البث المباشر
رئيس الديوان الملكي يتفقد مشاريع مبادرات ملكية في وادي الموجب ووادي ابن حماد والأغوار الجنوبية ومدين بالكرك أمنية شريك الاتصالات لمؤتمر FMC 2026 وتعرض دورها في تشغيل المرافق الذكية في الأردن وزير المياه والري يشدد على ضرورة الاستعداد الجيد لتأمين احتياجات صيف 2026 مجموعة المطار الدولي تحتفي بإدراج مطار الملكة علياء الدولي ضمن قائمة أفضل 100 مطار في العالم وفق تصنيف "سكاي تراكس" "الاتصال الحكومي" تنشر موجز إنجازات الوزارات والمؤسسات الحكومية "أمن الدولة" تصدر قرارها بتجريم المتهمين بقضايا مخدرات محمد شاهين يكتب: العلم الأردني… حكاية وطن أيلة تعزز ثقافة السلامة المرورية تزامناً مع يوم المرور العالمي وأسبوع المرور العربي يوم العلم… راية المجد وعنوان الانتماء استطلاع: تراجع الثقة بقدرة رئيس الوزراء .. و%25 فقط من الأردنيين ثقتهم بالحكومة كبيرة القطاع التجاري: يوم العلم مناسبة لتعزيز الانتماء الوطني سمو الشيخ منصور بن زايد: الإمارات تواصل تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الأردن رئيس الوزراء: الأردن والإمارات يمضيان في تنفيذ مشاريع واستثمارات مشتركة العلم الأردني مؤسسة الحسين للسرطان والبنك الأردني الكويتييوقّعان اتفاقية استراتيجية م. أبو هديب : مشروع سكة حديد ميناء العقبة يعزز كفاءة التصدير ويخفض كلف النقل ويدعم تنافسية القطاع التعديني اتفاقيات أردنية–إماراتية بـ 2.3 مليار دولار لتنفيذ سكة حديد العقبة الأردن والإمارات يوقعان اتفاقيات لتنفيذ مشروع سكة حديد ميناء العقبة مجلس النواب يُقر مُعدل قانون السير الأردنيون يحيون الذكرى السادسة ليوم العلم غدا.. 104 سنوات والأردن سالما منعما

قراءة في زيارة الملك إلى المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات… رسائل سيادية في لحظة إقليمية مشتعلة.

قراءة في زيارة الملك إلى المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات… رسائل سيادية في لحظة إقليمية مشتعلة
الأنباط -
د. بشير الدعجه.


في لحظات التحولات الكبرى في المنطقة لا تكون تحركات القادة مجرد زيارات عادية… ولا تكون الاجتماعات داخل غرف إدارة الأزمات إجراءً روتينيًا… بل تصبح رسائل سيادية مكتوبة بلغة الدولة العميقة التي تقرأ العواصف قبل وصولها.


هكذا يمكن فهم زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات في هذا التوقيت الإقليمي المشتعل… توقيت تتصاعد فيه المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى… وتتحول فيه المنطقة إلى مسرح مفتوح لاحتمالات عسكرية وأمنية وسياسية لا يمكن التنبؤ بسقفها.


هذه الزيارة لم تكن مجرد متابعة إدارية أو استعراض لخطط الطوارئ… بل يمكن قراءتها كإعلان واضح أن الأردن دخل مرحلة اليقظة الاستراتيجية في ظل حرب إقليمية تتشكل ملامحها تدريجيًا… فالحروب في هذا العصر لم تعد تقليدية أو محصورة في جبهات عسكرية محددة… بل أصبحت حروبًا مركبة تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية… والهجمات السيبرانية… وحروب المعلومات… ومحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي للدول.


الأردن بحكم موقعه الجغرافي يقف على تقاطع عدة بؤر توتر في المنطقة… فحدوده الشمالية مع سوريا شهدت خلال السنوات الماضية نشاطًا مكثفًا لشبكات تهريب السلاح والمخدرات المرتبطة بميليشيات مدعومة من إيران… وحدوده الشرقية مع العراق تضعه بالقرب من مسرح النفوذ الإيراني غير المباشر… أما جبهته الغربية المرتبطة بفلسطين فتعيش حالة توتر مستمر مع إسرائيل… وهذا يعني أن أي توسع للحرب الإقليمية قد يحمل معه تحديات متعددة… من مرور الصواريخ والطائرات المسيّرة في الأجواء وتهديدها للأمن الوطني… إلى محاولات اختبار الحدود الأردنية عبر الفوضى الأمنية أو شبكات التهريب… وصولًا إلى الضغوط الاقتصادية الناتجة عن اضطراب سلاسل الإمداد والطاقة.


لكن التهديدات في عالم اليوم لم تعد عسكرية فقط… فالحروب الحديثة فتحت جبهات جديدة أكثر تعقيدًا… وفي مقدمتها الحرب السيبرانية والحرب المعلوماتية… حيث يمكن استهداف البنية التحتية الرقمية للدول… وتعطيل أنظمة الاتصالات والخدمات الحيوية… ومحاولة اختراق الشبكات الحكومية أو المصرفية… أو شن حملات تضليل إعلامي تستهدف الرأي العام وتبث الشائعات لإرباك المجتمعات وإضعاف الثقة بالمؤسسات… وهذه الجبهة تحديدًا أصبحت جزءًا أساسيًا من معارك القرن الحادي والعشرين.


ومن هنا يمكن فهم دلالات ظهور جلالة الملك عبدالله الثاني في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات باعتباره إعلانًا واضحًا أن الدولة الأردنية تدير المشهد بعقل استراتيجي شامل يأخذ في الاعتبار جميع أبعاد الصراع… العسكرية والأمنية والاقتصادية والسيبرانية والإعلامية… فإدارة الأزمات لم تعد تقتصر على التعامل مع الكوارث التقليدية… بل أصبحت علمًا متكاملًا يقوم على توقع المخاطر المركبة والاستعداد لها قبل وقوعها.


ولعل أكثر ما حملته هذه الزيارة من دلالات عميقة هو ظهور الملك باللباس العسكري داخل غرفة إدارة الأزمات… فهذه الصورة ليست تفصيلاً بروتوكوليًا عابرًا… بل رسالة سياسية وأمنية مركبة… رسالة للداخل الأردني بأن القائد الأعلى للقوات المسلحة يقف في الصف الأول مع مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية في لحظة إقليمية حساسة… ورسالة للخارج بأن الأردن دولة يقظة تعرف كيف تحمي حدودها وأمنها واستقرارها… وأنها ليست ساحة رخوة يمكن اختبارها أو جرها إلى صراعات الآخرين.
إن من يعرف تاريخ القيادة الأردنية يدرك أن الملك عبدالله الثاني ليس مجرد قائد سياسي… بل ضابط محترف تشكل وعيه في المؤسسة العسكرية واكتسب خبرة ميدانية واستراتيجية عميقة… ولذلك فإن حضوره في غرفة إدارة الأزمات في مثل هذه اللحظة المضطربة يعكس فلسفة قيادة تقوم على المتابعة الدقيقة والاستعداد المبكر والاقتراب من تفاصيل إدارة الدولة في أصعب الظروف.


كما أن تأكيد الملك على ضرورة الاستعداد لأي طارئ وضمان توافر السلع الأساسية عبر مخزون آمن وسلاسل إمداد مستدامة يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الأمن الوطني الشامل… فالمعركة في العصر الحديث قد تبدأ بهجوم إلكتروني… أو حملة تضليل إعلامي… أو اضطراب اقتصادي… قبل أن تبدأ بأي تحرك عسكري على الأرض… ولذلك فإن الدول القادرة على الصمود هي تلك التي تبني منظومة حماية متكاملة للجبهة الداخلية.


وفي قراءة أعمق للمشهد يمكن القول إن الأردن يبعث من خلال هذه الزيارة برسالة واضحة إلى جميع الأطراف في الإقليم مفادها أن عمان تراقب التطورات بدقة… وتستعد لكل الاحتمالات… لكنها في الوقت ذاته لن تسمح بأن تتحول أرضها أو أمنها إلى جزء من لعبة الصراعات الإقليمية… فالأردن الذي واجه خلال العقدين الماضيين تداعيات حروب العراق وسوريا والإرهاب وموجات اللجوء ومحاولات اختراق الحدود أثبت أنه يمتلك قدرة استثنائية على إدارة الأزمات والحفاظ على استقراره في أكثر البيئات الإقليمية اضطرابًا.


إن ما يميز الدولة الأردنية عبر تاريخها هو أنها دولة صغيرة في الجغرافيا لكنها كبيرة في قدرتها على قراءة العواصف قبل وصولها… وهذه هي فلسفة القيادة التي جسدها الملك عبدالله الثاني في أكثر من محطة مفصلية في تاريخ المنطقة… حيث استطاع الأردن أن يبقى جزيرة استقرار في محيط يموج بالصراعات.



في النهاية... يمكن القول إن زيارة الملك إلى المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات في هذا التوقيت ليست مجرد اجتماع طارئ… بل رسالة سيادية قوية تقول إن الدولة الأردنية حاضرة… يقظة… ومستعدة… وأن القيادة التي تدير هذا الوطن تعرف جيدًا كيف تحميه عندما تشتد العواصف… وكيف توازن بين الحكمة والقوة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا… وهي معادلة لم تأتِ صدفة… بل هي نتاج قيادة تمتلك رؤية استراتيجية عميقة وخبرة طويلة في التعامل مع أخطر أزمات الإقليم.

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير