اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
الهيئة الخيرية: توزيع 4500 وجبة ساخنة على الأسر الأكثر احتياجًا في غزة خلال حزيران إدارة مياه البادية الشمالية تنفذ وصلات جديدة لتزويد الحي الغربي بالدفيانة 82.8 دينار سعر الذهب عيار 21 بالسوق المحلية مبادرة "نون للكتاب" تناقش "العنكبوت" للقاص أكرم الزعبي "الطاقة" تطلق تشغيل مشروع نظام سخانات شمسية حرارية في مستشفى الأميرة رحمة بمحافظة اربد البنك الأردني الكويتي الراعي البلاتيني للمؤتمر الوطني الثاني للتغير المناخي والاقتصاد الأخضر ضبط آبار مخالفة واعتداءات كبيرة على خطوط المياه في جنوب عمّان وناعور وفاة شخص متأثراً بإصابته بعيار ناري في مخيم إربد وضبط الجناة حوارية في شومان بعنوان "تحولات السرد في الرواية العربية في زمن الذكاء الاصطناعي" ما سرُّ حبِّ الوطن؟ المياه : حفر بئر جديد في عين الباشا لتعزيز التزويد المائي هبوط اضطراري لإحدى طائرات سلاح الجو الملكي جيدكو" تدعو الشركات الأردنية للمشاركة في ندوة عبر تطبيق زووم لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع مملكة البحرين أنقرة- سامي أوزديمير - نائب الملك يستقبل منتخب النشامى لدى عودتهم للمملكة بعد المشاركة في المونديال وزيرة التنمية تفتتح وحدة التدخل المبكر للأطفال في لواء الشوبك المنطقة العسكرية الشرقية تحبط محاولة تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة بواسطة بالونات التربية تعلن عن التقويم المدرسي للعام الدراسي المقبل 2026/ 2027 حين تتحول العدالة الوظيفية ضحية للتشريع جمعية ائتلاف مربّي الأبقار: تحقيق الأردن اكتفاء ذاتيا من الحليب ومنتجاته ومعلومات غير دقيقة بـ" كتاب الزراعة "

ما سرُّ حبِّ الوطن؟

ما سرُّ حبِّ الوطن
الأنباط -
د. أيوب أبودية
للوهلة الأولى، يبدو حبُّ الوطن شعورًا فطريا بديهيًا لا يحتاج إلى تفسير. لكن إذا تأملنا الأمر قليلًا، سنجد سؤالًا يستحق البحث: لماذا يرتبط الإنسان بقطعة أرض دون غيرها؟ ولماذا يشتد الحنين إليها مهما طالت سنوات الغياب؟ خاصة لبيته الأول، كما قال أبو تمّام:
وكم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأوّل منزل

يرى علماء النفس أن أحد أهم التفسيرات يكمن في الشعور بالانتماء Feeling of Belonging ، وهو من الحاجات الأساسية للإنسان. فالفرد لا يبحث فقط عن الطعام والشراب والمأوى، بل يحتاج أيضًا إلى الإحساس بأنه جزء من جماعة تشاركه اللغة والثقافة والتاريخ والذكريات. والوطن هو الإطار الأكبر الذي يمنح هذا الشعور. ولهذا فإن فقدان الوطن، أو الشعور بالغربة، قد يترك آثارًا نفسية عميقة حتى لو توفرت للإنسان جميع وسائل الراحة المادية.
ويضيف علماء الأحياء التطورية تفسيرًا آخر يرتبط بما يُعرف بـ"نزعة البقاء". فالإنسان القديم لم يكن قادرًا على النجاة منفردًا، بل كانت فرص بقائه تزداد كلما انتمى إلى جماعة متماسكة تتعاون في الدفاع عن نفسها وتأمين الغذاء ورعاية الأطفال. ومع مرور آلاف السنين أصبحت الرغبة في الانتماء والولاء للجماعة جزءًا من البنية النفسية للإنسان، ثم تطورت الجماعة الصغيرة إلى قبيلة، فالمدينة، ثم الدولة الحديثة، ليصبح الوطن الامتداد الطبيعي لذلك الانتماء.
لكن الأمر لا يتوقف عند علم النفس أو البيولوجيا. فهناك عامل آخر لا يقل أهمية، هو التعوّد. فالإنسان يتكيف تدريجيًا مع البيئة التي يعيش فيها؛ يعتاد مناخها، وروائحها، وأصواتها، ولهجتها، وطعامها، وحتى إيقاع الموسيقى والرقص وروح الحياة فيها.
ويشير علماء الأعصاب إلى أن الدماغ يميل إلى تفضيل المألوف لأنه يتطلب جهدًا معرفيًا أقل ويمنح شعورًا بالأمان والاستقرار. وهذا المألوف هو الذي أسهم في حمايته من المخاطر من حوله في طفولته، وبالتالي لا يقدر بثمن. لذلك يشعر كثير من الناس، بعد سنوات من الإقامة في الخارج، بالحنين إلى تفاصيل قد تبدو بسيطة، مثل رائحة المطر، أو نكهة الطعام المحلي، أو صوت المؤذن، أو ازدحام الأسواق، أو حتى طبيعة الفصول التي نشأوا عليها ودرجات الحرارة والرطوبة، بل وألوان الطبيعية نفسها: الصفراء في الصحراء، والخضراء في الجبال، والزرقاء بجانب البحار.
كما أن الوطن هو مستودع الذاكرة الشخصية. ففيه الطفولة، وأول خطوة، وأول مدرسة، وأول صديق، وأول نجاح، وأول إخفاق، وأول حب. ومع مرور الزمن تتداخل الجغرافيا مع الذكريات، أي يتداخل الزمان بالمكان، فيصبح المكان جزءًا من هوية الإنسان وتاريخه الزمني، وليس مجرد مساحة يعيش فيها.
إنّ هذا الارتباط بين الذاكرة والمكان يمكن فهمه أيضًا من خلال مفهوم الزمكان الذي طوّره آينشتين في الفيزياء الحديثة، حيث لم يعد الزمان والمكان بُعدين منفصلين، بل نسيجًا واحدًا متداخلًا. وعلى المستوى الإنساني، يبدو الوطن تجسيدًا حيًّا لهذا التداخل؛ فكل زاوية فيه لا تحمل موقعًا جغرافيًا فحسب، بل تختزن لحظة زمنية محددة من حياة الإنسان. فالبيت القديم ليس مجرد جدران، بل زمن الطفولة، والشارع ليس مجرد طريق، بل سنوات اللهو والنمو، والمدرسة ليست بناءً فقط، بل مرحلة من التشكّل الفكري والوجداني. وهكذا يتحول الوطن إلى فضاء زمكاني خاص، تتراكم فيه طبقات العمر والذكريات، بحيث يصبح فقدان الوطن أو الابتعاد عنه أشبه بانفصال مؤلم عن جزء من الزمن الشخصي ذاته، لا عن المكان وحده.
ومن منظور علم الاجتماع، فإن حب الوطن لا ينشأ تلقائيًا، بل تعززه الأسرة والمدرسة والمعاناة ووسائل الإعلام والرموز الوطنية والاحتفالات العامة. فهذه المؤسسات تنقل من جيل إلى آخر القصص المشتركة والقيم والرموز التي تعزز الهوية الوطنية، وتجعل الأفراد يشعرون بأنهم ينتمون إلى تاريخ ومستقبل واحد، فيتضامنون للبقاء في أحسن صورة وأنعم حال.
ورغم ذلك التعلق بالأرض والجماعة البشرية، فإن حب الوطن ينبغي أن لا يتحول إلى تعصب أو رفض للآخرين. فالوطنية الصحية تعني الحرص على ازدهار الوطن، واحترام القانون، وتقدير التنوع العرقي والمذهبي والديني، والمساهمة في التنمية بإخلاص، والدفاع عن المصلحة العامة، مع الإيمان بأن لكل شعب الحق في أن يحب وطنه بالطريقة نفسها.
ولعل سر حب الوطن يكمن في تداخل هذه العوامل جميعًا؛ فهناك استعداد فطري للانتماء، ورغبة تطورية في الأمان والبقاء، وتأثير قوي للذكريات والعادات، وتشكيل اجتماعي وثقافي مستدام، وتنوع فسيفسائي في عصر العولمة. ولهذا يبقى الوطن، بالنسبة لمعظم البشر، أكثر من حدود سياسية أو رقعة جغرافية أو زمانية؛ إنه المكان الذي تتشكل فيه الهوية، وتستقر فيه الذاكرة، ويشعر فيه الإنسان بأنه ينتمي إلى شيء أكبر من ذاته، ومنه ينطلق ليخرج من القطرية ليصبح انتماؤه عالميا.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير