اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
ماغنا كارتا والطاولة السياسية " هزيمة يتيمة الاب " لماذا يتأخر القرار الاستثماري في المملكة؟ الحسين/إربد، قالها رئيسه للتلفزيون....هذا موسم راحة ! مئات المستفيدين من عروض Orange Money بالتزامن مع بداية العام الدراسي 2026 Ayla Sponsors the “Dead2Red” Cycling and Running Race أيلة ترعى سباق "Dead2Red" للجري وركوب الدراجات الهوائية تنطلق غداً في القاهرة أعمال مؤتمر العمل العربي برئاسة الأردن إرجاء الجولة المقبلة من مفاوضات إسرائيل ولبنان إلى تشرين الأول الأردن يدين استهداف خط أنابيب شرق-غرب في الرياض والمدينة المنورة أجواء حارة حتى الأحد الشبكة العربية للإبداع والابتكار تدعو من تونس إلى إنشاء مسار عربي لتمويل ابتكارات الذكاء الاصطناعي بين السفارة والاستخبارات : عشرة وجوه وملف واحد .. ماذا عرفت بودابست ولم تقله ؟ القوات المسلحة الأردنية تشيّع جثامين خمسة من مكلفي خدمة العلم إثر حادث سير أيقونة الحزم والعدالة: العقبة بأفضل حالاتها تحت إدارة العوايشة الشركة : استدعاء عاجل لسيارات jac e10x في الاردن وزارة العمل تضبط 56 عاملة منزل مسجل بحقهن بلاغات هروب على طريق المطار الموهبة الأردنية حمزة دردس ينضم إلى نادي خيتافي الإسباني لكرة السلة في العاصمة مدريد 13.3 مليون مشاهدة في يوم واحد.. جو حطاب يعيد تقديم البترا بلغة العالم الرقمي الأشغال تبدأ السبت صيانة جزء من شارع الستين في السلط

ماغنا كارتا والطاولة السياسية

ماغنا كارتا والطاولة السياسية
الأنباط -
د. حازم قشوع

حين ظهرت ارضية ماغنا كارتا القيمية في إنجلترا عام 1215، لم تكن مجرد وثيقة سياسية عابرة في تاريخ الحكم البريطاني، وإنما كانت بداية لتحول عميق في العلاقة بين السلطة والقانون، بعدما بدأت فكرة الحكم تتجاوز إرادة الحاكم إلى قواعد تضبط ممارسة السلطة وتحدد حدودها. ومع مرور الزمن أصبحت ماغنا كارتا واحدة من الرموز المؤسسة لفكرة حكم القانون، بما حملته من معنى يتجاوز ظروفها التاريخية، وهو أن قوة السلطة لا تكتمل إلا عندما تكون محكومة بمرجعية قانونية تحفظ الحقوق وتمنع تحول القوة إلى أداة مطلقة في صناعة القرار.

وإذا كان هذا التحول قد احتاج قرونًا حتى يتبلور داخل الدولة، فإن السياسة الدولية اليوم تبدو بحاجة إلى إعادة إنتاج المعنى ذاته على مستوى العلاقات بين الدول. فالعالم يعيش مرحلة تتسع فيها الفجوة بين قوة الفعل ومرجعية القانون، وبين ما تستطيع بعض الدول فرضه على الأرض وما تسمح به قواعد الشرعية الدولية. وتبقى فلسطين واحدة من أوضح ساحات هذا الاختبار، حيث لم يعد الصراع متعلقًا فقط بإدارة حرب أو وقف إطلاق نار، وإنما أصبح متعلقًا بمستقبل دولة وحقوق شعب وإمكانية إقامة سلام مستدام يقوم على حل الدولتين.

ومن هنا تأتي أهمية الموقف البريطاني تجاه ما يجري في فلسطين، وتجاه ضرورة الحفاظ على إمكانية قيام الدولتين، خصوصًا عندما تقترن المواقف السياسية بإجراءات عملية تعترض على استمرار الاستيطان وتغيير الواقع على الأرض. فهذا الموقف يستحق التقدير عندما يضع السياسة في إطار القانون، ويؤكد أن السلام لا يمكن أن يقوم على فرض الأمر الواقع، وأن حماية حل الدولتين لا تكون بتكرار العبارة في البيانات السياسية، وإنما بحماية مقوماته الجغرافية والسياسية والقانونية. فكلما تقلصت مساحة الحل السياسي على الأرض، أصبحت مهمة التفاوض أكثر تعقيدًا، وأصبح السلام نفسه أكثر ابتعادًا.

واللافت في التجربة البريطانية أن ماغنا كارتا بقيت في الذاكرة السياسية البريطانية باعتبارها إحدى المحطات التي كرست مبدأ أن السلطة لا تكون فوق القانون. ولذلك فإن استحضارها اليوم لا يعني المقارنة بين ظرفين تاريخيين مختلفين، وإنما استحضار المغزى السياسي الذي يمكن أن يتجدد في كل مرحلة، وهو أن استقرار العلاقات لا يتحقق عندما تكون القوة هي المرجعية الوحيدة، وإنما عندما تكون هناك قواعد تضبط القوة وتفتح الطريق أمام التسوية. وهذا ما تحتاجه القضية الفلسطينية تحديدًا، لأن استمرار الصراع لا يمكن أن ينتج سلامًا، كما أن اختلال ميزان القوة لا يمكن أن يتحول وحده إلى شرعية سياسية.

إن حل الدولتين، في جوهره، ليس مجرد صيغة تفاوضية، وإنما يمثل محاولة لإعادة تنظيم الطاولة السياسية في المنطقة على قاعدة الاعتراف المتبادل والحقوق والأمن والمصالح المشتركة. ولذلك فإن دعم هذا الحل يعني حماية إمكانية الجلوس إلى طاولة سياسية يمكن أن تنتج تسوية حقيقية، وليس طاولة يجري فيها التفاوض بعد أن تكون الوقائع قد حسمت مسبقًا شكل النتيجة. فالتفاوض الحقيقي يحتاج إلى أطراف قادرة على الوصول إلى حل، وإلى أرضية قانونية وسياسية تسمح بأن تكون التسوية عادلة وقابلة للحياة.

ومن هنا يمكن فهم أهمية المواقف الدولية التي تحاول إبقاء القانون حاضرًا في المشهد السياسي، لأن القانون الدولي، رغم كل ما يواجهه من اختبارات، يبقى الإطار الذي يمكن أن يمنح التسويات الدولية مشروعيتها واستمراريتها. وما تحتاجه المنطقة ليس المزيد من إدارة الأزمات، وإنما الانتقال من إدارة الصراع إلى هندسة السلام، ومن التعامل مع موازين القوة بوصفها قدرًا سياسيًا إلى التعامل معها باعتبارها عنصرًا من عناصر طاولة أوسع تحكمها المصالح والحقوق والمرجعيات القانونية.

وفي هذا السياق، فإن ماغنا كارتا تقدم درسًا سياسيًا يتجاوز تاريخها؛ فالطاولة السياسية لا تستقيم فقط بتحديد من يجلس إليها، وإنما بتحديد القواعد التي تحكم الجلوس والتفاوض وصناعة القرار. وهذا المعنى حاضر في كتابي الجديد «هندسة الطاولة السياسية»، الذي يتناول هذه الفكرة من زاوية أوسع تتصل بكيفية إعادة ترتيب العلاقات وموازين المصالح وقواعد صناعة القرار. فالمغزى في النهاية ليس شكل الطاولة، وإنما قدرتها على إنتاج التفاهم، وليس قوة الجالس إليها، وإنما القواعد التي تجعل من التفاوض طريقًا إلى التسوية والسلام.
وهذا ما يتطابق مع الموقف الأردني المبدئي والثابت تجاه القضية الفلسطينية وحل الدولتين، باعتبار أن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية، وبما يحفظ
 الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويحقق الأمن والاستقرار للجميع.

 فالأردن، بحكم موقعه ودوره، لا ينظر إلى حل الدولتين باعتباره خيارًا تفاوضيًا فحسب، وإنما باعتباره أساسًا ضروريًا لإعادة بناء الاستقرار الإقليمي، وحماية مستقبل المنطقة من استمرار الصراع وتداعياته والعالم اليوم يحتاج إلى ما هو أبعد من وثيقة جديدة تشبه ماغنا كارتا؛ يحتاج إلى ثقافة سياسية تعيد الاعتبار للقانون، وتمنح الشرعية الدولية قدرة أكبر على حماية الحقوق، وتعيد للقضية الفلسطينية مسارها السياسي على أساس حل الدولتين. فالقوة تستطيع أن تفرض واقعًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا، والوقائع مهما طال بقاؤها لا تصبح شرعية لمجرد استمرارها. ومن هنا يبقى الرهان الحقيقي على إعادة هندسة الطاولة السياسية الدولية، بحيث تكون قادرة على إنتاج سلام يحفظ الحقوق، ويضمن الأمن، ويمنح فلسطين وإسرائيل فرصة الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الدولة وبيان السلام.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير