اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
محمد شاهين يكتب: ستاد عمّان أولى من المدرج الروماني انفراج في سوق الغاز العالمي مع اقتراب عودة الإمدادات القطرية انطلاق فعاليات مهرجان "كان ياما كان" بفرع مكتبة عبد الحميد شومان بالزرقاء غدا الخميس نتفليكس تتصدر عالميا في البث الترفيهي وسط منافسة متصاعدة من المنصات الآسيوية البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي: نحو مساءلة مناخية للشركات الرقمية هيئة الإعلام تعمم بتنظيم التصوير والبث المباشر أمام قاعات امتحانات الثانوية العامة الإحصاءات: نمو الصادرات الوطنية بنسبة 7.3% خلال الثلث الأول من عام 2026 ديوان المحاسبة يحاور الشباب في لقاء لمؤسسة ولي العهد بإربد ضمان القروض الأردنية تطلق برنامجي “الضمان من أجل التوظيف” و”ضمان التمويل الأخضر” لدعم الشركات وخلق فرص العمل وتعزيز الاستثمارات الخضراء ولي العهد يلتقي برواد أعمال وقادة تنفيذيين لشركات تكنولوجية أميركية انطلاق أولى جلسات امتحان الثانوية العامة غدا تحولات مرورية على طريق مادبا - أم العمد المياه: حملة جديدة في اربد وجنوب عمان تضبط بيع مياه مخالفة أمانة عمان: نظام رخص الإعمار والرقابة الجديد يؤسس لمرحلة متقدمة من التنظيم العمراني العيسوي يلتقي وفدا من جمعية ديوان عشائر سحاب بين احتكار الوكلاء وركود "الحرة".. من ينقذ قطاع السيارات في الأردن؟ صرخة في وجه خائن الأمانة: كيف تنام وقد أكلت حقوق العباد وخنت الوطن؟ الراية الأردنية أعلى من النتيجة كأس ..... بلاد الشام... مهرجان جرش يكشف هويته البصرية الجديدة

"من ثلاثين إلى سبعين جدلية الرقم والقدر"

من ثلاثين إلى سبعين جدلية الرقم والقدر
الأنباط -



في صباحٍ كهذا، حين تُعلن نتائج التوجيهي، يقف العالم للحظة، لا ليستمع فقط إلى الأرقام، بل ليستمع إلى نبضات القلوب، إلى صدى الدعاء الذي يعلو في البيوت، إلى الصمت الذي يملأ العيون بانتظار الرقم الصغير الذي يحمل في طياته أحلام العمر ومخاوف المستقبل. كل بيت، كل أسرة، كل طالب، يعيش تجربة فريدة، وكأن الرقم الذي سيظهر ليس مجرد رقم، بل انعكاس لمصيرٍ أوسع، وتجسيد لفلسفة الحياة كلها: كيف نواجه الخوف، كيف نحول القلق إلى إدراك، وكيف نعلم أن النجاح ليس مجرد درجة على ورقة، بل رحلة للروح والعقل معاً.
التوجيهي لم يعد مجرد امتحان عابر، بل صار تجربة وجودية، لحظة تتجسد فيها فلسفة التعليم في أصدق صورها. اليوم، لأول مرة يُحسب المعدل من ثلاثين، خطوةٌ أثارت جدلية لا تنتهي بين من يراها رحمة للطلاب، وبين من يراها عبئاً جديداً يضاعف رهبة العام القادم. الرقم هنا ليس أداة قياس فحسب، بل مرآة للروح، يختبر قدرة الطالب على مواجهة ذاته، وصبر الأسرة على القلق، ومدى نضج المجتمع في فهم تجربة الشباب.
الأهالي يعيشون لحظة مزدوجة بين الرجاء والخوف. بعضهم يبتسم للرقم ويهمس: الحمد لله، بداية موفقة. وبعضهم يئن داخلياً: هذه مجرد محطة أولى، والسبعون بالمئة هي المحك الحقيقي الذي سيحدد الطريق. وهنا تتكشف المفارقة العميقة: نحن دوماً بين الطمأنينة المؤقتة والخوف المؤجل، بين الرضا والقلق، بين ما نأمل وما يخشاه قلبنا.
أما الطالب، فهو الأكثر هشاشة وقوة في آنٍ واحد. هش لأنه يُقاس بلحظة، وقوي لأنه رغم كل شيء يحلم، ويواجه، ويترجم التعب والخوف إلى معرفة ووعي. يكتشف أن الامتحان ليس مجرد ورقة للإجابة، بل اختبار للذات، للقدرة على تحمل القلق، لمصارحة النفس بمكامن الضعف والقوة، ولتحويل الشك إلى يقين، والخوف إلى صبر، والرقم إلى فهم أعمق لمعنى الحياة.
خبراء التربية تحدثوا عن هذا النظام وكأنهم يستشرفون المستقبل البعيد. بعضهم رآه خطوة نحو التدرج والمرونة، فرصة لإعادة التوازن وبناء الثقة، لكن آخرين حذروا من أن النظام الجديد قد يزيد رهبة السنة الثانية، لأنها ستصبح مركز الثقل ومصدر القلق الأكبر. ومع ذلك، يبقى السؤال الفلسفي الأعمق: هل نعلّم أبناءنا ليجتازوا امتحاناً، أم نعدّهم ليجتازوا الحياة؟
التعليم لم يكن يوماً مجرد درجات أو أرقام، بل مشروعاً وطنياً وفلسفياً في آنٍ واحد. حين تغيّر الدولة نظاماً تعليمياً، فهي لا تغيّر معادلة رياضية فحسب، بل تعيد تعريف معنى النجاح والفشل، وتعيد صياغة العلاقة بين المواطن وواقعه. نحن لا نزرع في عقل الطالب معرفةً فقط، بل نصنع إنساناً حراً، واعياً، قادراً على مواجهة الحياة.
الأرقام صامتة بطبيعتها، لكنها تتحول في وعي الطالب والمجتمع إلى اختبار للكرامة والأمل. الرقم مرآة للروح، يكشف كيف نتعامل مع النجاح والفشل، ويعيد تشكيل إدراكنا لطبيعة الحياة نفسها. وكما قال التربوي جون ديوي: التعليم ليس إعداداً للحياة، بل هو الحياة ذاتها. إذا قرأنا الرقم بهذه العدسة، سنفهم أن الامتحان مجرد وسيلة لتجريب ذواتنا، لا الحكم النهائي علينا.
في هذه اللحظة، يظهر البعد النفسي والاجتماعي للتجربة. الخوف والقلق جزء من النمو، والأمل والنجاح جزء من الوعي. الطالب الذي يتعلم مواجهة القلق في هذه السن، هو الإنسان الذي سيواجه الحياة لاحقًا بصبر وحكمة. أما المجتمع، فهو الذي يراقب الرحلة ويستفيد من كل تجربة لتصحيح الطريق، ليبني وطناً يقدّر أن أعظم ثرواته ليست في الموارد، بل في عقول الشباب وقلوبهم.
ها نحن على أعتاب العام القادم، حيث السبعون بالمئة تنتظر كقمة جبل يلوح في الأفق. البعض ينظر إليها برهبة، والبعض يراها فرصة، لكن الحقيقة أن الطريق لا يُقاس بما يخيفنا، بل بما نزرعه من إرادة وأمل. هذه التجربة قد تكون بداية لتغيير حقيقي إن أحسنا قراءتها، وقد تكون عثرة إن حكمنا عليها قبل أن تُعطى وقتها. الحكمة أن نصبر، أن نراقب، وأن نمنح للتجربة حقها، وأن نفهم أن الامتحان الأكبر ليس على الورق، بل في بناء إنسان يعرف كيف يواجه الحياة بعقلٍ حر وروحٍ مطمئنة.
أيها الآباء والأمهات، إن أبناءكم ليسوا أرقاما، بل أحلاماً تمشي على الأرض. امنحوهم الحب قبل النصيحة، الطمأنينة قبل الملاحظات، والاحتواء قبل العتاب. أيها الطلاب، أنتم أبناء هذه الأرض التي اعتادت أن تنجب من المحن أبطالاً، ومن الأزمات أملاً جديداً. اجعلوا التوجيهي تجربة لا تكسركم، بل تبني فيكم معنى الصلابة. لا تقيسوا أنفسكم بالرقم وحده، فقيمة المرء بما يقدمه من فكرٍ وإبداع، لا بما يكتبه على ورقة امتحان.
وأما الوطن، فإن أعظم ثرواته ليست ثروات الأرض ولا أرقام البنوك، بل عقول شبابه وقلوبهم النابضة. فلتكن هذه التجربة بداية لإعادة بناء علاقة صادقة بين الدولة وشبابها، بين المدرسة ورسالتها، بين العلم وغايته. لنعلم أن الأمم لا تنهض بالامتحانات وحدها، بل بالنفوس التي تُدرك أن التعليم رسالة مقدسة، تصنع مواطناً حراً ومسؤولاً، وتبني وطناً أكبر من أي رقم.
وهنا اقول....
"حين يتحول الامتحان إلى فلسفة، يصبح النجاح أن تفهم ذاتك قبل أن تكتب إجابتك".
واقول شعري....
إذا ضاقت خطى الدنيا فلا تيأس من السبيلِ
ففي قلب الصغير نهارُهُ، وفي عزمه جيلُ

وما المعدل إلا طيفُ رقمٍ على الورقِ
أما الحياة فتصنعها الأرواح لا الدرجاتِ

بقلمي
د. عمّار محمد الرجوب
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير