الأنباط -
د. عمّار محمد الرجوب
في منعطفٍ خفيّ من التاريخ الإنساني، لم يعد التحوّل حدثاً استثنائياً يقتحم الأزمنة دفعةً واحدة، بل أصبح تسرباً صامتاً يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية كما يتسلل الماء إلى شقوق الصخور؛ بطيئاً، لكنه قادر على إعادة تشكيلها من الداخل. لم يعد الإنسان يعبر من عصرٍ إلى آخر بوعيٍ كامل، بل بات يذوب في التحوّل وهو يظن أنه ما يزال ثابتاً في مكانه. وبينما كانت الحضارات تُقاس يوماً بما خلّفته من معابد وكتب ومدارس فكر، أصبح العالم المعاصر يُقاس بسرعة الإشارة لا بعمق الفكرة، وبقوة الانتشار لا بمتانة المعنى، وبحجم الضجيج لا بصفاء الحقيقة.
إننا لا نعيش عصر المعلومات فحسب، بل نعيش لحظة تاريخية يُعاد فيها تعريف الإنسان ذاته. فالسؤال لم يعد متعلقاً بما نملك من معرفة، بل بما تفعله هذه المعرفة بعقولنا، وبالطريقة التي تعيد بها تشكيل وعينا وحدود إدراكنا للعالم.
لقد تراجعت الحقيقة من مقام القيمة العليا التي يُحتكم إليها، إلى مرتبة الرأي القابل للمنافسة وسط سيلٍ لا ينتهي من الآراء. لم يعد السؤال الجوهري: ما الحقيقة؟ بل أصبح: ما الأكثر تداولاً؟ وما الأكثر قدرةً على جذب الانتباه؟ وهنا تبدأ المأساة الحديثة؛ تلك التي لا تُعلن نفسها في صورة انهيارٍ صاخب، بل تعمل بصمتٍ داخل البنية العميقة للوعي الإنساني، حتى يصبح الزائف مألوفاً، والمألوف مقبولاً، والمقبول بديلاً عن الحقيقة.
وفي الاقتصاد، لم تعد الثروة تُختزل في المصانع والموارد ورؤوس الأموال وحدها، بل أصبحت تتجسد في موردٍ أكثر ندرة من الذهب نفسه: انتباه الإنسان. لقد تحول الانتباه إلى عملة العصر الكبرى، تُشترى به الأسواق، وتُبنى عليه الإمبراطوريات الرقمية، وتُقاس به القوة والنفوذ. لم تعد الشركات تتنافس على بيع السلع بقدر ما تتنافس على احتلال مساحة داخل العقل البشري. وهكذا لم يعد السوق فضاءً لتبادل المنتجات فحسب، بل أصبح ساحةً لإعادة تشكيل الإدراك نفسه، أما السياسة، فقد تبدلت طبيعتها كما تبدلت أدواتها. فالرؤية البعيدة التي كانت تصنع رجال الدولة أفسحت المجال أمام لحظة عابرة تُصاغ لتُستهلك بسرعة. لم تعد الأفكار تنتصر لأنها أكثر عمقاً، بل لأنها أكثر قابلية للانتشار. وأصبح الرأي العام، في كثير من الأحيان، أقرب إلى موجةٍ متحركة منه إلى وعيٍ جمعي متماسك؛ يتشكل وفق ما يراه، لا وفق ما يفهمه، ويتغير تبعاً لما يثيره، لا لما يقنعه وفي قلب المجتمع الحديث، تتجلى مفارقة تكاد تكون الأكثر قسوة. فالإنسان أصبح أقرب إلى الجميع وأبعد عن نفسه. يمتلك مئات النوافذ المفتوحة على العالم، لكنه يفتقد نافذةً واحدة يطل منها على أعماقه. يتحدث باستمرار، لكنه نادراً ما يُنصت. يشارك تفاصيل حياته مع الآخرين، بينما تغيب عنه تفاصيل ذاته. يرى العالم كله، لكنه يعجز أحياناً عن رؤية ما يحدث داخله.
حتى الثقافة، التي كانت عبر التاريخ مشروعاً بطيئاً لبناء الوعي وتوسيع الأفق الإنساني، خضعت لمنطق السرعة والاستهلاك. فالفكرة التي كانت تحتاج إلى أيام من التأمل أصبحت تُختزل في ثوانٍ، والكتاب الذي كان يرافق القارئ سنوات صار يُستبدل بمقاطع عابرة. لم يعد السؤال: ماذا فهمت؟ بل: ماذا شاهدت؟ وكأن المعرفة فقدت بعدها التأملي لتحل محلّه ثقافة الاستهلاك اللحظي.
أما المعرفة نفسها، فقد دخلت مرحلةً غير مسبوقة من تاريخها. فهي اليوم متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكنها في الوقت ذاته أكثر عرضة للتشويش والالتباس. لقد انهارت المسافات بين المعلومة والمتلقي، لكن المسافة بين المعرفة والفهم أصبحت أكثر اتساعاً. فليس كل ما يُعرف يُفهم، وليس كل ما يُقال يُدرك، وليس كل ما يُتداول يستحق أن يُصدق.
وفي مركز هذا المشهد المتشابك يقف الإنسان؛ لا بوصفه ضحية كاملة، ولا باعتباره منتصراً مطلقاً، بل ككائنٍ يحاول أن يحدد موقعه وسط عالمٍ يتغير بسرعة تفوق قدرته على التأمل. إنه يواجه سؤالاً وجودياً جديداً: هل ما زال يقود أدواته، أم أن أدواته أصبحت تقود تصوراته وخياراته ومسارات حياته دون أن يشعر؟
إن أخطر ما يحدث في عصرنا ليس تطور التكنولوجيا بحد ذاته، بل اعتياد الإنسان عليها إلى الحد الذي يتوقف فيه عن مساءلتها. فالتعود أصبح أسرع من التفكير، والانبهار أسرع من التحليل، وردة الفعل أسرع من الفهم. وحين تتسارع الأشياء إلى هذا الحد، يصبح التأمل فعلاً مقاوماً، وتغدو القدرة على التوقف فضيلة نادرة.
ومع ذلك، لا يبدو المستقبل طريقاً مغلقاً. فالتاريخ يعلمنا أن كل أزمة كبرى حملت في أعماقها إمكانية ولادة جديدة. وربما لا نعيش نهاية المعرفة كما يظن البعض، بل بداية سؤال أكثر عمقاً عنها. سؤال لا يبحث عما نعرفه فقط، بل عن الكيفية التي نعرف بها، ولماذا نصدق ما نصدق، وكيف نميز بين الواقع كما هو، والواقع كما يُراد لنا أن نراه.
ولعل «الإنسان الأخير» ليس نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة جديدة من الوعي؛ وعيٌ لا يعادي العصر، لكنه لا يستسلم لإغراءاته، ولا يرفض التقدم، لكنه يرفض أن يتحول إلى تابعٍ أعمى له. وعيٌ يعرف أن الوقوف خارج الضجيج للحظة ليس هروباً من العالم، بل محاولة لفهمه بعمق أكبر.
وعندما ينحسر هذا الصخب الهائل الذي يملأ حياتنا، قد يبقى سؤال واحد فقط معلقاً في فضاء الفكر الإنساني.
هل كنا نصنع العالم حقاً، أم كنا نُعاد صياغتنا داخله على مهل؟
وربما يكون الجواب الأكثر حكمة أن الإنسان، رغم كل ما أحاط به من تحولات، ما يزال يمتلك القدرة على إعادة اكتشاف ذاته وصياغة مصيره، شرط أن يمتلك شجاعة التوقف، وأن يمنح نفسه لحظة صادقة من التأمل وسط سباقٍ لا يعرف التوقف.
«أنا لا أكتب لأفسر العالم، بل لأتأكد أن روحي لم تذب في ضجيجه.»