الأنباط -
الرياضة في زمن المناخ المتغيّر
محادين: غياب التخصص والوعي البيئي يجعل الرياضة العربية غير مستعدة لتحديات المناخ
حداد: ضروري أن يكون صوت ذوي الإعاقة مسموعاً في صرخة العرب المناخية
البوسعيدي: التغير المناخي عنصر أساسي في التخطيط الرياضي وصحة اللاعبين
الأنباط – ميناس بني ياسين
لا يكاد الشرق الأوسط يلتقط أنفاسه حتى يجد نفسه مجدداً في قلب صراع جديد؛ صواريخ تتساقط ونزاعات تتجدد، وأزمات سياسية تتراكم فوق واقع بيئي يزداد هشاشة يوماً بعد يوم ففي واحدة من أكثر مناطق العالم تأثراً بارتفاع درجات الحرارة وشحّ المياه والتقلبات المناخية، تتقاطع تحديات السياسة مع تحديات المناخ لتشكل ضغطاً متصاعداً على المجتمعات، وعلى أنماط الحياة اليومية، بما في ذلك الرياضة التي تُعد مرآةً دقيقة لما يعيشه الإنسان في بيئته.
ورغم أن المنطقة العربية تُصنف علمياً ضمن المناطق الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي فإن حضور الصوت الرياضي العربي في هذا النقاش ما يزال محدوداً، في وقت أصبح فيه المناخ عاملاً مباشراً يؤثر في أداء اللاعبين وسلامتهم، وفي جداول البطولات ومواسم المنافسات، وحتى في البنية التحتية للملاعب والمنشآت الرياضية.
المفارقة أن هذا الغياب النسبي يقابله حضور واضح للرياضيين في الغرب حيث تحولت قضايا المناخ إلى جزء من الخطاب الرياضي العام، يقودها لاعبون ورياضيون يطلقون المبادرات والحملات، ويستخدمون شهرتهم للدعوة إلى العمل المناخي، حتى في دول تُعد من بين الأكبر مساهمة في الانبعاثات الكربونية عالمياً.
في المقابل يبدو المشهد في العالم العربي أكثر تعقيداً؛ فبين تحديات المناخ المتسارعة، وضغط الأزمات السياسية والاقتصادية، ما يزال الربط بين الرياضة والبيئة في مراحله الأولى، وغالباً ما يبقى محصوراً في مبادرات فردية أو جهود محدودة لا تصل دائماً إلى دائرة الاهتمام العام.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً ملحاً، لماذا يغيب الصوت الرياضي العربي عن قضية تمسّ مباشرة مستقبل الرياضة والرياضيين في المنطقة، في وقت أصبح فيه المناخ عاملاً لا يمكن تجاهله في ميدان المنافسة ذاته؟
الرياضة العربية والإعلام ما يزالان بعيدان عن فهم تأثير المناخ
هذا السؤال حاول الإجابة عنه مدير قسم الرياضة في قناة المملكة مهند محادين وأكد أنه لا يمكن الجزم بأن الإعلام العربي مقصر في تحويل تغيّر المناخ إلى قضية رأي عام رياضي، بل الأمر غياب التخصصية والدراية بالموضوع وعدم تخصص بل ويصل إلى حد الجهل، بحيث لا يدرك بعض الإعلاميين والصحفيين تأثير المناخ والبيئة على الرياضات المختلفة، درجات الحرارة، والجفاف، قلة الأمطار على كل رياضة محددة، وتأثير الانبعاثات الكربونية ما يؤثر على اللاعبين، إضافة إلى تأثر جداول المباريات والبطولات والأجندات.
وأشار إلى أن الأمر أحياناً قد يكون عائد إلى السياسة التحريرية في بعض المؤسسات الإعلامية، أي بمعنى أن بعضها يرى مسألة المناخ وتأثيره على الرياضة والرياضيين هامش غير مهم وليس أولوية، لا يجذب القارئ أو المشجع؛ بمعنى أدق غياب الجرأة التحريرية.
وتابع أن تأثير المناخ وصل حتى اضطرت الدول المستضيفة لكأس العالم 2026 لتغيير موعد المباريات تفادياً لدرجات الحرارة المرتفعة، موضحاً أن الأصل التكاتف في التوعية حول قضية المناخ وتأثيره على الرياضيين والرياضة بشكل عام من إعلاميين وصحفيين ولاعبين واتحادات ومنظمات، أي العمل كمنظومة كاملة.
وأوضح أنه من القلة أن نجد صحفيين يربطون الرياضة بالبيئة كما الرياضة والاقتصاد، الرياضة والسياسة، ولربما هذا السبب الذي يجعل الرياضة العربية تبدو وكأنها جاهلة في تأثير المناخ وبيئياً على حد تعبيره، كما بين أن الأصل في ضرورة وجود منظمات رياضية واتحادات تعمل في صقل اللاعب وتوعيته وتثقيفه بدوره ليس مجرد لاعب، وإنما إلى ما هو أبعد كدور إنساني، اجتماعي، سياسي مؤثر، وجعلهم سفراء للترويج لأهمية تأثر تغير المناخ على الرياضة.
وأضاف في سؤاله حول دور الاتحادات واختفاؤها عن مثل هذا الدور أن السبب كونها في دائرة جهل وقلة معرفة وتركيز على النتائج فقط؛ حيث أنه لا يصلح الحديث عن الاستدامة وفي الوقت نفسه لا برامج ولا دعوات واستراتيجيات طويلة المدى وإنما ندوات ومبادرات فقط، موضحاً أنه على العكس أصبحنا لا نكترث للاستدامة في أرض الملاعب فعلياً أي بمعنى أنه بدلاً من أن نعتمد ونكثر من العشب الطبيعي في أرضات الملاعب؛ نجد الاعتماد كبير على النجيل الصناعي والذي أهلك الملعب واللاعب نفسه.
والأمر لا يقتصر على كرة القدم والأندية فقط وإنما لما هو أبعد، بحيث أن التوعية كان يجب أن تبدأ من المدارس وملاعبها، زيادة المساحات الخضراء، من الجهات الرسمية المعنية بإطلاق برامج واستراتيجيات طويلة المدى لربط المناخ وأثره على الرياضة فعلياً قائلاً:"سنشهد في الأشهر القادمة تحديات كبيرة تواجه منتخب النشامى في مشاركته بكأس العالم وباقي المنتخبات، تحدي الوقت والساعات وتغير درجات الحرارة واختلاف الطقس إلى جانب الإصابات والإجهاد البدني وهذه التخوفات والبرامج المعدة ستكون تحدي كبير".
وبين محادين في حديثه " نحن نُقاد من منظمات خارجية في مثل هذه المسائل، أي في حال طلبت إحدى المنظمات أو قامت بعمل مشروع بيئي رياضي وبدعم نباشر ونتبعها، حتى انتهاؤه ومن ثم نعود أدراجنا وتعود مسألة التغير المناخي والرياضة هامشاً؛ لذا وجب وجود مؤسسة محلية وطنية جهات تحمل على عاتقها تحريك المياه الراكدة وتسليط الضوء على المناخ والرياضة واللاعبين".
ودعا إلى أن الخطوة القادمة يجب أن تبدأ من الاتحادات في توعية لاعبيها بيئياً رياضياً، سيما وأن التأثير مباشر جداً، وأن يكون في المؤسسات الإعلامية سبق في الطرح وجرأة خاصة وأن الإعلام موجه للجمهور، حتى وإن كان الطرح لا يحبذه الجمهور الرياضي قائلاً: " نتحدث عن موضوع الاقتصاد الرياضي في حلقة رياضية نجد متابعي الحلقة قليلون جداً وكأن الموضوع غير مهم، بينما حين يكون موضوع الحلقة مباراة ونتائج ومناوشات تزيد مشاهدات الحلقة، إلا أنه وجب التوجيه والتغيير لما هو أهم من النتائج، إضافة إلى أن تتغير رؤية الصحفي الرياضي ولا تتمحور حول النتائج والمباريات".
يذكر أن اللجنة الأولمبية الأردنية أطلقت المبادرات المرتبطة بالاستدامة داخل العمل الرياضي، ومنها مبادرات وندوات متفرقة تتعلق بالرياضة والبيئة والتوعية بالممارسات المستدامة، إلا أن هذه الجهود ما تزال محدودة ولم تتحول لـ برامج مؤسسية واسعة أو استراتيجيات طويلة المدى تربط بشكل مباشر بين التغير المناخي والرياضة ويعكس ذلك واقعاً أن الرياضة الأردنية لا تزال إلى حد كبير بعيدة عن إدماج ملف المناخ ضمن سياساتها الرياضية اليومية، سواء في إدارة المنشآت أو في توعية اللاعبين أو في التخطيط للمواسم والبطولات في ظل الظروف المناخية المتغيرة.
الرياضة والإعاقة ودور الرياضيين العرب في مواجهة التغير المناخي
عربياً، مايكل حداد، لاعب أثقال لبناني وناشط بيئي يعاني شللاً نصفياً منذ الطفولة، ويتنقل باستخدام هيكل خارجي صممه فريق من الأطباء والعلماء لتثبيت صدره ورجليه، ما مكنه من المشي وتحمل وزنه البالغ 110 كيلوغرامات.
من شخص يعتبر عاجزاً أصبح بطلًا حقق المستحيل، حامل الرقم القياسي العالمي في المشي والتسلق بالأحذية الثلجية، وتجاوز 19 كم على مسارات جبلية لدعم إعادة تشجير الأرز اللبناني، وتسلق صخرة الروشة ومسار «القمة السوداء» للتأكيد على ضرورة مكافحة التغير المناخي وقال حداد: "كنت أدعو الرياضيين وأصحاب القرار لإبراز معنى الرياضة والإعاقة وتأثير التغير المناخي، ويجب أن يكون لذوي الإعاقة صوت مسموع في المؤتمرات المناخية، فهم الأكثر تأثراً".
وأوضح أن الصوت الرياضي العربي لا يزال ضعيفاً مقارنة بالغرب، مع اعتماد كبير على الخارج في الغذاء ومواجهة تحديات المياه وارتفاع الحرارة، مشدداً على ضرورة وعي ودعم وإطلاق صرخة عربية رياضية واضحة مضيفاً: "لا يجب لوم الغير فقط، بل علينا مسؤولية الاعتراف بما يحدث في منطقتنا، خصوصاً تجاه الأجيال القادمة والفئات المستضعفة".
وأكد أن الرياضة باب اساسي لتكون لغة يسمع بها العالم الفئات المستضعفة، ووسيلة تصل للمسؤولين وأصحاب القرار لبدء اخذ الخطوات والتحركات الفاعلة اللازمة، مشيراً إلى فكرة إذا ما طُبقت ستكون من أجمل المبادرات العربية والتي ستصل إلى كل العالم؛ حيث يجتمع الرياضيون واللاعبون من كل الفئات وأصحاب القرار من كل البلدان العربية في ممر وممشى لكل بلد يمشون فيه كنوع من التعبير الرياضي عما تمر به المنطقة العربية من أزمات وتحديات بيئية مناخية وسياسية على مستوى النزاعات والحروب.
إدماج التغير المناخي في التخطيط الرياضي والتكيف عربياً
وقالت لاعبة كرة القدم والمحللة والناشطة البيئية رميثاء البوسعيدي إن وعيها بالعلاقة بين الرياضة والمناخ بدأ من تجربتها الشخصية في ممارسة كرة القدم وتسلق الجبال، حيث أدركت مبكراً أن عناصر الطقس مثل الحرارة والرطوبة والرياح وطبيعة المكان تؤثر بشكل مباشر في نفسية الرياضي وتركيزه وقدرته على الاستمرار، ما جعلها ترى أن الرياضة ليست خارج النقاش المناخي بل من أكثر المجالات التي تكشف أثره بوضوح.
وأوضحت أن تجربتها في القطب الجنوبي عمّقت هذا الوعي بشكل أكبر، إذ لم تكن مجرد مغامرة شخصية، بل تجربة أعادت ترتيب علاقتها بالطبيعة وجعلتها أكثر إدراكاً لهشاشة البيئة وحدود قدرة الإنسان على التكيف.
وأضافت أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية منفصلة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في التخطيط الرياضي نفسه، إذ لم تعد التعديلات البسيطة في أوقات التدريب أو شدة التمارين كافية، بل باتت الظروف المناخية تفرض أحياناً إعادة التفكير في أماكن التدريب وشكل المواسم الرياضية وإمكانية استمرار النشاط بنفس مستوى الجودة والسلامة.
وأشارت إلى أن هذا الواقع يظهر بوضوح في المنطقة العربية، حيث تدفع درجات الحرارة المرتفعة أحياناً إلى تغيير مواقع التدريب واللجوء إلى المناطق المرتفعة مثل الجبل الأخضر في عُمان خلال فترات معينة، ما يجعل التكيف المناخي ممارسة يومية للرياضيين وليس نقاشاً نظرياً.
وأكدت أن الشباب العربي يمتلك الوعي والرغبة للمشاركة في قضايا المناخ، لكنه يحتاج إلى لغة أقرب إلى حياته اليومية ومساحات حقيقية للمشاركة، مشيرة إلى أن الشباب ليسوا مجرد متلقين لرسائل المناخ بل شركاء في صياغة الحلول وقيادة التغيير.
وفيما يتعلق بضعف حضور الرياضيين العرب في النقاش المناخي، أوضحت أن المشكلة لا تكمن في غياب الاهتمام بقدر ما ترتبط بغياب المنظومات الإعلامية والمؤسسية التي تحوّل المواقف الفردية إلى حملات مؤثرة، كما يحدث في السياقات الغربية.
كما أشارت إلى أن ارتباط الرياضة بالإعلام والرعاية الاقتصادية أمر طبيعي في القطاع الرياضي، وأن ظهور الرياضيين في الحملات الإعلانية لا يعني بالضرورة فقدان دورهم المجتمعي، إذ يمكن أن تتحول هذه المنصات إلى وسيلة لنشر رسائل تتعلق بالصحة والبيئة والمسؤولية المجتمعية.
وأضافت أن الاتحادات الرياضية غالباً ما تركز على البطولات والنتائج، لكن الواقع المناخي يفرض إدماج الاعتبارات البيئية ضمن الإدارة الرياضية الحديثة، نظراً لارتباطها بسلامة اللاعبين وجودة الأداء واستمرارية المواسم وكلفة تشغيل المنشآت الرياضية.
ولفتت إلى أن بعض الخطوات بدأت بالفعل في المنطقة، مشيرة إلى مبادرة اللجنة الأولمبية العُمانية التي أنشأت لجنة معنية بالرياضة والبيئة المستدامة بهدف إدماج الاعتبارات البيئية في العمل الرياضي وتعزيز توافق المنشآت والفعاليات الرياضية مع مبادئ الاستدامة.
وحذرت من أن تجاهل التغير المناخي سيؤثر بشكل مباشر على الرياضة، بدءاً من سلامة الرياضيين وجودة الأداء، وصولاً إلى انتظام البطولات وارتفاع كلفة تنظيم الفعاليات وإدارة المنشآت الرياضية، إضافة إلى تأثير ذلك على قدرة الشباب على ممارسة الرياضة بانتظام في بعض الفترات الحارة من السنة.
وأوضحت أن الاستعداد لمواسم كروية قد تتجاوز فيها درجات الحرارة 45 مئوية يتطلب تخطيطاً منهجياً يشمل جدولة البطولات والتدريب، وتطوير البنية التحتية، وتطبيق حلول تقنية مثل بروتوكولات التبريد ومراقبة الإجهاد الحراري وإدارة الجهد البدني للاعبين.
واختتمت بالقول إن التكيف المناخي في الرياضة ليس فكرة نظرية مستوردة، بل تجربة تعيشها المنطقة يومياً، ويمكن البناء عليها لتحويلها إلى معرفة مؤسسية تدعم تطوير الرياضة في المستقبل.