الأنباط -
كتب فايز الشاقلدي
في الجامعات الرصينة لا تُصنع السمعة الأكاديمية بالخطب ولا بالألقاب بل بالأبحاث المنشورة والحضور الرصين والمخزون العلمي والاستشهادات العلمية والتأثير الحقيقي في المعرفة الإنسانية وترك بصمة ايجابية لدى الطلبة .
ولهذا أصبحت قواعد البيانات العالمية مثل سكوبس وغيرها المرجع الأكثر موضوعية لقياس الأداء البحثي بعيداً عن العلاقات الشخصية والانطباعات الذاتية.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تُمنح جائزة تحمل اسم "الباحث المتميز" لأكاديمي لا يملك منجزاً بحثياً يتناسب مع هذا الوصف فعندما يكون الرصيد العلمي المنشور من الأبحاث قريب الصفر ويقف معامل التأثير (H-index) عند مستوى متدنٍ لايتجاوز بحث واحد منشور منذ عقود لرحلة عمل قاربت على النصف قرن بينما يغيب الإنتاج العلمي لسنوات طويلة فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن الشخص بقدر ما هو عن الجهة التي منحت الجائزة.
كيف يمكن الحديث عن التميز البحثي في ظل غياب مؤشرات التميز المعترف بها عالمياً؟ وكيف يمكن إقناع الباحثين الشباب بقيمة العمل الجاد والنشر العلمي الرصين عندما يرون أن الجوائز قد تُمنح بعيداً عن الأرقام والحقائق القابلة للقياس؟
الخطورة لا تكمن في حالة فردية بل في الرسالة التي تبعثها المؤسسة الأكاديمية إلى مجتمعها العلمي فحين تتراجع المعايير الموضوعية لصالح اعتبارات أخرى تتحول الجائزة من أداة لتحفيز الإبداع والإنجاز إلى وسيلة تفقد قيمتها المعنوية والعلمية معاً.
إن الباحث المتميز ليس من أمضى سنوات طويلة في الجامعة فالأقدمية ليست إنجازاً بحثياً وليس من يحمل لقباً أكاديمياً فاللقب لا يصنع المعرفة الباحث المتميز هو من ينتج معرفة جديدة ويُنشر عمله في مجلات محترمة ويستشهد به الآخرون ويترك أثراً يمكن قياسه وتتبع نتائجه.
ولذلك فإن أي جامعة تمنح جوائز للتميز البحثي مطالبة قبل كل شيء بإعلان معاييرها بشفافية كاملة: عدد الأبحاث، جودة النشر، معامل التأثير، الاستشهادات العلمية ومؤشرات الأداء المعترف بها دولياً أما عندما تُمنح الجوائز بمعزل عن هذه المؤشرات فإن السؤال لا يعود من فاز بالجائزة؟ بل يصبح: ماذا بقي من معنى الجائزة نفسها؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسة الأكاديمية ليس ضعف الإنتاج العلمي فحسب بل فقدان قدرتها على التمييز بين الباحث المنتج والباحث الغائب عن المشهد العلمي ومن أعاجيب الزمان ان تمنح الجائزة لمن لم يقدم اي انتاج وايضا برع في الفشل الأداري الصارخ وبشهادة الجميع. وعندما يحدث ذلك فإن الأزمة لا تكون أزمة أفراد بل أزمة معايير ومصداقية وثقافة مؤسسية بأكملها ونطالب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في التحقق من صحة الجائزة وعلى الجامعة سحب هذا المنح لمن لا يستحق .