الأنباط -
د. حازم قشوع
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الدول بحدودها، ولا تُختزل قيمتها بمساحاتها، بل تُعرَف بقدرتها على حمل الرسائل التاريخية التي تتجاوز الجغرافيا وتعيد تشكيل المعنى السياسي للأمة. وفي هذا السياق، يبرز الأردن لا كدولةٍ نشأت ضمن شروط التقسيم، بل كفكرةٍ سبقت نشوء الدولة، وكحالةٍ سياسية تأسست على مضمونٍ رسالي حملته إرادة التاريخ قبل أن تُثبّته خرائط السياسة.
إذا كانت الدول تُبنى على محددات الجغرافيا، وتتشكل ضمن أطر المجتمعات المقيدة بالحدود والمشروطة بهوياتها الخاصة، فإن الأردن لم يكن في يومٍ من الأيام مجرد نتاجٍ جغرافي أو حالة سياسية تقليدية، بل جاء تأسيسه محمولًا على راية الرسالة، تلك التي سبقت الحيّز، وتقدّمت على الشكل، لتصوغ مضمون الدولة قبل رسم حدودها.
ففي لحظة التكوين، لم يكن الأردن جغرافيا تبحث عن هوية، بل رسالة تبحث عن دور، فجاءت الجغرافيا لتكون حاضنةً لها، ومسرحًا لانطلاقها. ومن هنا تشكّلت خصوصية الدولة الأردنية، حيث تماهى البعد السياسي مع الامتداد الهاشمي، وتحوّلت الأرض إلى مركز ارتكاز لمشروعٍ عربي أوسع، حمل لواءه الجيش العربي المصطفى، بوصفه امتدادًا عضويًا لرسالة الأمة، وحارسًا لذاكرتها، وصائناً لميراثها التاريخي.
لقد حمل هذا الجيش، منذ نشأته، وظيفة تتجاوز التعريف العسكري التقليدي، ليغدو تعبيرًا عن إرادة العرب الجامعة، وسندًا لمكانتهم، وحاملًا لراية رسالتهم الحضارية، وهو ما جعل من مفهوم "الرسالة” في الحالة الأردنية متقدمًا على مفهوم "الدولة” بالمعنى الإجرائي الضيق.
ومن هنا، فإن خصوصية الأردن لا تُقرأ ضمن سياق نشأة الدول التي أفرزتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، بل تُفهم في ضوء انطلاقته المبكرة مع الثورة العربية الكبرى عام 1916، تلك اللحظة التي دشّنت الفعل السياسي العربي قبل اكتمال خرائطه، وأسست لوعيٍ جمعي يقوم على "أنسنة المواطن العربي”، بوصفه غاية الدولة ومرتكزها.
وعليه، فإن الأردنيين، وهم يحتفون بيوم الجيش وذكرى انطلاق رسالة الثورة العربية الكبرى، لا يستحضرون مجرد مناسبة وطنية، بل يعيدون إنتاج الوعي بذواتهم، ويجدّدون صلتهم بجذورهم الفكرية، ويستذكرون التضحيات الكبرى التي صاغت وجدانهم الوطني، ورسّخت فيهم منظومة قيمٍ باتت تشكّل عقيدة راسخة تربط المواطن بجيشه، وتؤسس لعلاقةٍ تتجاوز البعد الوظيفي إلى بعدٍ وجداني يكاد يلامس القداسة.
فإن يوم الجيش ويوم الرسالة لا يأتيان بوصفهما محطة احتفالية عابرة، بل كاختبارٍ دائمٍ لصدق الانتماء، ومعيارٍ حيٍّ لقياس مدى التمسك بجوهر الفكرة التي قام عليها الأردن. فالدولة التي وُلدت من رحم الرسالة لا يجوز لها أن تنكفئ إلى حدود الجغرافيا، ولا أن تُختزل في وظائف الإدارة، بل عليها أن تبقى وفية لدورها العربي، حاملةً لراية المعنى في زمنٍ تتساقط فيه المعاني، ومتمسكةً بمنهجها في الدفاع عن قضايا الأمة في لحظةٍ يعاد فيها تشكيل الإقليم على حساب الهوية.
إنه يومٌ يُعيد التذكير بأن الجيش ليس مؤسسةً فحسب، بل عقيدة، وأن الرسالة ليست شعارًا، بل التزام، وأن الأردن—في جوهره—ليس مجرد دولة، بل وطن يحمل رسالة .