الأنباط -
المحرر الإقتصادي
المستثمر ليس خصما للدولة والتاجر ليس بالضرورة باحثا عن ثغرة في القانون ومن يدخل السوق وفق تشريعات وإجراءات نافذة لا يجوز أن يجد نفسه في اليوم التالي أمام قواعد جديدة تجمّد أمواله وتضع التزاماته التجارية في منطقة رمادية، وهذا ما يحدث في قضية المركبات العالقة في المنطقة الحرة التي تحولت من مسألة تنظيمية إلى قضية تمس ثقة المستثمر واستقرار بيئة الأعمال
يقول تجار ومستوردون إنهم التزموا بالتشريعات القائمة، وأبرموا عقودا وأنجزوا معاملات مصرفية وأدخلوا شحنات والتزموا بتعهدات على أساس قانوني نافذ، قبل أن تتغير التعليمات والمواعيد لتبقى مركباتهم وأموالهم عالقة، فيما تستمر الالتزامات المالية والمصرفية، وتتصاعد خسائر الشركات وتهديدات استمرار أعمالها.
وهنا يأتي السؤال ماذا نريد من المستثمر؟ نريده أن يضخ أمواله ويوفر فرص العمل، ويدفع الضرائب والرسوم ويحرك السوق، ثم نحمّله وحده تكلفة انتقال تشريعي لم يكن بوسعه التحكم به؟ بالتأكيد لا، فاستقرار التشريعات جزء أساسي من بيئة الاستثمار وليس مطلبا ثانويا يمكن تجاوزه.
المطلوب ليس إلغاء التعليمات الجديدة أو منح استثناءات مفتوحة، وإنما وضع إطار انتقالي واضح وعادل للحالات التي بدأت معاملاتها والتزاماتها قبل التغيير، على أن يحدد الحالات المشمولة والشروط والمهلة الزمنية ويطبق بصورة عامة على جميع الحالات المتشابهة.
فالحزم يكون في تطبيق التشريع الجديد على من يبدأ نشاطه بعد نفاذه بينما تقتضي المرونة معالجة من بدأ استثماره وفق القواعد السابقة، وهذه ليست (واسطة) ولا امتيازا لفئة محددة ما دام الإطار عاما وواضحا ويخضع له كل من تنطبق عليه الشروط.
اقتصاديا، فإن إنهاء ملف المركبات العالقة ضمن معالجة قانونية انتقالية يمكن أن يعيد حركة أموال مجمدة ويوفر إيرادات للخزينة من الرسوم والضرائب ويحافظ على استمرارية الشركات والوظائف، بدلا من ترك الخسائر تتراكم وصولا إلى التعثر أو الإعسار.
وفي النهاية، المستثمر لا يبحث عن معاملة خاصة وإنما عن إجابة واضحة لسؤال بسيط إذا وضعت أموالي في هذا البلد والتزمت بقوانينه فهل ستقف الدولة معي عندما تتغير القواعد؟
المركبات ستُحل يوما ما لكن الرسالة التي تصل إلى المستثمرين بشأن استقرار بيئة الأعمال قد تبقى لسنوات، ولذلك فإن قرارا انتقاليا واضحا وعاجلا بشروط ومدة محددتين، يكون أقل كلفة على الدولة وأكثر فائدة للاقتصاد فالدولة التي تحمي المستثمر الملتزم لا تخسر هيبتها وإنما تكسب ثقته.