الأنباط -
بقيادة حازمة وتنسيق أمني محكم.. مؤسسة "الغذاء والدواء" تثبت مجدداً أنها درع الوطن الحصين
بقلم: نضال أنور المجالي
خاص الانباط
ليست كل الضبطيات متشابهة، وليست كل العمليات الرقابية تقاس بعدد العبوات أو وزن المضبوطات. فهناك عمليات تُغلق محلاً مخالفًا، وأخرى تضبط مستودعًا، لكن هناك عمليات تغير قواعد اللعبة بأكملها، لأنها لا تكتفي بقطع أحد فروع المخالفة، بل تصل إلى رأس سلسلة الإمداد الذي يغذيها.
وهذا ما جسدته العملية النوعية التي نفذتها المؤسسة العامة للغذاء والدواء الأردنية بقيادة عطوفة الأستاذ الدكتورة رنا عبيدات، وبالتعاون مع الأجهزة الأمنية المختصة، والتي أسفرت عن ضبط نحو خمسة أطنان من مستحضرات التجميل المقلدة وغير المجازة ومجهولة المصدر، في واحدة من أكبر وأهم العمليات الرقابية التي شهدها هذا القطاع في المملكة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن في الرقم وحده، بل في الفكر الذي يقف خلفه. فالمؤسسة لم تنشغل بملاحقة عشرات الصفحات التي كانت تروج لهذه المنتجات، لأن تلك الصفحات لم تكن سوى أذرع لشبكة توريد واحدة. لقد اختارت المؤسسة أن تتبع الخيوط حتى نهايتها، وأن تنتقل من التعامل مع النتائج إلى معالجة السبب، ومن ملاحقة الأطراف إلى استهداف المركز الذي يغذي هذه المنظومة.
لقد تعاملت المؤسسة مع القضية كما يتعامل الجراح مع المرض؛ فلم تكتف بإزالة الأعراض، بل وصلت إلى مصدرها. ومن خلال تحليل البيانات، وتتبع مسارات التوريد، والاستفادة من قواعد بيانات شركات التوصيل، تمكنت من الوصول إلى المصدر الرئيس الذي كان يمد عشرات الصفحات الإلكترونية بالمنتجات المقلدة. إنها منهجية تضرب رأس سلسلة الإمداد بدلاً من استنزاف الجهد في ملاحقة كل منفذ بيع على حدة.
ولذلك، فإن ما تحقق لا يمكن اعتباره مجرد ضبطية، بل هو تفكيك لجزء رئيس من شبكة تجارة غير مشروعة اعتمدت على الفضاء الرقمي للوصول إلى المستهلك، مستفيدة من سرعة التجارة الإلكترونية واتساع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. وحين يتم تعطيل المصدر الرئيس لهذه الشبكة، فإن أثر العملية يمتد إلى ما هو أبعد من الكميات المضبوطة، ليصل إلى تجفيف منابع التوريد والحد من انتشار المنتجات المخالفة في السوق.
ولعل أبرز ما يميز هذا الإنجاز أن المؤسسة أعلنت أن العملية أدت إلى وقف ما يقارب 70% من تدفق هذه المستحضرات إلى الصفحات الإلكترونية. وهذه النتيجة تعكس نجاحًا في تعطيل سلسلة الإمداد، وليس مجرد مصادرة بضائع. فالفرق كبير بين أن تضبط شحنة، وبين أن توقف مسارًا كاملًا كان يغذي السوق بمنتجات غير مشروعة.
ومن هنا تتجلى أهمية القيادة المؤسسية التي تبنت هذا النهج. فقد استطاعت عطوفة الأستاذ الدكتورة رنا عبيدات أن تقود المؤسسة نحو نموذج رقابي أكثر تطورًا، يعتمد على المعلومات وتحليل المخاطر والعمل الاستخباري الرقابي، بدلاً من الاكتفاء بالتفتيش التقليدي. وهذا التحول يمثل نقلة نوعية في فلسفة الرقابة، ويضع المؤسسة في مصاف الجهات الرقابية التي تستهدف جذور المشكلة، لا مظاهرها فقط.
إن أخطر ما في المنتجات المضبوطة أنها كانت تحمل علامات تجارية عالمية، بما يعني أن المستهلك كان يعتقد أنه يشتري منتجًا أصليًا، بينما قد يكون أمام منتج مقلد أو مجهول المصدر لا يعرف أحد ظروف تصنيعه أو مكوناته أو مدى سلامته. وهنا يصبح الخطر مضاعفًا؛ فهو يجمع بين الغش التجاري والتضليل الصحي في آن واحد.
كما أن هذه العملية لم تحمِ صحة المواطن فحسب، بل دافعت عن الاقتصاد الوطني أيضًا. فالمنتجات المقلدة لا تنافس بجودة أفضل، وإنما تنافس عبر التهرب من الالتزامات القانونية والتنظيمية والضريبية التي يلتزم بها المستثمرون والوكلاء الرسميون. وهي بذلك تخل بمبدأ المنافسة العادلة، وتلحق ضررًا مباشرًا بالشركات الملتزمة التي استثمرت في تسجيل منتجاتها، وبناء علاماتها التجارية، والالتزام بالمعايير الرقابية.
ولهذا، فإن حماية الوكلاء الرسميين ليست حماية لمصالح تجارية فحسب، بل هي حماية لاقتصاد منظم يقوم على احترام القانون، وصون حقوق الملكية الفكرية، وتشجيع الاستثمار المشروع. فكل مستثمر يبحث عن بيئة تثبت أن الدولة قادرة على حماية السوق من الغش والتقليد، وأن المؤسسات الرقابية قادرة على فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.
إن نجاح هذه العملية يبعث برسالة واضحة إلى كل من يفكر في استغلال الفضاء الإلكتروني لتسويق منتجات غير مشروعة، مفادها أن التكنولوجيا التي تُستخدم لإخفاء المخالفة، يمكن أن تتحول إلى أداة لكشفها. وأن البيانات التي تتحرك عبر المنصات الرقمية وشركات التوصيل قد تقود في النهاية إلى المصدر الحقيقي.
كما يبعث برسالة طمأنينة إلى المواطن، بأن صحة الأردنيين ليست محل مساومة، وأن خلف هذا السوق مؤسسة رقابية يقظة، تمتلك من الكفاءة والخبرة والإرادة ما يمكنها من حماية المستهلك، وصون الاقتصاد، والدفاع عن سمعة الأردن كسوق منظم وجاذب للاستثمار.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للأجهزة الأمنية المختصة التي شكلت، إلى جانب المؤسسة العامة للغذاء والدواء، نموذجًا متقدمًا للتكامل بين الخبرة الفنية والقدرة التنفيذية. فهذا النوع من العمليات لا ينجح إلا عندما تتكامل المعلومة مع التحري، والتحليل مع التنفيذ، والإرادة المؤسسية مع إنفاذ القانون.
إن ما تحقق اليوم ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة في مكافحة التجارة غير المشروعة القائمة على التحليل الاستباقي واستهداف سلاسل الإمداد. وهو إنجاز يستحق الإشادة، لأنه لم يكتفِ بضبط المخالفة، بل وجه ضربة مؤثرة إلى بنيتها، ورسخ مفهومًا رقابيًا حديثًا مفاده أن النجاح الحقيقي لا يكون في ملاحقة الفروع، وإنما في الوصول إلى المصدر الذي يغذيها.
فكل التقدير للمؤسسة العامة للغذاء والدواء، بقيادة عطوفة الأستاذ الدكتورة رنا عبيدات، ولجميع كوادرها الرقابية، وللأجهزة الأمنية الشريكة، على هذا الإنجاز الوطني الذي يجسد أن حماية صحة المواطن، وحماية الاقتصاد الوطني، وصون سمعة السوق الأردني، هي مسؤولية وطنية تُترجم إلى عمل ميداني احترافي، وإلى نتائج ملموسة يشعر بها