الأنباط -
بقلم نضال انور المجالي
في البدء لم يكن هناك مستشارون في هذا العالم بل كان المسؤول يواجه المشكلة بنفسه فيفكر فيها ثم يأخذ قراراً مباشراً ويتحمل مسؤوليته الكاملة غير أن البشرية تطورت واكتشفت أن تحمل المسؤولية أمر يسبب الصداع وارتفاع ضغط الدم ومن هنا ومن رحم الحاجة البشرية للهروب من الملامة وُلِد كائن عجيب يُدعى المستشار وهو باختصار ذلك الشخص الذي يأخذ ساعتك من معصمك ليخبرك كم الساعة الآن ثم يتقاضى ثمن الساعة مكافأة له على هذه العبقرية الفذة
ولكي تكون مستشاراً ناجحاً يشار إليه بالبنان وتُصرف له الشيكات بأرقام فلكية عليك إتقان لغة خاصة وفلسفة معينة فالمستشار الحقيقي لا يقول نعم ولا يقول لا بل يفضل دائماً استخدام عبارة أن الأمر يعتمد على الزاوية التي ننظر منها للمشهد الاستراتيجي العام كما أنه لا يتكلم بكلمات مجردة أبداً فإذا سألته عن أحوال الطقس سيفتح لك على الفور عرضاً مرئياً مليئاً بالمربعات والأسهم المتقاطعة التي تنتهي كلها بدائرة حمراء كُتب فيها الرؤية المستقبلية للمؤسسة فضلاً عن استخدامه لمصطلحات رنانة ومعقدة تجعل السامع يهز رأسه بالموافقة دون أن يفهم كلمة واحدة وهذا هو النجاح الحقيقي في عالم الاستشارات
وفي جولة سريعة داخل أروقة المؤسسات ستجد أصنافاً متنوعة من هؤلاء الخبراء فهناك مستشار إطفاء الحرائق الذي لا يظهر إلا والمصيبة قد وقعت فعلاً ليثبت بتقريره أن الحريق كان بسبب الظروف المناخية وليس بسبب إهمال الإدارة وهناك المستشار القادم من خلف البحار والذي لا يفهم ثقافة المؤسسة ولا يعرف حتى أسماء الموظفين ولكنه يمتلك ميزة خارقة تتمثل في التحدث بلكنة غريبة تجعل المدير يوافق على كل ما يقوله دون تردد وهناك طبعاً المستشار المقرب الذي يقتصر دوره على الابتسام في الاجتماعات والثناء على عبقرية المدير ورؤيته الثاقبة التي لا مثيل لها
المستشار الذكي يعلم يقيناً أن حل المشكلة بسرعة يعني نهاية عقده وقطع مصدر رزقه ولذلك يتبع قاعدة ذهبية مفادها أن حجم التقرير وغموض المصطلحات يرفعان من قيمة الفاتورة فإذا كانت المشكلة بسيطة للغاية وتتعلق بصوت مزعج في باب المكتب فلن يطلب زيتاً لتشحيمه بل سيطلب مهلة لعدة أشهر لعمل دراسة جدوى حول أثر الاحتكاك الميكانيكي على الإنتاجية النفسية للموظفين وفي النهاية سيقترح شراء مبنى جديد تماماً للمؤسسة لحل الأزمة من جذورها
في اليوم العالمي للمستشار نرفع القبعات تقديراً لهؤلاء العباقرة فلولاهم لعرفنا من المسؤول عن الأخطاء ولظلت شاشات العرض مظلمة بلا مخططات بيانية ملونة ونختم بنصيحة صادقة لكل المؤسسات بأنه إذا عم الهدوء والنجاح في شركتك دون وجود أزمات مفتعلة فاعلم أن المستشار لديك لم ينجح في عمله لأنه لم يقنعك بأنك في خطر مستمر يستدعي تجديد عقده لسنوات أخرى وكل عام والمشهد الاستراتيجي بألف خير حسبما تقتضي المصلحة العامة للمرحلة المقبلة
كل عام وأنتم بـ "خير".. أو حسبما تقتضي المصلحة الاستراتيجية للمرحلة المقبلة!