلوا الهجرة إلى العراق، ثم لاحقًا إلى أوروبا والأمريكيتين، لتنشأ واحدة من أقدم الجاليات المشرقية في الشتات.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: لماذا لم يُحاسَب الجناة؟

 الجواب يكمن في تلاقي عدة عوامل؛ انهيار الدولة العثمانية دون محاكمات شاملة، نشوء دول قومية جديدة فضّلت طيّ الماضي بدل فتحه، وغياب كيان سياسي سرياني قادر على فرض قضيته دوليا. فالعدالة الانتقائية سمحت بالاعتراف ببعض الجرائم وتجاهل أخرى، فبقيت مجازر السريان وغيرها، مثل مذابح المسلمين في البوسنة والهرسك، خارج السردية العالمية.

إن خطورة هذا الغياب لا تكمن في الماضي وحده، بل في الحاضر. فالإفلات من العقاب يخلق سابقة، ويُغري بتكرار الجرائم. فما نشهده اليوم في غزة من قتل واسع للمدنيين، وتدمير ممنهج لكل شيء، وتجريد جماعي فاضح من الحقوق، يعيد طرح السؤال ذاته: هل سيتكرّر الصمت؟ 

إن ممارسة العدالة لا تكون ذات نتيجة إلا إذا كانت شاملة، فلا تُجزّأ العدالة حسب هوية الضحية أو ميزان القوة. ومحاكمة الجرائم، أينما وقعت ومتى وقعت، ليست فعل انتقام، بل شرط أساسي لمنع تكرار المأساة. فالتاريخ يعلّمنا أن الجرائم التي لا تُحاسَب، لا تُنسى فحسب، بل تُكرر، وربما ببشاعة أعظم.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير