الأنباط -
النشامى بعد المونديال بين المكاسب وضرورة التغيير
الأنباط – ميناس بني ياسين
لم يعد السؤال في الأردن بعد المشاركة التاريخية في 2026 FIFA World Cup هو كيف وصل النشامى إلى المونديال، بل ماذا يجب أن يتغير بعد الوصول؟ فالمشاركة العالمية كشفت حجم التطور الذي وصلت إليه الكرة الأردنية، لكنها في الوقت ذاته وضعت أمامها مرآة صريحة أظهرت الفجوات التي تفصلها عن مدارس كروية أكثر تقدماً على المستويات البدنية والفنية والتكتيكية والإدارية.
وبينما انتهت الرحلة بنتائج رقمية قاسية أمام منتخبات كبرى، فإن الأسئلة الحقيقية تبدأ الآن: كيف نحول التجربة إلى مشروع تطوير طويل الأمد؟ وكيف يصبح التأهل إلى كأس العالم محطة انطلاق جديدة لا سقفاً للطموح؟ وفي هذا السياق أكد مدرب كرة القدم أيمن علي الفقير لـ "الأنباط" أن النتائج الرقمية التي حققها المنتخب الوطني الأردني في مبارياته الثلاث أمام منتخبات النمسا والجزائر والأرجنتين لا تعكس الصورة الحقيقية لمشاركة "النشامى" في كأس العالم 2026، معتبراً أن ما تحقق يتجاوز مسألة الفوز والخسارة إلى مكاسب فنية وتكتيكية وإدارية ونفسية ستشكل قاعدة مهمة لمستقبل الكرة الأردنية.
وأوضح الفقير أن المنتخب الوطني نجح في اكتساب خبرات كبيرة من خلال الاحتكاك المباشر بمنتخبات عالمية تمتلك خبرات وإمكانات عالية، مشيراً إلى أن اللاعبين اكتسبوا ثقة أكبر بأنفسهم بعد قدرتهم على مجاراة منتخبات كبرى لفترات طويلة من المباريات، الأمر الذي يعزز الإيمان بقدرة الكرة الأردنية على التطور والمنافسة مستقبلاً.
وبيّن أن المنتخب أظهر مستويات فنية مميزة خلال فترات عديدة من المباريات، إلا أن الفوارق البدنية والتكنيكية ظهرت بصورة واضحة مع مرور الوقت، لافتاً إلى أن المنتخب كان قادراً على تقديم أداء قوي وعالٍ خلال نحو 60 إلى 65 دقيقة، قبل أن تظهر أفضلية المنتخبات المنافسة من حيث الجاهزية البدنية والخبرة والقدرات الفردية.
وأشار الفقير إلى أن الفوارق التكنيكية بين اللاعب الأردني ونظيره في المنتخبات الكبرى ترتبط بشكل مباشر بالتطور البدني والتكتيكي الذي يعيشه اللاعبون في الدوريات الأوروبية والعالمية، مؤكداً أن هذه الجوانب تمثل مساحات للتطور وليست نقاط ضعف أو أسباباً للإحباط.
وأضاف أن المنتخب الأردني بحاجة خلال المرحلة المقبلة إلى تطوير عدد من الجوانب التكتيكية، وفي مقدمتها بناء الهجمة المنظمة من الخطوط الخلفية مروراً بوسط الملعب وصولاً إلى الثلث الهجومي، بالإضافة إلى تحسين التحولات الدفاعية والهجومية والقدرة على استعادة الكرة بسرعة بعد فقدانها.
كما أوضح أن تطوير الدفاع المنظم خصوصاً في وسط الملعب والثلث الأخير، يعد من الأولويات الفنية، من خلال تحسين المسافات بين اللاعبين والخطوط، واختيار التوقيت المناسب للضغط واستخلاص الكرة، بما يرفع من كفاءة الأداء الجماعي أمام المنتخبات الكبرى.
وأكد الفقير أن الجهاز الفني للمنتخب الوطني أدار المباريات الثلاث بصورة جيدة من الناحية التكتيكية، إلا أن مواجهة مدارس كروية متقدمة ومدربين ولاعبين ينشطون في أقوى الدوريات العالمية تجعل المهمة أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أن الفوارق الفردية والخبرات التنافسية لعبت دوراً مهماً في تحديد النتائج النهائية.
وشدد على ضرورة مراجعة الفلسفة الكروية الأردنية والانتقال إلى نموذج أكثر تطوراً يعتمد على العلم والتخطيط طويل الأمد، ويركز على تطوير اللاعب من النواحي الفنية والبدنية والذهنية والإبداعية منذ المراحل العمرية المبكرة.
ولفت الفقير إلى أن من أهم الدروس المستفادة من كأس العالم أن الأردن أصبح يمتلك صورة أوضح عن الطريق الذي يجب أن يسلكه خلال السنوات المقبلة، سواء في ما يتعلق بتطوير اللياقة البدنية أو الجوانب التكتيكية أو بناء عقلية اللاعب القادر على الإبداع واتخاذ القرار داخل الملعب.
وأشار إلى أن البطولة لم تقدم دروساً رياضية فقط، بل عززت أيضاً قيم الوحدة الوطنية والعمل الجماعي والالتفاف الشعبي حول المنتخب الوطني، مؤكداً أن هذه القيم يمكن استثمارها في تطوير الرياضة والقطاعات الأخرى مستقبلاً.
وبيّن أن المشاركة المونديالية يجب أن تمثل حجر الأساس لخطة استراتيجية تمتد لخمس أو عشر سنوات، تتضمن تطوير المدربين، ورفع جودة برامج التدريب، وزيادة فرص الاحتراف الخارجي للاعبين، إلى جانب تحسين مسابقات الفئات العمرية.
وأكد الفقير أن استمرار إقامة بطولات الفئات العمرية لفترات قصيرة لا يساعد على صناعة لاعب قادر على المنافسة الدولية، داعياً إلى وضع برامج ومسابقات مستمرة على مدار العام، إلى جانب تطوير الأكاديميات وإخضاعها لمعايير واضحة تضمن جودة العمل الفني والتدريبي.
كما دعا إلى تشديد الرقابة على الأكاديميات الرياضية وضمان امتلاك المدربين للشهادات والرخص المعتمدة، بما يسهم في بناء منظومة كروية أكثر احترافية قادرة على تطوير اللاعب والمدرب والدوري المحلي والمنتخب الوطني في الوقت ذاته.
وأوضح أن أولويات الاتحاد الأردني لكرة القدم خلال المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على تطوير المدرب الأردني وفق أحدث المناهج العالمية، والاستثمار الحقيقي في الفئات العمرية، وتطوير مسابقاتها، وابتعاث اللاعبين والمدربين إلى الخارج للاستفادة من التجارب المتقدمة.
وأشار كذلك إلى أهمية الاستثمار في التكنولوجيا الرياضية الحديثة، وعلوم الرياضة والطب الرياضي والفسيولوجيا والتحليل الفني، إضافة إلى تطوير البنية التحتية وإنشاء الملاعب والمدن الرياضية في مختلف محافظات المملكة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لدعم الأندية والفئات السنية.
وعن أسباب نجاح بعض المنتخبات العربية في كأس العالم، أوضح الفقير أن التجربة المغربية والجزائرية تمثل نموذجاً ناجحاً للاستفادة من احتراف اللاعبين في أوروبا وتطورهم داخل أفضل الأكاديميات والدوريات العالمية، مشيراً إلى أن قرب دول شمال أفريقيا من القارة الأوروبية أسهم في تسريع هذه العملية.
وأكد أن إنشاء أكاديمية محمد السادس في المغرب يمثل نموذجاً وطنياً ناجحاً في صناعة اللاعبين وتطويرهم وفق أحدث المناهج التدريبية، داعياً إلى الاستفادة من هذه التجارب وبناء مشروع أردني مشابه خلال السنوات المقبلة.
وفي ختام حديثه أشار الفقير إلى أن المنتخب المغربي كان الأكثر إقناعاً بين المنتخبات العربية المشاركة في البطولة، مشيداً أيضاً بالمستويات التي قدمها المنتخبان المصري والجزائري، إلى جانب الأداء المشرف للمنتخب الأردني الذي نجح في إحراج منتخبات كبيرة وقدم مستويات مميزة عكست حجم التطور الذي وصلت إليه الكرة الأردنية، مؤكداً أن ما تحقق يمثل بداية واعدة يمكن البناء عليها لتحقيق إنجازات أكبر في المستقبل.