اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
ترامب: يمكننا القضاء على الجميع خلال أسابيع .. لكنني لا أفضل ذلك هل تستطيع الحكومة مواصلة تحمل أسعار المحروقات إذا استمرت الأزمة النفطية؟ خلال مشاركة جلالتها في مؤتمر بلندن.. الملكة رانيا: الأردنيون يجسدون باستمرار قيم التكاتف والانضباط والتواضع بين المناهج الطويلة والوقت القصير..فجوة تؤثر على جودة التعليم العالم يعود إلى الغاز الطبيعي رغم تعهدات التحول للطاقة النظيفة رابعة زايد طالب الزاهري الحجايا في ذمة الله الجالية الأردنية الأميركية في ولاية ميشيغان تحيي العيد الثمانين للاستقلال وتؤكد تمسكها بالثوابت الوطنية الحاج طلال عبداللطيف سليمان في ذمة الله «أخطر القتلة لا تملك أسماؤهم ملفات أمنية» شركة كهرباء إربد تنفذ مبادرة “كيسك بسيارتك” لتعزيز السلوك البيئي الإيجابي نانسي المجذوب تنال درجة الدكتوراه من الجامعة الأردنية انطلاق برنامج "نشامى" الفوج الرابع في بيت شباب عمان فيديو النشامى يكشف غياب تسويق الأردن عن الفرصة التاريخية المحكمة الدستورية ترد طعنا بعدم دستورية 3 مواد من قانون رسوم طوابع الواردات الجيش يحبط محاولة تهريب كمية من المواد المخدرة الغذاء والدواء: جمعيات خيرية تتداول حليب اطفال منتهي الصلاحية الملك يتلقى اتصالا هاتفيا من رئيس الوزراء الألباني رئيس الديوان الملكي يرعى احتفال جامعة الزرقاء بعيد الاستقلال إيران في مواجهة الاستنزاف (3): الجبهة الداخلية بين الاحتواء الأمني ومتطلبات الصمود الفناطسة يؤكد ضرورة تطوير إطار معياري دولي للاعتراف بحقوق العاملين في اقتصاد المنصات

"بين الشتاء والصيف... حين تتنفس الأرض طاقتها الخفيّة"

بين الشتاء والصيف حين تتنفس الأرض طاقتها الخفيّة
الأنباط -


ما بين برودة الشتاء ولهيب الصيف، ثمّة سرٌّ كونيّ لا يُدركه إلا من يقرأ الأرض بعين الروح قبل عين العلم، ويصغي إلى همس الفصول كما يُصغي العاشق إلى نبض من يحب. فالفصول ليست تبدّلًا في الطقس فحسب، بل حوارًا فلسفيًّا بين الحياة والموت، بين التجدد والانكماش، بين السكون والانبعاث. في كل قطرة مطر تسقط في كانون، تُكتب مقدمة ضوءٍ يولد في حزيران، وفي كل زهرةٍ تخنقها الثلوج، تسكن طاقة تنتظر لحظة التحوّل الكبرى.
الشتاء ليس بردًا، بل استراحة الكون من ضجيج الإنسان، وانسحاب الطبيعة إلى عمقها كي تعيد ترميم أسرارها. والصيف ليس حرًّا، بل انفتاح الأفق على الامتلاء، حيث تصرخ الأرض: لقد اكتفيت! فتنثر خيراتها في وجه الوجود. بين الفصلين، ترقص الطاقة على خيطٍ رفيعٍ من التوازن، وكأنها تقول للبشرية: إن الاعتدال سرّ البقاء، وإن المبالغة في أيّ شيء—بردًا كان أم حرًّا، اقتصادًا كان أم سياسة، حبًّا كان أم كراهية—لا تلد إلا العطب.
في البعد النفسي، الإنسان ابنُ الفصول كما الأرض. ففي الشتاء، يميل إلى الانكماش، إلى دفء ذاته، إلى التأمل في صمته الداخلي، كأنه يكتب سيرة قلبه في عزلةٍ هادئة. أما في الصيف، فيفيض بالحركة والانطلاق، يغدو أكثر اندفاعًا، وكأن حرارة الشمس تُذيب جليد خوفه، وتدفعه نحو الحياة. وبين هذا وذاك، يتأرجح مزاجه كما تتأرجح الأسواق، كما تتبدّل السياسات، كما تتنفس المدن في رتابةٍ تبحث عن معنى.
في فجرٍ لم يعرف الكتابة بعد، حين كانت الصخور تنطق بالحكمة، والرياح تكتب أسرارها على وجوه الجبال، كان الكائن الأول يمد يده إلى الشمس ويقول بلغةٍ لا تُترجم: "نورٌ... يُنبتُ الظلّ". لم يكن يدرك أنه في تلك اللحظة يوقّع مع الأرض عهدًا سرمديًّا؛ أن لا فصلٌ يدوم، ولا موتٌ يبقى، ولا ظلمةٌ إلا وفيها حبةُ ضوءٍ تولد. كان يعرف بالفطرة أن التراب ذاكرةُ الوجود، وأن كل موجة ريحٍ تحمل سرّ السنين القادمة. ومن فهم تلك الإشارة، أدرك أن الفصول ليست ظواهر... بل رموزٌ مكتوبة على جبين الزمن، لا يقرأها إلا من رأى بعين القلب قبل العقل.
سياسيًّا، يشبه الشتاء تلك الفترات التي تنكمش فيها الأمم على جراحها، تستعيد وعيها، تعيد ترتيب قواها من الداخل. بينما الصيف هو موسم الخطابات والحراك والازدهار، لكنه أيضًا موسم الغرور الإنساني حين يظن أن النور دائم. في الاقتصاد، الشتاء هو زمن الادخار والتقشف، والصيف موسم الإنفاق والمغامرة، وبينهما تدور عجلة النمو أو السقوط.
واجتماعيًّا، ما بين البرد والحر، تتبدّل سلوكيات الناس، وتتشكل فلسفة التعامل مع الوجود. فالمجتمعات التي تفهم قوانين الطبيعة تفهم قوانين النهضة؛ لأن الوعي البيئي هو مرآة الوعي الإنساني. فحين نحترم توازن الأرض، نحترم أنفسنا، وحين نفسد مناخها، نُفسد مزاجنا الجمعي ونُعكّر أرواحنا دون أن ندري.
والطاقة الإيجابية التي تنبع من الأرض ليست فكرة غيبية، بل علمٌ حيّ يتجسد في كل شجرةٍ تنبت رغم الصقيع، وفي كل زهرةٍ تنبت من شقّ صخر. تلك الطاقة هي التي تبقي الكوكب نابضًا، والإنسان واقفًا رغم الانكسارات. إنها طاقة الله في الخلق، المودعة في ذرات التراب، وفي مجرى الرياح، وفي كل قلبٍ يحيا بين الحلم والخوف.
حين تتصالح الأرض مع شمسها، يتصالح الإنسان مع ذاته، ويكتشف أن ما بين الشتاء والصيف ليس اختلافًا في الطقس، بل درسًا في الحكمة: أن لا دوام لجمودٍ ولا ثبات لحرارةٍ، وأن الاعتدال هو ميزان الوجود الذي يحفظ الكون من الجنون. وما أعظم أن نعي أن الطاقة التي تخرج من رحم الأرض، هي ذاتها التي تُشعل فينا الإرادة، وتعيدنا كل مرة إلى الحياة بعد كل موتٍ صغير.
وهنا اقول:
"الذين يفهمون لغة الفصول، لا يخشون التبدّلات، لأنهم يدركون أن الأرض حين تتعب... إنما تستعد لتزهر من جديد."
واختم بشعري:
من رحمِ شتاءٍ يولدُ صيفُ ضياءِ
ومن ليلِ بردٍ تنبُتُ الأحلامُ في البقاءِ
تعلّمتُ أنَّ الأرضَ تُشبهُ قلبي
تتعبُ... لكنّها لا تموتُ في العطاءِ

بقلمي ✒️: د. عمّار محمد الرجوب
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير