البث المباشر
ولي العهد والأميرة رجوة الحسين يزوران شركة جبل عمان ناشرون ولي العهد والأميرة رجوة الحسين يزوران شركة جبل عمان ناشرون الرئيس شي يرد على رسالة من معلمين وطلاب في وفد شبابي أمريكي للتبادل التعليمي رئيس الوزراء في مقابلة مع التلفزيون الأردني: الحكومة أمامها برنامج عمل واضح وتدرك حجم المتطلبات والتحديات التي أمامها وكيف تسير للأمام بالحلول والإنجازات تزامنًا مع عودة حافلات العمرة.. حركة نشطة للمسافرين على جسر الملك حسين مدرسة المستقبل في الأردن: رهان التحديث على الإنسان الخوالدة: "الاعتماد على الذات" خيارنا الوحيد الذي لا يخيب ترامب ينعى النظام العالمي ....المطلوب تاسيس منظمة دولية جديدة ؟ د. ماهر الحوراني يدشّن افتتاح منصة TEDxAAU بالتأكيد على مواكبة التطور وسرعة اتخاذ القرار الدكتورة المهندسة رشا الفواعير تُصدر كتابًا ثوريًا "السيادة الرقمية وهندسة القرار في الأمن السيبراني المتقدم" النظافة كسياسة عامة: إدارة النفايات بين السلوك والحوكمة المنطقة العسكرية الجنوبية تحبط محاولة تهريب مواد مخدرة بواسطة طائرة مسيرة موظفو البنك الأردني الكويتي يتطوّعون للتبرّع بالدم في أولى مبادرات البنك التطوعية لعام 2026 7.179 مليار دينار حجم تداول العقار بالأردن ونمو بنسبة 7% خلال 2025 مؤسسة ولي العهد تعقد الحفل السنوي لبرنامج القيادة للمدارس لعام 2025 رئيس هيئة الأركان يستقبل السفير الأذربيجاني صناعة الأردن: مليار دينار مبيعات قطاع "التعبئة والتغليف" بالسوق المحلية "تأملات شتوية في ما لا يُقال رحلة العقل والروح" حلب في قبضة التجاذبات: سيادة الدولة السورية بين استحقاقات الميدان وضغوط التوازنات الإقليمية استشهاد فلسطيني متأثرا بإصابته برصاص الاحتلال في الخليل

بين المحرقة والموت البطيء

بين المحرقة والموت البطيء
الأنباط -
د. أيوب أبودية

عند الحديث عن الإبادة الجماعية، يتبادر إلى الأذهان النموذج النازي خلال الحرب العالمية الثانية، حيث سعى النظام الهتلري إلى "حل نهائي" للمسألة اليهودية، من خلال الإعدام الجماعي، حرق الجثث في الأفران، وتجريد الضحايا من آدميتهم بسرعة وحشية. كانت تلك إبادة ميكانيكية بامتياز، مدفوعة بأيديولوجيا عنصرية صريحة، تدار بعقلية صناعية تنشد الكفاءة في قتل الملايين خلال سنوات معدودة.

لكن في غزة، هناك نموذج مختلف من الإبادة، لا تنفّذ بالقنابل وحدها، بل بالحصار، والحرمان، والإفقار، والتجويع. إنّها ليست إبادة في ساعات، بل إبادة في سنوات، تقتل الإنسان قبل أن يموت، تسحقه بالبؤس، وتدفنه حيًا في ركام العطش والجوع والخذلان وتحت أنقاض بيته.

مارس النازيون إبادة اليهود في سياق أيديولوجي يرى فيهم خطرًا بيولوجيًا يجب استئصاله. كانت أدوات القتل تشمل غرف الغاز، الرمي بالرصاص، التجويع في المعسكرات، والعمل القسري حتى الموت. قُتل في تلك المحرقة قرابة ستة ملايين يهودي كما يدعون، وتمّت العملية بمنهجية مروعة، حيث كانت القطارات تنقلهم إلى معسكرات مثل "أوشفيتز" حيث يُقتل الآلاف في ساعات، وتُحرق جثثهم في أفران عملاقة صُمّمت خصيصًا لهذا الغرض.

سرعة التنفيذ، والوضوح الأيديولوجي، والتجرّد من أي شعور إنساني، جعلت من المحرقة جريمة لا مثيل لها من حيث البشاعة الصناعية، وأثارت رعب العالم لعقود.

لكن ماذا عن الإبادة البطيئة في غزة؟

 إنها لا تأتي بصيحات نازية، ولا تُدار عبر غرف غاز، بل تُغلف بخطابات "الأمن"، و"محاربة الإرهاب"، و"الردع". منذ سنوات طويلة وغزة محاصرة من الجو والبر والبحر. تُمنع عنها الكهرباء، الأدوية، المياه، المحروقات، وحتى الغذاء. تقطع إسرائيل عنها الحياة شريانًا بعد آخر، تحت سمع وبصر العالم.

يُمنع المرضى من السفر لتلقي العلاج. يُمنع الصيادون من الصيد. يُجبر الأطفال على النوم عطشى. تُقصف المدارس والمستشفيات والمخابز ومحطات المياه، وعندما يحاول أهل غزة الاستغاثة، يُتهمون بالتطرف، وتُغلق في وجوههم أبواب العالم.

الفرق الجوهري بين الإبادة النازية والإبادة الغزية، هو الإيقاع. ففي الأولى، كان الهدف قتل الإنسان بسرعة، وإنهاء وجوده كليًا خلال أشهر أو سنوات. أما في غزة، فالهدف هو تدمير الحياة نفسها دون إنهاء الجسد مباشرة: ترك الناس يموتون ببطء، يفقدون الأمل، ينحني أطفالهم تحت ثقل سوء التغذية، ويُجبرون على شرب المياه المالحة أو العادمة.

يقتل الجوع، كما يقتل العطش. لكنه يقتل على مهل. يقتل بينما يبقى الضحية حيًا بالشكل الظاهري، ميتًا في التفاصيل. هذا الشكل من القتل لا يقل بشاعة عن غرف الغاز، بل ربما يفوقها قسوة لأنه يعذب الإنسان يومًا بعد يوم، ويجعل العالم شريكًا في الجريمة عبر صمته الطويل.

ما يزيد من مأساوية الموت الفلسطيني، هو غياب الاعتراف العالمي الرسمي بكون ما يحدث في غزة إبادة بطيئة. بعد الحرب العالمية الثانية، وقفت البشرية أمام المحرقة النازية بحالة من الذهول، واعتُرف بها كجريمة كونية. أُقيمت المتاحف، وأُقرّت القوانين لمنع تكرارها.

أما في حالة غزة، فالعالم يشاهد المجاعة، الحصار، ودفن الأطفال تحت الأنقاض، ثم يواصل أعماله اليومية كأن شيئًا لم يكن. حتى بعض القوى الكبرى، التي ترفع راية حقوق الإنسان، تموّل آلة الحصار والقتل، وتمنح إسرائيل غطاءً دبلوماسيًا دائمًا. يُطلب من الفلسطينيين "ضبط النفس" حتى بعد أن يُذبح أطفالهم.

المحرقة اليهودية لم تُنس، لأنها أصبحت جزءًا من الوعي العالمي، بل وتم استغلالها سياسيًا في بعض الأحيان. أما مأساة غزة، فمهددة بأن تُنسى رغم أنها مستمرة، تُبثّ مشاهدها حيًا على الهواء، ويعيشها الملايين لحظة بلحظة.

لكن هل تنجح إسرائيل في طمس معالم هذه الجريمة؟ أم أن التاريخ، كعادته، سيحاكمها لاحقًا كما حاكم النازيين؟ هل سيأتي يوم يُبنى فيه "متحف غزة" في قلب أوروبا، تذكارًا لأطفال ماتوا من الجفاف والجوع؟ أم أن الذاكرة العالمية لا تتحمل سوى مأساة واحدة في القرن؟

الإبادة ليست فقط ما يُنجز بالقتل الفوري. بل هي كلّ فعل ممنهج يهدف إلى محو شعب، سلبه كرامته، تجريده من أسباب الحياة، ودفعه نحو الزوال ببطء أو بسرعة. إن ما يجري في غزة هو إبادة بكل معنى الكلمة، لكنها إبادة من نوع مختلف: أكثر خبثًا، وأكثر طولًا، وأكثر ألمًا.

من واجب العالم أن يعترف بذلك. ليس فقط من باب الأخلاق، بل من أجل أن تظل الإنسانية تستحق هذا الاسم. فكما أُدينت الإبادة السريعة في الماضي، يجب أن تُدان الإبادة البطيئة في الحاضر، وأن لا تُترك غزة تموت في صمت، بينما تتفرج البشرية.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير