اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
محمد شاهين يكتب: ستاد عمّان أولى من المدرج الروماني انفراج في سوق الغاز العالمي مع اقتراب عودة الإمدادات القطرية انطلاق فعاليات مهرجان "كان ياما كان" بفرع مكتبة عبد الحميد شومان بالزرقاء غدا الخميس نتفليكس تتصدر عالميا في البث الترفيهي وسط منافسة متصاعدة من المنصات الآسيوية البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي: نحو مساءلة مناخية للشركات الرقمية هيئة الإعلام تعمم بتنظيم التصوير والبث المباشر أمام قاعات امتحانات الثانوية العامة الإحصاءات: نمو الصادرات الوطنية بنسبة 7.3% خلال الثلث الأول من عام 2026 ديوان المحاسبة يحاور الشباب في لقاء لمؤسسة ولي العهد بإربد ضمان القروض الأردنية تطلق برنامجي “الضمان من أجل التوظيف” و”ضمان التمويل الأخضر” لدعم الشركات وخلق فرص العمل وتعزيز الاستثمارات الخضراء ولي العهد يلتقي برواد أعمال وقادة تنفيذيين لشركات تكنولوجية أميركية انطلاق أولى جلسات امتحان الثانوية العامة غدا تحولات مرورية على طريق مادبا - أم العمد المياه: حملة جديدة في اربد وجنوب عمان تضبط بيع مياه مخالفة أمانة عمان: نظام رخص الإعمار والرقابة الجديد يؤسس لمرحلة متقدمة من التنظيم العمراني العيسوي يلتقي وفدا من جمعية ديوان عشائر سحاب بين احتكار الوكلاء وركود "الحرة".. من ينقذ قطاع السيارات في الأردن؟ صرخة في وجه خائن الأمانة: كيف تنام وقد أكلت حقوق العباد وخنت الوطن؟ الراية الأردنية أعلى من النتيجة كأس ..... بلاد الشام... مهرجان جرش يكشف هويته البصرية الجديدة

"بين الشتاء والصيف... حين تتنفس الأرض طاقتها الخفيّة"

بين الشتاء والصيف حين تتنفس الأرض طاقتها الخفيّة
الأنباط -


ما بين برودة الشتاء ولهيب الصيف، ثمّة سرٌّ كونيّ لا يُدركه إلا من يقرأ الأرض بعين الروح قبل عين العلم، ويصغي إلى همس الفصول كما يُصغي العاشق إلى نبض من يحب. فالفصول ليست تبدّلًا في الطقس فحسب، بل حوارًا فلسفيًّا بين الحياة والموت، بين التجدد والانكماش، بين السكون والانبعاث. في كل قطرة مطر تسقط في كانون، تُكتب مقدمة ضوءٍ يولد في حزيران، وفي كل زهرةٍ تخنقها الثلوج، تسكن طاقة تنتظر لحظة التحوّل الكبرى.
الشتاء ليس بردًا، بل استراحة الكون من ضجيج الإنسان، وانسحاب الطبيعة إلى عمقها كي تعيد ترميم أسرارها. والصيف ليس حرًّا، بل انفتاح الأفق على الامتلاء، حيث تصرخ الأرض: لقد اكتفيت! فتنثر خيراتها في وجه الوجود. بين الفصلين، ترقص الطاقة على خيطٍ رفيعٍ من التوازن، وكأنها تقول للبشرية: إن الاعتدال سرّ البقاء، وإن المبالغة في أيّ شيء—بردًا كان أم حرًّا، اقتصادًا كان أم سياسة، حبًّا كان أم كراهية—لا تلد إلا العطب.
في البعد النفسي، الإنسان ابنُ الفصول كما الأرض. ففي الشتاء، يميل إلى الانكماش، إلى دفء ذاته، إلى التأمل في صمته الداخلي، كأنه يكتب سيرة قلبه في عزلةٍ هادئة. أما في الصيف، فيفيض بالحركة والانطلاق، يغدو أكثر اندفاعًا، وكأن حرارة الشمس تُذيب جليد خوفه، وتدفعه نحو الحياة. وبين هذا وذاك، يتأرجح مزاجه كما تتأرجح الأسواق، كما تتبدّل السياسات، كما تتنفس المدن في رتابةٍ تبحث عن معنى.
في فجرٍ لم يعرف الكتابة بعد، حين كانت الصخور تنطق بالحكمة، والرياح تكتب أسرارها على وجوه الجبال، كان الكائن الأول يمد يده إلى الشمس ويقول بلغةٍ لا تُترجم: "نورٌ... يُنبتُ الظلّ". لم يكن يدرك أنه في تلك اللحظة يوقّع مع الأرض عهدًا سرمديًّا؛ أن لا فصلٌ يدوم، ولا موتٌ يبقى، ولا ظلمةٌ إلا وفيها حبةُ ضوءٍ تولد. كان يعرف بالفطرة أن التراب ذاكرةُ الوجود، وأن كل موجة ريحٍ تحمل سرّ السنين القادمة. ومن فهم تلك الإشارة، أدرك أن الفصول ليست ظواهر... بل رموزٌ مكتوبة على جبين الزمن، لا يقرأها إلا من رأى بعين القلب قبل العقل.
سياسيًّا، يشبه الشتاء تلك الفترات التي تنكمش فيها الأمم على جراحها، تستعيد وعيها، تعيد ترتيب قواها من الداخل. بينما الصيف هو موسم الخطابات والحراك والازدهار، لكنه أيضًا موسم الغرور الإنساني حين يظن أن النور دائم. في الاقتصاد، الشتاء هو زمن الادخار والتقشف، والصيف موسم الإنفاق والمغامرة، وبينهما تدور عجلة النمو أو السقوط.
واجتماعيًّا، ما بين البرد والحر، تتبدّل سلوكيات الناس، وتتشكل فلسفة التعامل مع الوجود. فالمجتمعات التي تفهم قوانين الطبيعة تفهم قوانين النهضة؛ لأن الوعي البيئي هو مرآة الوعي الإنساني. فحين نحترم توازن الأرض، نحترم أنفسنا، وحين نفسد مناخها، نُفسد مزاجنا الجمعي ونُعكّر أرواحنا دون أن ندري.
والطاقة الإيجابية التي تنبع من الأرض ليست فكرة غيبية، بل علمٌ حيّ يتجسد في كل شجرةٍ تنبت رغم الصقيع، وفي كل زهرةٍ تنبت من شقّ صخر. تلك الطاقة هي التي تبقي الكوكب نابضًا، والإنسان واقفًا رغم الانكسارات. إنها طاقة الله في الخلق، المودعة في ذرات التراب، وفي مجرى الرياح، وفي كل قلبٍ يحيا بين الحلم والخوف.
حين تتصالح الأرض مع شمسها، يتصالح الإنسان مع ذاته، ويكتشف أن ما بين الشتاء والصيف ليس اختلافًا في الطقس، بل درسًا في الحكمة: أن لا دوام لجمودٍ ولا ثبات لحرارةٍ، وأن الاعتدال هو ميزان الوجود الذي يحفظ الكون من الجنون. وما أعظم أن نعي أن الطاقة التي تخرج من رحم الأرض، هي ذاتها التي تُشعل فينا الإرادة، وتعيدنا كل مرة إلى الحياة بعد كل موتٍ صغير.
وهنا اقول:
"الذين يفهمون لغة الفصول، لا يخشون التبدّلات، لأنهم يدركون أن الأرض حين تتعب... إنما تستعد لتزهر من جديد."
واختم بشعري:
من رحمِ شتاءٍ يولدُ صيفُ ضياءِ
ومن ليلِ بردٍ تنبُتُ الأحلامُ في البقاءِ
تعلّمتُ أنَّ الأرضَ تُشبهُ قلبي
تتعبُ... لكنّها لا تموتُ في العطاءِ

بقلمي ✒️: د. عمّار محمد الرجوب
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير