الأنباط -
امل خضر تكتب حين يُصبح الصمت فضيلة زائفة تنهار هيبة الدولة
ليست كل الأزمات وليدة الفشل، فبعضها يولد حين تتحول الحقيقة إلى عبء، ويصبح الصادق متهمًا لأنه قال ما يخشاه الآخرون.
في أوطاننا، لا يُرهق المؤسسات دائمًا ضعف القرار، بل ذلك الخوف المزمن من المواجهة، والاعتياد الطويل على اللغة الرمادية التي لا تغضب أحدًا ولا تُنقذ شيئًا.
المشكلة أن كثيرين يريدون مسؤولًا يتقن الابتسامة أكثر من الحسم، ويبرع في المجاملة أكثر من حماية هيبة موقعه.
وحين يظهر رجل يتحدث بوضوح، يُحاصر بالضجيج، لا لأنه أخطأ بالضرورة، بل لأنه هزّ منطقة الراحة التي بنتها المصالح والترضيات عبر سنوات طويلة.
فالفساد لا يخشى الخطب المنمقة، ولا يرتعب من التصريحات الباردة، بقدر ما يخاف مسؤولًا يملك شجاعة قول لا.
لأن كلمة واحدة صادقة قد تُربك شبكة كاملة اعتادت أن تعيش في الظلال، وتقتات على صمت المترددين.
الدولة لا تُدار بردّات الفعل، ولا بمنطق إرضاء الجميع، فالوطن ليس منصة تعليقات، والقرار ليس استطلاعًا إلكترونيًا يتبدل مع كل موجة غضب عابرة.
الدولة القوية هي التي تعرف متى تستمع، ومتى تحسم، ومتى ترفض الانحناء أمام فوضى الأصوات العالية.
المؤلم حقًا، أن البعض لم يعد يبحث عن الحقيقة، بل عن الخطاب الذي يريحه نفسيًا، حتى لو كان مليئًا بالخداع والتجميل.
ولهذا أصبح المسؤول الصريح مشروع أزمة، بينما يُصفق أحيانًا لمن يجيد دفن المشكلات تحت عبارات ناعمة فاقدة للمعنى.
التاريخ لا يتذكر الذين أتقنوا الوقوف في المنتصف، ولا الذين عاشوا أسرى الخوف من النقد.
التاريخ ينحاز دائمًا لأولئك الذين امتلكوا شجاعة المواجهة، وقالوا الحقيقة حين كان الصمت أكثر أمانًا وأكثر ربحًا أيضًا.
فهيبة الدولة لا يحرسها المترددون، ولا يبنيها أصحاب الأقنعة الكثيرة، بل رجال يعرفون أن الوطن أكبر من التصفيق، وأبقى من الضجيج، وأقدس من أن يُدار بالخوف.