البث المباشر
ذوو الفقيد عون العدوان يطلقون مبادرة لإحياء السنة النبوية والتخفيف من أعباء العزاء أبوغزاله: الأردن قادر على الصمود ألف عام في مواجهة مشروع "إسرائيل الكبرى" بالاكتفاء الذاتي طقس لطيف وفرصة لزخات مطرية اليوم 4 وجبات خفيفة تدعم صحة القلب وتساعد على ضبط ضغط الدم أداة بالذكاء الاصطناعي تحلل الوجوه لتتنبأ بفرص النجاة لدى مرضى السرطان وصول جثمان شاب أردني توفي إثر نوبة قلبية في قطر الصداع في الخريف ليس صدفة .. طبيبة تكشف أبرز محفزاته البنك العربي ومركز هيا الثقافي يختتمان مشروع "سلامة الأطفال في العالم السيبراني" الأمير فيصل يحضر احتفال مؤسسة ومركز الحسين للسرطان بمرور 25 عاما على تأسيسهما باريس سان جيرمان يهزم برشلونة برباعية في دوري أبطال أوروبا الاقتصاد الرقمي بالأردن.. تقدم في المؤشرات واختبار للعائد الاقتصادي الإمارات تتصدر عالمياً استخداماً للذكاء الاصطناعي التوليدي بنسبة 73.3% المنطقة العسكرية الجنوبية تحبط محاولة تهريب أجهزة تحكم إلكترونية بواسطة طائرة مسيّرة التربية تحذر من الالتحاق بمدارس ومؤسسات تعليمية خارجية غير معتمدة ومرخصة ولي العهد يرعى الأربعاء حفل ختام بطولة العالم الثانية للقدرة الدولية للهجن ومهرجان الأردن لسباقات الهجن والشعر النبطي مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي آل أبو الفيلات مبَادَرَةُ خُطَى الحُسَيْنِ وَأَثَرُهَا فِي النُّهُوضِ بِالقِطَاعِ الشَّبَابِيِّ Orange Money الأولى في الأردن لاستقبال حوالات ويسترن يونيون وإرسالها إلكترونياً بالتعاون مع مشربش للصرافة غسان الحمادنة شقيق الوزيرة السابقة مها العلي في ذمة الله جمعية الفنادق الأردنية ومؤسسة التدريب المهني توقّعان اتفاقية لربط التدريب باحتياجات سوق العمل الفندقي

بين المحرقة والموت البطيء

بين المحرقة والموت البطيء
الأنباط -
د. أيوب أبودية

عند الحديث عن الإبادة الجماعية، يتبادر إلى الأذهان النموذج النازي خلال الحرب العالمية الثانية، حيث سعى النظام الهتلري إلى "حل نهائي" للمسألة اليهودية، من خلال الإعدام الجماعي، حرق الجثث في الأفران، وتجريد الضحايا من آدميتهم بسرعة وحشية. كانت تلك إبادة ميكانيكية بامتياز، مدفوعة بأيديولوجيا عنصرية صريحة، تدار بعقلية صناعية تنشد الكفاءة في قتل الملايين خلال سنوات معدودة.

لكن في غزة، هناك نموذج مختلف من الإبادة، لا تنفّذ بالقنابل وحدها، بل بالحصار، والحرمان، والإفقار، والتجويع. إنّها ليست إبادة في ساعات، بل إبادة في سنوات، تقتل الإنسان قبل أن يموت، تسحقه بالبؤس، وتدفنه حيًا في ركام العطش والجوع والخذلان وتحت أنقاض بيته.

مارس النازيون إبادة اليهود في سياق أيديولوجي يرى فيهم خطرًا بيولوجيًا يجب استئصاله. كانت أدوات القتل تشمل غرف الغاز، الرمي بالرصاص، التجويع في المعسكرات، والعمل القسري حتى الموت. قُتل في تلك المحرقة قرابة ستة ملايين يهودي كما يدعون، وتمّت العملية بمنهجية مروعة، حيث كانت القطارات تنقلهم إلى معسكرات مثل "أوشفيتز" حيث يُقتل الآلاف في ساعات، وتُحرق جثثهم في أفران عملاقة صُمّمت خصيصًا لهذا الغرض.

سرعة التنفيذ، والوضوح الأيديولوجي، والتجرّد من أي شعور إنساني، جعلت من المحرقة جريمة لا مثيل لها من حيث البشاعة الصناعية، وأثارت رعب العالم لعقود.

لكن ماذا عن الإبادة البطيئة في غزة؟

 إنها لا تأتي بصيحات نازية، ولا تُدار عبر غرف غاز، بل تُغلف بخطابات "الأمن"، و"محاربة الإرهاب"، و"الردع". منذ سنوات طويلة وغزة محاصرة من الجو والبر والبحر. تُمنع عنها الكهرباء، الأدوية، المياه، المحروقات، وحتى الغذاء. تقطع إسرائيل عنها الحياة شريانًا بعد آخر، تحت سمع وبصر العالم.

يُمنع المرضى من السفر لتلقي العلاج. يُمنع الصيادون من الصيد. يُجبر الأطفال على النوم عطشى. تُقصف المدارس والمستشفيات والمخابز ومحطات المياه، وعندما يحاول أهل غزة الاستغاثة، يُتهمون بالتطرف، وتُغلق في وجوههم أبواب العالم.

الفرق الجوهري بين الإبادة النازية والإبادة الغزية، هو الإيقاع. ففي الأولى، كان الهدف قتل الإنسان بسرعة، وإنهاء وجوده كليًا خلال أشهر أو سنوات. أما في غزة، فالهدف هو تدمير الحياة نفسها دون إنهاء الجسد مباشرة: ترك الناس يموتون ببطء، يفقدون الأمل، ينحني أطفالهم تحت ثقل سوء التغذية، ويُجبرون على شرب المياه المالحة أو العادمة.

يقتل الجوع، كما يقتل العطش. لكنه يقتل على مهل. يقتل بينما يبقى الضحية حيًا بالشكل الظاهري، ميتًا في التفاصيل. هذا الشكل من القتل لا يقل بشاعة عن غرف الغاز، بل ربما يفوقها قسوة لأنه يعذب الإنسان يومًا بعد يوم، ويجعل العالم شريكًا في الجريمة عبر صمته الطويل.

ما يزيد من مأساوية الموت الفلسطيني، هو غياب الاعتراف العالمي الرسمي بكون ما يحدث في غزة إبادة بطيئة. بعد الحرب العالمية الثانية، وقفت البشرية أمام المحرقة النازية بحالة من الذهول، واعتُرف بها كجريمة كونية. أُقيمت المتاحف، وأُقرّت القوانين لمنع تكرارها.

أما في حالة غزة، فالعالم يشاهد المجاعة، الحصار، ودفن الأطفال تحت الأنقاض، ثم يواصل أعماله اليومية كأن شيئًا لم يكن. حتى بعض القوى الكبرى، التي ترفع راية حقوق الإنسان، تموّل آلة الحصار والقتل، وتمنح إسرائيل غطاءً دبلوماسيًا دائمًا. يُطلب من الفلسطينيين "ضبط النفس" حتى بعد أن يُذبح أطفالهم.

المحرقة اليهودية لم تُنس، لأنها أصبحت جزءًا من الوعي العالمي، بل وتم استغلالها سياسيًا في بعض الأحيان. أما مأساة غزة، فمهددة بأن تُنسى رغم أنها مستمرة، تُبثّ مشاهدها حيًا على الهواء، ويعيشها الملايين لحظة بلحظة.

لكن هل تنجح إسرائيل في طمس معالم هذه الجريمة؟ أم أن التاريخ، كعادته، سيحاكمها لاحقًا كما حاكم النازيين؟ هل سيأتي يوم يُبنى فيه "متحف غزة" في قلب أوروبا، تذكارًا لأطفال ماتوا من الجفاف والجوع؟ أم أن الذاكرة العالمية لا تتحمل سوى مأساة واحدة في القرن؟

الإبادة ليست فقط ما يُنجز بالقتل الفوري. بل هي كلّ فعل ممنهج يهدف إلى محو شعب، سلبه كرامته، تجريده من أسباب الحياة، ودفعه نحو الزوال ببطء أو بسرعة. إن ما يجري في غزة هو إبادة بكل معنى الكلمة، لكنها إبادة من نوع مختلف: أكثر خبثًا، وأكثر طولًا، وأكثر ألمًا.

من واجب العالم أن يعترف بذلك. ليس فقط من باب الأخلاق، بل من أجل أن تظل الإنسانية تستحق هذا الاسم. فكما أُدينت الإبادة السريعة في الماضي، يجب أن تُدان الإبادة البطيئة في الحاضر، وأن لا تُترك غزة تموت في صمت، بينما تتفرج البشرية.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير