اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
مديرية التربية والتعليم والثقافة العسكرية تبحث توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز جودة التعليم عطية يطالب الحكومة بإعادة النظر في أسعار المحروقات البنك الأردني الكويتي ومؤسسة إنجاز يوقعان اتفاقية لإطلاق برنامج "طريقي إلى النجاح" رئيس هيئة الأركان يزور قيادة سلاح الجو الملكي إدارة مكافحة المخدرات تطلق حملة أمنيّة وتوعوية ضد مادة الكريستال القاتلة والمخدرة العدوان: استضافة نجوم "النشامى" في أكاديمية بناة الغد ترسخ ثقافة القدوة وتحفز الأطفال على تحقيق طموحاتهم مجلس النواب يُقر "تنظيم العمل المهني" محمية العقبة البحرية على قائمة التراث العالمي… إنجاز وطني يفتح آفاق المستقبل رئيس الوزراء: الأشهر المقبلة ستشهد بدء تنفيذ الناقل الوطني والسكك الحديدية المياه تطلق استراتيجية النزاهة ومكافحة الفساد بالتعاون مع الـ (GIZ) عمّان الأهلية تَتَصدّر بالمركز الأول على مستوى الجامعات الأردنية بمسابقة FinTech Rally 2026 الاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية: هل تقود واشنطن مشروعاً لإضعاف روسيا وإيران والصين؟ القضاء العراقي يضبط 27 مليار دينار جديدة في قضية الجميلي الجيش يحبط محاولة تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة بواسطة بالونات البودكاست السياسي… بين توثيق الحقيقة وصناعة البطولة الكرتونية العقبة… عندما تتحول البيئة إلى قوة وطنية دوري المحافظات الثلاث..... ! الاقتصاد الرقمي: تحديثات جديدة على "سند" لتسريع الخدمات وتوسيعها جدلية العفو العام في الأردن: متى تلتقي الرحمة بالعدالة دون أن يُهدر الحق؟ رئيس "البلقاء التطبيقية" يتفقد سير امتحانات الشامل النظرية للدورة الصيفية "الأخيرة"

المجازر المنسيّة بحق السريان

المجازر المنسيّة بحق السريان
الأنباط -
د. أيوب أبودية

شهد مطلع القرن العشرين واحدة من أوسع موجات العنف الجماعي في تاريخ المشرق، تمثّلت في المجازر التي تعرّض لها السريان (الآشوريون والكلدان والسريان الأرثوذكس) في مناطق طور عبدين، ديار بكر، هكاري، وأعالي الجزيرة الفراتية، وذلك بالتوازي مع الإبادة الأرمنية، وتحت الإطار العام لانهيار الدولة العثمانية. وتشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن عدد القتلى من السريان تراوح بين 250 ألفًا و500 ألف إنسان خلال الأعوام 1914–1918، فيما تعرّض مئات الآلاف للتهجير القسري وفقدان الممتلكات. ويشكك الدكتور سربست نبي بهذه الأرقام ويعدها مبالغ فيها، وحتى لو كان الأمر كذلك فما زالت الأرقام تعكس ارواحا بشرية لا يمكن تجاهلها مهما صغرت. 

لم تكن هذه المجازر عفوية، بل جرت في سياق سياسي– أمني واضح ومنظم، حيث استخدمت السلطة العثمانية جماعات محلية مسلّحة، من بينها عشائر كردية، كأدوات تنفيذ، مقابل وعود بالحماية أو الغنائم أو توسيع النفوذ. فجرى تصوير السريان، وهم جماعات مسيحية قديمة الجذور، بوصفهم "خطرا داخليا” أو "طابورا خامسا”، في مناخ تعبئة دينية وقومية حاد. هكذا جرى نزع إنسانيتهم وتحويلهم إلى هدف مشروع للتصفية. وهنا أيضا يذكرنا د. سربست أن بعض العشائر الكردية قامت بحماية السريان كما حمى عبد القادر الجزائري المسيحيين في دمشق خلال مجازر ١٨٦٠ المشؤومة.

أما الناجون، فقد سلكوا طرق لجوء قاسية. اتجه عشرات الآلاف إلى بلاد الشام، ولا سيما سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين، واستقروا في مدن مثل حلب ودمشق والحسكة وبيروت والسلط في الاردن، حيث اندمج كثيرون منهم في المجتمعات المحلية عبر العمل والتجارة والزواج، وأسهموا في الحياة الثقافية والاقتصادية. آخرون واصلوا الهجرة إلى العراق، ثم لاحقًا إلى أوروبا والأمريكيتين، لتنشأ واحدة من أقدم الجاليات المشرقية في الشتات.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: لماذا لم يُحاسَب الجناة؟

 الجواب يكمن في تلاقي عدة عوامل؛ انهيار الدولة العثمانية دون محاكمات شاملة، نشوء دول قومية جديدة فضّلت طيّ الماضي بدل فتحه، وغياب كيان سياسي سرياني قادر على فرض قضيته دوليا. فالعدالة الانتقائية سمحت بالاعتراف ببعض الجرائم وتجاهل أخرى، فبقيت مجازر السريان وغيرها، مثل مذابح المسلمين في البوسنة والهرسك، خارج السردية العالمية.

إن خطورة هذا الغياب لا تكمن في الماضي وحده، بل في الحاضر. فالإفلات من العقاب يخلق سابقة، ويُغري بتكرار الجرائم. فما نشهده اليوم في غزة من قتل واسع للمدنيين، وتدمير ممنهج لكل شيء، وتجريد جماعي فاضح من الحقوق، يعيد طرح السؤال ذاته: هل سيتكرّر الصمت؟ 

إن ممارسة العدالة لا تكون ذات نتيجة إلا إذا كانت شاملة، فلا تُجزّأ العدالة حسب هوية الضحية أو ميزان القوة. ومحاكمة الجرائم، أينما وقعت ومتى وقعت، ليست فعل انتقام، بل شرط أساسي لمنع تكرار المأساة. فالتاريخ يعلّمنا أن الجرائم التي لا تُحاسَب، لا تُنسى فحسب، بل تُكرر، وربما ببشاعة أعظم.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير