الأنباط -
فتحي الجغبير.. "بورية" الانضباط وهندسة النهضة الصناعية
خاص الانباط. ...
في أدبيات القيادة، هناك رجال لا يغادرون خنادقهم حتى وإن تبدلت جغرافيا المعركة، ومن هؤلاء يبرز المهندس فتحي الجغبير؛ الرجل الذي لم يخلع روح "البورية" العسكرية حين ارتدى سترة العمل الصناعي، بل نقل عدوى الانضباط وعنفوان الميدان إلى ممرات المصانع وردهات الغرف الصناعية، ليصيغ معادلة جديدة عنوانها: "الصناعة هي السيادة".
عقيدة الميدان في إدارة الاقتصاد
ليس غريباً على من تربى في مدرسة الجيش العربي المصطفوي أن يرى في الاقتصاد "جبهة"، وفي المصانع "قلاعاً"، وفي العمال "جنوداً". لقد نجح الجغبير في تطويع خلفيته العسكرية لخدمة القطاع الصناعي، مؤمناً بأن الإدارة ليست مجرد توقيع خلف المكاتب الوثيرة، بل هي "هندسة ميدانية" تتطلب النزول إلى خطوط الإنتاج، وتلمس أوجاع الصناعيين، ومواجهة التحديات بصلابة المقاتل الذي لا يعرف التراجع.
لقد استطاع المهندس فتحي أن يفرض هيبة المنتج الوطني في الأسواق المحلية والدولية، مدركاً بحسه الاستراتيجي أن أمن الوطن الغذائي والدوائي والمعيشي هو الامتداد الطبيعي لأمنه العسكري، وأن الاعتماد على الذات ليس مجرد شعار، بل هو ضرورة حتمية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء منتجاً واقتصاداً.
هندسة التغيير.. وصدق الانتماء
حين يتحدث الجغبير عن "صنع في الأردن"، فإنه يتحدث بلغة "المهندس" الذي يعرف تفاصيل الماكنة، ولغة "القائد" الذي يذود عن حياض قطاعه. لم تكن قيادته لغرفتي صناعة الأردن وعمان مجرد منصب إداري، بل كانت ثورة بيضاء لإعادة ترتيب البيت الصناعي، ومواجهة البيروقراطية بجرأة الصراحة، والمطالبة بحقوق القطاع دون مهادنة أو مواربة.
لقد صبغ الجغبير المشهد الصناعي بصبغة "الالتزام الحديدي"، فباتت القرارات تُتخذ بدقة المخطط الهندسي، وتُنفذ بروح الجندي المخلص. هو المهندس الذي أدرك أن بناء الأوطان يتطلب "يداً تبني ويداً تحمي"، فكانت يده تبني صروح الصناعة، وعينه تحمي مصالح الوطن الاقتصادية بوفاء قلّ نظيره.
البورية.. وسام على جبين الصناعة
إن سر نجاح فتحي الجغبير يكمن في تلك "البورية" المعنوية التي لم تغادر جبينه؛ فهي التي منحته الصبر على الشدائد، والقدرة على إدارة الأزمات المعقدة ببرود أعصاب عسكري وتكتيك هندسي رفيع. لقد أبدع في الصناعة لأنه لم ينسَ يوماً قيم المؤسسة العسكرية: "الصدق، الأمانة، والولاء المطلق للتراب والقيادة".
اليوم، يقف القطاع الصناعي الأردني شامخاً بجهود المخلصين من أمثاله، الذين آمنوا بأن العمل عبادة، وأن رفعة الوطن تُقاس بما تنتجه عقول وسواعد أبنائه. فسلام على المهندس الذي ظل وفياً للرتبة والمهنة، وجعل من سيرته نموذجاً يُحتذى في الجمع بين انضباط "العسكر" وإبداع "المهندسين".
حفظ الله الاردن والهاشمين
الكاتب نضال انور المجالي