الأنباط – عمر الخطيب
في الجغرافيا قد تبدو بعض الأماكن صغيرة على الخريطة، لكنها في السياسة والاقتصاد تكبر حتى تصبح محور العالم، هناك نقاط محدودة المساحة، لكنها ثقيلة التأثير، تتقاطع عندها المصالح الدولية وتتشابك فيها حسابات القوة مع معادلات السوق، وكلما اشتد التوتر في الإقليم يعود اسم واحد إلى الواجهة ليس لأنه مجرد موقع جغرافي وإنما لأنه يمثل عقدة حساسة في منظومة الاقتصاد العالمي من هنا تبدأ الحكاية ...
دائما ما يتردد اسم مضيق هرمز في أوقات الحروب والتصعيد العسكري، وغالبا ما يُطرح الحديث عن إغلاقه كورقة ضغط كبرى، ومع كل توتر جديد في المنطقة يعود السؤال ذاته لماذا مضيق هرمز تحديدا؟
الإجابة بإختصار لأهميته الاقتصادية، فالمضيق يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم إذ يمر عبره ما يقارب 20% من صادرات النفط العالمية، بما يعادل نحو 20 مليون برميل يوميا، هذه الأرقام وحدها كفيلة بأن تجعل أي تهديد بإغلاقه حدثا يهز أسواق الطاقة عالميا.
أهمية المضيق لا تتوقف عند حجم الكميات المارة من خلاله وإنما تمتد إلى تأثيره الفوري على أسعار النفط، وكلف التأمين على السفن، واستقرار الأسواق المالية، فمجرد تصاعد التهديدات أو إعلان نية استهداف السفن المارة فيه يدفع شركات الشحن إلى رفع رسوم التأمين ويخلق حالة من القلق في أسواق الطاقة ما ينعكس مباشرة على الأسعار.
لهذا كلما اشتد التصعيد العسكري يتقدم اسم مضيق هرمز إلى الواجهة ليس لأنه مجرد ممر مائي فقط ولكن لأنه شريان رئيسي لتدفق الطاقة العالمية وأي اضطراب فيه يعني اهتزازا يتجاوز حدود المنطقة ليطال الاقتصاد العالمي بأكمله.
يقع مضيق هرمز في نقطة فاصلة بين الخليج العربي وبحر العرب، حيث تحدّه إيران من الشمال ، فيما تقع سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة من الجنوب، هذا الموقع جعله عقدة جغرافية حساسة تتحكم ببوابة العبور من الخليج إلى المياه المفتوحة.
يبلغ طول المضيق نحو 160 كم تقريبا، بينما يتراوح عرضه بين نحو 33 كم في أوسع نقاطه ويضيق في بعض أجزائه إلى ما يقارب 21 ميلا بحريا (نحو 39 كم)، فيما لا يتجاوز عرض ممرات الملاحة الفعلية بضعة كيلومترات في كل اتجاه، أما من حيث العمق فيُعد صالحا لعبور ناقلات النفط العملاقة إذ تصل أعماقه في بعض مناطقه إلى أكثر من 60 مترا ما يسمح بمرور السفن ذات الغاطس الكبير.
ويُعد المضيق الممر البحري الوحيد تقريبا لخروج السفن من الخليج العربي إلى بحر العرب، ومنه إلى المحيطات والأسواق العالمية، تمر عبره ناقلات النفط والسفن التجارية المتجهة نحو آسيا وأوروبا وأفريقيا ما يمنحه بعدا استراتيجيًا يتجاوز حدوده الضيقة، ما يميّزه جغرافيا ليس فقط موقعه وإنما طبيعته كممر إلزامي ضيق نسبيا مقارنة بحجم الحركة البحرية التي يشهدها، فكل السفن القادمة من موانئ الخليج مضطرة لعبوره للوصول إلى المياه الدولية، ولا توجد بدائل بحرية مباشرة تغني عنه، هذه الخصوصية الجغرافية جعلته نقطة تحكم حيوية في حركة التجارة والطاقة، وأحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
رغم الأهمية المحورية لمضيق هرمز طوّرت بعض دول الخليج مسارات بديلة لتقليل الاعتماد الكامل عليه إلا أن هذه البدائل تبقى جزئية ومحدودة مقارنة بحجم الصادرات الكلي فالسعودية تمتلك خط أنابيب الشرق–الغرب (بترولاين) الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية على الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمرـ تبلغ طاقته التشغيلية نحو 5 ملايين برميل يوميا (مع قابلية للرفع في بعض الفترات)، ما يمنح المملكة منفذًا بديلا جزئيا بعيدًا عن المضيق، ومع ذلك تبقى قدرته أقل من إجمالي الصادرات السعودية في أوقات الذروة ما يجعله حلا تخفيفيا لا بديلا كاملا.
أما الإمارات أنشأت خط أنابيب حبشان–الفجيرة الذي يربط الحقول النفطية في أبوظبي بميناء الفجيرة على بحر العرب، وبدأ تشغيله عام 2012 ، وتبلغ طاقته نحو 1.5 مليون برميل يوميا ما يسمح بتجاوز محدود لمضيق هرمز لكنه لا يغطي كامل صادرات الدولة.
أما الدول الأكثر اعتمادا على المضيق كل من الكويت، قطر، البحرين، والعراق بدرجة كبيرة على المرور عبر مضيق هرمز لتصدير نفطها (لا سيما صادرات جنوب العراق)، إذ لا تمتلك مسارات بحرية بديلة مباشرة تتيح لها تجاوز المضيق بشكل كامل، وبذلك تبقى البدائل القائمة أدوات تقليل مخاطر لكنها لا تُلغي الأهمية الاستراتيجية للمضيق في معادلة الطاقة الخليجية.
إغلاق مضيق هرمز لا يعني فقط توقف ناقلات نفط وإنما سلسلة ارتدادات اقتصادية تمتد من الخليج إلى آسيا وأوروبا وصولا إلى الاقتصادات الهشة أولها الدول الخليجية التي ستكون في قلب الصدمة ليس فقط بسبب تعطّل الصادرات النفطية بل أيضا نتيجة اضطراب الواردات الأساسية، فمعظم السلع الغذائية والمواد الخام تصل بحرا، وأي إغلاق يعني ارتفاع كلف الشحن والتأمين وزيادة مصاريف تشغيل الموانئ وتمويل المخزون الاستراتيجي، كما قد ترتفع أسعار الواردات الغذائية الأساسية ما يخلق ضغطا مباشرا على سلاسل الإمداد المحلية والأسعار في الأسواق.
ويتأثر ايضا المستوردون الآسيويون للطاقة حيث تعتمد آسيا بشكل كبير على نفط وغاز الخليج، وتشير تقديرات دولية إلى أن نحو 84% من تدفقات النفط الخام والمكثفات عبر المضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية، إضافة إلى قرابة 83% من شحنات الغاز الطبيعي المسال، فأي تعطّل سيضع دولًا صناعية كبرى أمام تحديات فورية في تأمين الطاقة ما قد ينعكس تباطؤا اقتصاديا وارتفاعا في تكاليف الإنتاج.
أوروبا ورغم تنويع مصادرها، تشتري أوروبا الطاقة وفق السعر العالمي وبالتالي فإن أي تصعيد يرفع أسعار النفط والغاز عالميا سيترجم مباشرة إلى ارتفاع في أسعار الكهرباء وزيادة تكاليف النقل والصناعة ما يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
أما الاقتصادات منخفضة الدخل فستكون هذه الدول من الأكثر هشاشة، إذ لا تملك احتياطيات مالية كبيرة أو قدرة على دعم أسعار الطاقة والغذاء لفترات طويلة، ارتفاع أسعار الوقود يعني زيادة فورية في كلف النقل والكهرباء ما ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويضغط على الموازنات العامة وقد يفاقم مستويات الفقر والتضخم، أما فيما يتعلق ب سلاسل الإمداد العالمية فإن الإغلاق لا يؤثر على الطاقة فقط بل يربك حركة الشحن العالمية، وأن ارتفاع تكاليف التأمين وإعادة توجيه السفن لمسارات أطول يعني تأخيرا في التسليم وارتفاعا في كلف النقل البحري، ما ينعكس على أسعار السلع عالميا، وفي اقتصاد مترابط يكفي تعطّل ممر واحد حيوي لإحداث موجة اضطرابات تمتد عبر قطاعات متعددة من الصناعة إلى الغذاء والتكنولوجيا، لهذا فإن السؤال عن إغلاق مضيق هرمز لا يرتبط بدولة بعينها وإنما بخريطة الاقتصاد العالمي بأكملها.
لم يكن مضيق هرمز مجرد ممر مائي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان وإنما تحوّل على مدار العقود إلى شريان عالمي للطاقة ونقطة اشتعال تتقاطع عندها المصالح الدولية والعسكرية، يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية المنقولة بحرا، ما جعله ساحة توتر دائمة كلما تصاعدت الأزمات الإقليمية أو اشتدت المواجهة بين القوى الكبرى.
خلال الحرب العراقية–الإيرانية، دخل المضيق مرحلة عُرفت بـ"حرب الناقلات" حيث شهد بين عامي 1984 و1988 استهدافا متبادلا لناقلات النفط الإيرانية والعراقية، في محاولة لخنق صادرات الطرف الآخر وإضعاف اقتصاده، لم تقتصر الهجمات على الطرفين المتحاربين وأنما طالت سفنا تجارية لدول أخرى ما دفع قوى دولية وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى تكثيف وجودها العسكري لحماية الملاحة.
في واحدة من أكثر الحوادث دموية، أسقطت البحرية الأمريكية في 3 يوليو 1988 طائرة مدنية إيرانية كانت تحلق فوق مياه الخليج، ما أدى إلى مقتل 290 شخصا، الحادثة التي وقعت في ذروة التوتر العسكري عمّقت الشرخ بين طهران وواشنطن وبقيت حاضرة في الذاكرة السياسية الإيرانية كدليل على هشاشة الوضع الأمني في الممر البحري الحيوي.
بعد عقود من نهاية الحرب العراقية–الإيرانية عاد المضيق إلى الواجهة في يونيو 2019 حين تعرضت ناقلتا نفط لهجمات قرب الممر المائي إحداهما يابانية، الولايات المتحدة اتهمت إيران بالوقوف خلف التفجيرات فيما نفت طهران ذلك الحادث أعاد المخاوف بشأن أمن الطاقة العالمي ورفع منسوب التوتر في أسواق النفط .
في الشهر ذاته أعلنت إيران إسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة قالت إنها اخترقت مجالها الجوي فوق المضيق، بينما أكدت واشنطن أنها كانت تحلق في أجواء دولية، الحادثة دفعت المنطقة إلى حافة مواجهة عسكرية مباشرة قبل أن يتم احتواء التصعيد.
في يوليو 2019 احتجز الحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط البريطانية "ستينا إمبيرو" بعد أيام من توقيف ناقلة إيرانية في جبل طارق للاشتباه بخرقها العقوبات، كما كانت طهران قد احتجزت في يناير من العام نفسه ناقلة نفط كورية جنوبية، قبل الإفراج عنها لاحقاً بعد مفاوضات، هذه الحوادث عكست انتقال المواجهة إلى أسلوب "الرد بالمثل"، حيث تتحول السفن التجارية إلى أوراق ضغط سياسية.
على امتداد تاريخه الحديث، بقي مضيق هرمز مرآة للتوترات الإقليمية والدولية، كل حادثة فيه لا تبقى محصورة في مياهه الضيقة وإنما تمتد ارتداداتها إلى أسواق النفط، وأسعار الطاقة، ومعادلات الردع في المنطقة فهو ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة استراتيجية تختبر فيها القوى الكبرى حدود النفوذ، وتُرسم عنده خطوط الاشتباك غير المعلنة.
تُظهر بيانات تجارة الطاقة العالمية أن الجزء الأكبر من النفط العابر عبر مضيق هرمز يتجه نحو آسيا، ما يجعل اقتصاداتها الأكثر تأثرا بأي اضطراب محتمل وتأتي الصين في المرتبة الأولى إذ تستحوذ على نحو 38% من تدفقات النفط المارة عبر المضيق، تليها الهند بنسبة تقارب 15%، ثم كوريا الجنوبية بنحو 12% واليابان بنسبة تقارب 11%، أما أوروبا فتستقبل نحو 3% فقط من هذه التدفقات بشكل مباشر، فيما تتوزع النسبة المتبقية – وتقدّر بنحو 7% – على دول أخرى في آسيا ومناطق مختلفة هذه الأرقام تعكس تمركز ثقل الاعتماد على نفط الخليج في الأسواق الآسيوية بالدرجة الأولى ما يفسر حساسية تلك الاقتصادات لأي تصعيد في هذا الممر الحيوي.